; مؤشرات انفراج في الجزائر.. وانسداد سياسي في تونس | مجلة المجتمع

العنوان مؤشرات انفراج في الجزائر.. وانسداد سياسي في تونس

الكاتب د. محمد الغمقي

تاريخ النشر الثلاثاء 08-سبتمبر-1998

مشاهدات 51

نشر في العدد 1316

نشر في الصفحة 38

الثلاثاء 08-سبتمبر-1998

المغرب العربي

بمناسبة الاستعداد للانتخابات الرئاسية

* يعلق التونسيون آمالًا كبيرة على الانفراج في الجزائر عله يؤثر عليهم.. وبخاصة أن السلطة عندهم تتعلل بالجزائر لتشدد قبضتها الأمنية.

بدأت الاستعدادات للانتخابات الرئاسية في بلدين مغاربيين متجاورين، المفارقة التي يمكن تسجيلها بهذا الصدد تتمثل في أن الجزائر التي تعيش وضعًا أمنيًّا متدهورًا تشهد مؤشرات محدودة، ولكنها جادة على ما يبدو في طريق الحل السياسي، في حين أن تونس عادت خطوات إلى الوراء من خلال تكريس عقلية الحزب الواحد، وتشديد القبضة الأمنية الحديدية، بالتزامن مع خطاب مفرط في الإشادة باحترام حقوق الإنسان والتعددية!

وسيكون شهر مارس 1999م المحطة الانتخابية الأولى التي ستعيشها تونس لترشيح مجلس نواب «برلمان» جديد، ورئيس -تفيد كل المعطيات الحالية- أنه سيكون الرئيس الحالي زين العابدين بن علي في دورة ثالثة، ما لم يأت طارئ مفاجئ، وللتذكير فإن بن علي كان المرشح الوحيد لرئاسيات 1989م، بعد سنتين من الانقلاب الأبيض عام 1987م على الرئيس السابق الحبيب بورقيبة المعروف بتوجهاته العلمانية، وحبه للزعامة وتشبثه بكرسي السلطة رغم كبر سنة ومرضه.

وهذا ما يفسر إلى حد كبير الإجماع الظاهري على شخص بن علي عام 1989م، والذي قدّم نفسه كمنقذ للبلاد من الفوضى والانهيار.

في المقابل كانت الانتخابات التشريعية في السنة نفسها أفضل محطة سياسية عرفتها تونس في تاريخها الحديث، ذلك لأن النظام ترك المجال حرًّا أمام بروز تعددية سياسية حقيقية سرعان ما تم تحجيمها بعد ظهور النتائج التي كانت مفاجئة للسلطة، وتواصل المسار نفسه في خنق الحريات متمثلًا خصوصًا في استهداف الحركة الإسلامية (الاتجاه الإسلامي سابقًا- النهضة حاليًا)، بحل أمني استئصالي وتبني مشروع أطلق عليه اسم «تجفيف ينابيع التدين»، وجاءت انتخابات 1994م، في هذه الظروف الأمنية العصيبة، وحينما تجرأ الدكتور منصف المرزوقي الرئيس السابق للرابطة التونسية لحقوق الإنسان ورشح نفسه منافسًا لابن علي، كان مصيره السجن والتنكيل وحرمانه من حقوقه المدنية والسياسية، كما دخلت بعض الأحزاب المعارضة شكليًّا البرلمان بنسبة محدودة منّ بها النظام على هذه الأحزاب النخبوية، بهدف تلميع صورة النظام أمام الرأي العام الداخلي والخارجي، خصوصًا مع تصاعد الحملات الاحتجاجية على تدهور حقوق الإنسان من طرف جهات سياسية وحقوقية وإنسانية مشهورة في الخارج، وكان رد الفعل التشديد على أن تونس واحة حقوق الإنسان والتعددية، وأنها ليست في حاجة إلى دروس من أحد في هذا المجال.

دار ابن لقمان على حالها:

وتأتي الاستعدادات للانتخابات الرئاسية والتشريعية المقبلة ودار ابن لقمان على حالها، بل إن المتابعين للشأن التونسي يؤكدون حصول تراجعات سياسية في الجوهر تتمثل أساسًا في العودة إلى العقلية الحزبية الأحادية وظاهرة عبادة الذات التي كانت سائدة في عهد بورقيبة والكارزماتية المصطنعة، كل ذلك مع الانغماس في المشروع التغريبي إلى حد ظهور أمراض اجتماعية خطيرة، مثل تفشي المخدرات، والسرقات، والفاحشة، والاختلاط والميوعة، بتقليد أعمى للنمط الغربي في سلبياته، بشكل يهدد بتلاشي مظاهر التدين والقيم الدينية، وبخاصة لدى الشباب.

والحدث البارز في الحياة السياسية في الأيام الأخيرة، يتعلق بترشيح اللجنة المركزية للحزب الحاكم (التجمع الدستوري) لابن علي كرئيس لدورة ثالثة، اللافت للنظر ليس ترشيح بن علي، فهي مسألة أكثر من متوقعة، وإنما الهالة التي أضيفت على شخصه بهذه المناسبة، وعلى الحزب الحاكم الذي عقد مؤتمره تحت شعار «الامتياز» وقد تم توظيف وسائل الإعلام لتغطية أعمال الحزب.

وربما يسأل سائل لماذا كل هذه الدعاية ما دامت النتائج معروفة مسبقًا؟ يمكن تفسير هذا الأمر بربطه بما حدث في انتخابات عام 1994م، فقد أعلن في ذلك الوقت عن فوز بن علي بنسبة 99,99%، وهذه النتيجة أدهشت الرأي العام الخارجي، الذي يعرف عن الشعب التونسي تمتعه بقدر من الانفتاح والوعي لا تعكسهما النسبة المصرح بها.

وسمع العالم عما حصل للمرشح المنافس الدكتور منصف المرزوقي... لكل هذه الأسباب وعد بن علي في خطاب ألقاه بمناسبة الذكرى العاشرة للانقلاب الأبيض الموافق للسابع من نوفمبر 1997م، بضمان التعددية في الترشيحات الرئاسية والتشريعية، كما وعد بضمان نسبة 20% لأحزاب المعارضة من حيث حجم تواجدها في البرلمان، مع الإشارة إلى أن هذا السقف الذي حدده النظام هو أقصى ما يمكن أن تبلغه الأحزاب المعترف بها في الحالة الطبيعية، بمعنى أن النسبة الموعود بها نسبة مدروسة، في ظل الأوضاع الحالية، ولكن النظام أراد توظيفها إعلاميًّا وسياسيًّا، لتلميع صورته وتغطية نزعته الأحادية.

أما بالنسبة للرئاسيات، فإن الأمر يختلف، باعتبار أن الدورة الثالثة القادمة هي الولاية الأخيرة التي يسمح بها الدستور التونسي الحالي، وهناك حديث شائع عن التفكير في تمديد ولاية بن علي بحجة الاعتراف بالجميل لشخصه في إنقاذ البلاد عام 1987م، وفي التغيير، وهو الشعار الكبير السائد اليوم في الخطاب السياسي والإعلامي، من هذا المنطلق، فإن النتائج ستكون حاسمة، وبخاصة إذا قدم بعض رمز المعارضة المغضوب عليهم أنفسهم للترشيح هذه المرة، فأركان النظام متخوفون من هذا الاحتمال، الذي سيسبب إرباكًا كبيرًا في أوراق اللعبة السياسية، وإن كانت النتائج النهائية معروفة، والنظام التونسي حريص على عدم تكرار خطأ الانتخابات الماضية، فيما يتعلق بالحفاظ على صورة تعددية ولو شكلية تجنبًا للانتقادات والاحتجاجات من الجهات الإعلامية والحقوقية في الخارج، علمًا بأن هذه الجهات ما زالت تصر في بياناتها وتقاريرها على وجود حالة الانسداد السياسي في تونس وانتهاك حقوق الإنسان في أبسط مظاهرها كالتنقل واللباس، فضلًا عن حرية التعبير والتنظيم السباسي، ويتحدث بعض رموز المعارضة غير المعترف بها عن تونس على أنها السجن الكبير في ظل عالم متحرك ومتطلع إلى الحريات، بل وفي ظل وضع إقليمي يشهد تطورات في الاتجاه الإيجابي مثل وصول المعارضة أو بعض تياراتها إلى السلطة في المغرب، والحديث عن تقدم المفاوضات بين أطراف من السلطة وبالتحديد المؤسسة العسكرية في الجزائر والجيش الإسلامي للإنقاذ.

هدنة وتفاوض من أجل حل سياسي في الجزائر:

وعلى ذكر الجزائر، فإن الاستعدادات للانتخابات الرئاسية لعام 2000م قد بدأت، كل من جهته وبحسب إستراتيجيته، فهناك المؤسسة العسكرية التي لم تحسم بعد مسألة إعادة ترشيح الأمين زروال في منصبه، لكنها تسعى إلى الدخول إلى الانتخابات القادمة في وضع مريح، وهذا ما يفسر حصول تقدم في المفاوضات بين أطراف في المؤسسة العسكرية وبين الجيش الإسلامي للإنقاذ الذي دخل في هدنة بدأت تؤتي ثمارها، وماذا عن السماح أخيرًا للقاء بين وفد من الجيش الإسلامي ورئيس الجبهة الإسلامية للإنقاذ الشيخ عباسي مدني -بمنزله- الموجود حاليًا في إقامة جبرية.

يبدو أن مثل هذه المفاوضات السرية ليست دون عواقب على الصراع داخل المؤسسة العسكرية نفسها، بين الشق العلماني الفرنكفوني والتيار الوطني -إن صح التعبير- وتجلى هذا الصراع من خلال تبادل التهم المكشوفة على صفحات الجرائد والصحف التابعة لهذا الشق أو ذاك، وتقوم صحف الوطن والخبر و«لوماتان» (الصباح) الفرنكفونية بالتهجم على الجنرال والوزير محمد باتشين، مستشار زروال بخلفية استهداف هذا الأخير، الذي يسير في خط التفاوض مع الجبهة، واللافت للنظر، أن هذه التطورات تعكس ديناميكية سياسية داخلية يستفيد منها الرأي العام الجزائري الذي يتمتع بقدر من حرية التعبير، يفقدها الشعب التونسي، على الرغم من أن الأوضاع الأمنية في الجزائر يطغى عليها الصراع المسلح.

ثم إن الحياة السياسية في الجزائر فيها قدر كبير من التعددية الحزبية لأحزاب لها مصداقيتها ولها خطابها المعارض للسلطة وحرية الحركة والتعبير، وحتى إن كان بعضها يشارك السلطة في بعض الحقائب الوزارية مثل حركة حماس، تبقى لهذه الأحزاب شخصيتها وكيانها المستقل وحرية اتخاذ القرار من داخل مؤسساتها المنتخبة، وليست بالتالي أحزابًا شكلية، ومن الطبيعي أن تعمل السلطة على توظيف هذه التعددية لتلميع صورتها، لكنها لا تقدر على تدجين الأحزاب أو تحويلها إلى نوبات تسير في فلكها على عكس ما يحصل في تونس، كما أن الحزب الحاكم في الجزائر (التجمع الوطني الديقراطي)، لم يتمكن من احتكار الرقعة السياسية، كما فعل الحزب الحاكم في تونس، واليوم تستعد الأحزاب المعارضة والمستقلة المعترف بها في الجزائر لخوض الانتخابات الرئاسية عام 2000، بكل ما تمتلك من إمكانات وطاقات، وسيقوم بعضها بتقديم مرشح عنها لهذه الانتخابات، ويتحرك زعماؤها ورموزها بحرية في الداخل والخارج من أجل التعريف بها وربط علاقات مع مسؤولين سياسيين ومؤسسات اقتصادية وغيرها.

وعلى سبيل المثال، فإن د. عبد القادر الصحاري -عضو الهيئة التنفيذية لحركة حماس ورئيس لجنة الشؤون الخارجية بالبرلمان- قام أخيرًا بزيارة إلى باريس تقابل خلالها بمسؤولين عن مؤسسات اقتصادية بقصد الاستثمار في الجزائر، وقبله قام رئيس الحركة الشيخ محفوظ نحناح بجولة في العديد من البلدان في الخليج وأوروبا والولايات المتحدة، وهذه الزيارات اكتسبت طابعًا سياسيًّا، ولم يتعرض أصحابها إلى المساءلة والاستنطاق بعد عودتهم إلى أوطانهم، كما حصل لرئيس حركة الديمقراطيين الاشتراكيين السيد محمد مواعدة في تونس بعد جولة قام بها في أوروبا واتهمته السلطات التونسية بالتآمر على الدولة.

من خلال ما تقدم، يظهر التباين القائم بين البلدين المتجاورين في المغرب العربي، من حيث الوضع السياسي بما يعكس وجود مؤشرات لانفراج سياسي في الجزائر ومزيد من تكريس الانسداد الأمني والسياسي في تونس، ويعلق التونسيون آمالًا كبيرة على الانفراج في جارتهم الجزائر، عله يؤثر في الاتجاه الإيجابي على الوضع في تونس، حيث تبقى السلطة هناك متعللة بالصراع المسلح في الجزائر لتشديد قبضتها الأمنية على الشعب التونسي.

الرابط المختصر :