; تحليل سياسي: مؤشرات بداية انحسار العصر الذهبي لـ«اللوبي الصهيوني» | مجلة المجتمع

العنوان تحليل سياسي: مؤشرات بداية انحسار العصر الذهبي لـ«اللوبي الصهيوني»

الكاتب د. محمد الغمقي

تاريخ النشر الثلاثاء 25-أغسطس-1992

مشاهدات 60

نشر في العدد 1013

نشر في الصفحة 38

الثلاثاء 25-أغسطس-1992

·       أفول العهد الذهبي للوبي الصهيوني: الخلفيات والمظاهر

·       مؤشرات تراجع هيمنة اللوبي الصهيوني

كثيرًا ما يشير المحللون والمفكرون في المجالات السياسية والاقتصادية والعلاقات الدولية بالخصوص إلى هيمنة اللوبي الصهيوني على مصادر القرار في العالم ووقوفه وراء كل التحولات الجغرافية-السياسية والأطروحات الأيديولوجية الفكرية الجديدة بما يخدم مصالحه.

واليوم هناك العديد من المؤشرات تدل على بداية تراجع سيطرة هذا الأخطبوط وانحسار عهده الذهبي.

فما هي خلفيات هذا التحول ومظاهره وأبعاده؟


خلفيات التراجع: الصحوة الإسلامية وانهيار الشيوعية

صراع حضاري: في إطار الفضاء العربي-الإسلامي بدأ التململ من يوم أُسقطت فيه الخلافة العثمانية. وعلى امتداد تاريخها، كانت الصحوة الإسلامية توجه أصابع الاتهام إلى الأطراف الخارجية الممسكة بخيوط اللعبة والمصممة على إجهاض المشروع الإسلامي الحضاري، والتي يحركها هذا اللوبي كما جاء في كتاب «بروتوكولات حكماء صهيون».

ولعل هذه الصحوة كانت بمثابة المعول الأساسي في هدم أسطورة القوة التي لا تُقهر. وقد كشفت الانتفاضة الفلسطينية اليوم مواطن الخَوَر في الكيان الصهيوني الذي لا يتردد في استعمال أعتى الأسلحة في وجه أطفال الحجارة.

وتزامنت هذه الصحوة مع ظهور نزعة تحررية في المجتمعات الإسلامية وغير الإسلامية، ولعب الجهاد الأفغاني دورًا رائدًا في قلب موازين القوى بكسر شوكة الجيش الأحمر وزعزعة الكيان السوفياتي، إحدى ركائز النظام الدولي القديم، بعد أن استرجعت الشعوب التي رزحت تحت نير الأنظمة الشيوعية ثقتها بنفسها وامتدت موجة التحرر والتغيير إلى أدغال أفريقيا وأطراف آسيا وأمريكا اللاتينية حيث الحكم الفردي هو النموذج السائد.

وبقطع النظر عن مسألة تغيير الأشخاص، فإن المعركة كانت ولا تزال موجهة أساسًا ضد فترة الاستبداد بكل مظاهره الخفية منها والعلنية، وبالأحرى ضد من يقف وراء تكريس هذه العقلية السلطوية الاستبدادية.

تراجع الاستبداد الشيوعي: وأول ما يُلاحظ في هذا الصدد، تراجع الأيديولوجية الشيوعية وتهافتها بعد أن بَرهنت على كونها مصدر توليد للسلطة القهرية التي تعتمد على الخَطِّيَّة السياسية في الخطاب والممارسة، الشيء الذي أثبتته الأحداث التاريخية منذ قيام ثورة البلشفيك عام 1917 في الاتحاد السوفياتي إلى بقايا الأنظمة الشيوعية اليوم «كوبا» ومن أعلى هرم في السلطة المركزية سابقًا إلى الأحزاب والتنظيمات التي تنتمي لنفس الخط السياسي.

وفي الساحة العربية-الإسلامية، لم تتمكن هذه الأحزاب من كسب الرأي حولها إلا في بعض الحالات النادرة والظرفية، لأنها تعاني من داء الانبتات والانفصام عن شخصية الشعوب الإسلامية وهويتها، فضلًا عن كونها زُرعت زرعًا على أيدي يهود عرب تحت أسماء براقة ولافتات جذابة كالديمقراطية والاشتراكية والشعبية، وهذا ما يفسر إلى حد كبير النفور الذي لقيته هذه الأيديولوجية ومؤسسها اليهودي كارل ماركس.

وبسقوط الماركسية الشيوعية كمذهب فكري ونمط سياسي اجتماعي، خسر اللوبي الصهيوني إحدى ركائز سيطرته على العالم، حيث سعى من خلال هذه النظرية إلى التوصل إلى اختلاق صراعات وتآكل للكيانات السياسية، بالإضافة إلى عزل الدين عن دائرة القرار بوصفه أفيون الشعوب.


مظاهر الانحسار: فشل الهيمنة الرأسمالية والتمرد الداخلي

الهيمنة الرأسمالية: وإزاء النتائج العكسية للاستراتيجية الصهيونية، بقي الحل الوحيد متمثلًا في التركيز على فكرة الليبرالية كحل بديل. وتزامن هذا المعطى مع ظهور ما يسمى بالنظام الدولي الجديد القائم على القطبية الأحادية الأمريكية، وما تبعه من إثبات للسيطرة الغربية في حرب الخليج ومختلف القضايا العالمية.

من هنا ارتبط الفكر الليبرالي بالمفهوم الغربي بمسألة الهيمنة على مصادر القرار وعلى ثروات العالم تاريخيًا وحاضرًا، فلم يكن الاستعمار سوى الوجه الآخر للرأسمالية الجشعة الباحثة عن أسواق لمنتوجاتها.

إلا أن الجدير بالذكر أن الهيمنة الاستعمارية كانت تتذرع «بالمهمة الحضارية» ذات البعد المسيحي إزاء شعوب وُصفت بأنها «متوحشة»، بينما يقف اللوبي الصهيوني اليوم ومنذ نهاية الحرب العالمية الثانية وراء السيطرة الرأسمالية الغربية عن طريق احتكاره للمواقع الحساسة في سلطة القرار وفي الدوائر الاقتصادية والإعلامية والثقافية، وتحالفه الموضوعي مع مصالح الكيان المزروع في قلب الجسم العربي-الإسلامي، فلسطين. وبتأزم الوضع في الشرق الأوسط وما نتج عنه من أزمة النفط عام 1973، ثم بانتهاء التوازن الدولي بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، بدأت المجتمعات الغربية تكتشف مدى هشاشة ازدهارها الحضاري ومدى التناقض بين الصورة المزيفة التي كرستها وسائل الإعلام وبرامج التعليم وتصريحات المسؤولين عن التفوق الغربي في كل المجالات وبين الواقع المرير من بطالة وأزمة اقتصادية خانقة وانتشار الأمية والأمراض الخطيرة والفضائح السياسية.

التمرد باسم الوطنية: وتزامنت خيبة الأمل هذه بشعور سائد، خاصة لدى الفئات المثقفة والمهتمة بالشؤون السياسية، بوجود أقلية متحكمة في مقاليد الأمور استطاعت أن تحكم الطوق على هذه المجتمعات وتكبلها بالحديد من القيود القانونية لمنعها من التمرد عليها مثل القوانين المتعلقة بالعنصرية والعداء للسامية، بالإضافة إلى امتلاكها لِعَصَب الدورة الاقتصادية.

من هنا يمكن اعتبار ظهور حركات سياسية ذات نزعة عنصرية وانتشارها بسرعة في المجتمعات الغربية أحد مظاهر ردود الفعل على احتكار اللوبي الصهيوني للسلطة والمال فيها، ولكن نظرًا للضغوط القانونية والسياسية القومية، تحولت النقمة على الأقلية اليهودية المتسلطة إلى التهجم على الجاليات الإسلامية المقيمة في المهجر واعتبارها أساس خراب المجتمع الغربي، في حين أن المقصود بدرجة أولى ضمنيًا هو اللوبي الصهيوني.

من ناحية أخرى فإن الفوارق الاجتماعية الناجمة عن احتكار رأس المال وعدم توزيع الثروة توزيعًا عادلًا - وهي السياسة التي انتهجها هذا اللوبي - قد أفرزت وضعًا خطيرًا تطور إلى حد الانفجار الشعبي كما حدث أخيرًا في الولايات المتحدة الأمريكية حيث تراكمت العوامل الاقتصادية والعنصرية وأحدثت شرخًا في البنية الاجتماعية والعرقية للمجتمع الأمريكي ستمتد آثاره في المستقبل.


الفضائح السياسية والهجرة اليهودية

فضائح سياسية: ومما زاد الوضع تعقيدًا انتشار ظاهرة الفضائح السياسية والاقتصادية التي سقطت في فخها شخصيات يهودية مشهورة، مثل إمبراطور الصحافة في بريطانيا و«رثما» في أمريكا وكندا وأخيرًا برنارد تابي في فرنسا.

فقد اضطر هذا الأخير إلى الاستقالة بعد فترة قصيرة من تعيينه وزيرًا للمدينة في الحكومة الفرنسية الجديدة وذلك إثر اتهامه باختلاس أموال طائلة، وتحولت هذه القضية إلى قضية الساعة بعد أن ثبت وجود ضغوط سياسية على القضاء. كل هذه الأحداث كان لها أثرها السيئ على الرأي العام الغربي متمثلًا في النفور المتزايد من السياسة وفي اتساع الهوة بين القاعدة والقمة.

وإزاء مظاهر النقمة المتزايدة من سيطرة اللوبي الصهيوني تحركت الآلة الإعلامية لتطويق مخاطر الأزمة عن طريق استخدام سلاحي الترغيب والترهيب وارتفعت أصوات الاستنكار السياسية لتذكر بما لقيه الشعب اليهودي على يد هتلر وتحريك عقدة الذنب لدى الشعوب الغربية إزاء الاضطهاد التاريخي الذي تعرض له «شعب الله المختار».

وفي نفس الوقت تكثفت الحملات الدعائية للعودة إلى أرض الميعاد وهو ما يفسر كثافة الهجرة اليهودية من مختلف الأقطار إلى الكيان الإسرائيلي حسب زعمهم، شعورًا منهم بأن عصر الأوج الذهبي قد ولى ولا بُدَّ من الاستعداد لأيام عصيبة.





 

 

الرابط المختصر :