العنوان ماذا بعد أن انسحب الفلسطينيون من مغدوشة؟
الكاتب جمال الراشد
تاريخ النشر الثلاثاء 10-فبراير-1987
مشاهدات 66
نشر في العدد 804
نشر في الصفحة 26
الثلاثاء 10-فبراير-1987
في الحقيقة، ترددت كثيرًا قبل أن أضع هذا العنوان «ماذا بعد أن انسحب الفلسطينيون
من مغدوشة؟ وكان بودي أن يكون العنوان كما يلي: «هل انسحب الفلسطينيون من مغدوشة؟»
ذلك أن التصريح الذي أدلى به الأخ ياسر عرفات أشار إلى الانسحاب الفلسطيني «الرسمي»
من مغدوشة، وإضافة كلمة «الرسمي» هنا تشير ولو بطرف خفي إلى تواجد فلسطيني «فعلي» في
مغدوشة حتى الآن.
ولقد أشارت بعض الأوساط الفلسطينية إلى هذا الوجود الفعلي، ولكن ليس من الحكمة
كشف طبيعة هذا الوجود الفعلي في الوقت الحاضر، فلقد بادر الفلسطينيون عشية انعقاد مؤتمر
القمة الإسلامي الخامس في الكويت إلى الإعلان عن انسحابهم رسميًا من مغدوشة استجابة
لرغبة لجنة الوساطة العربية، وبناء على خطتها التي تتضمن من ضمن ما تتضمن إيقاف إطلاق
النار وفك الحصار عن المخيمات الفلسطينية في لبنان وإيصال الأغذية والأدوية إليها وإعادة
المهجرين إلى مخيماتهم.
ولكن الذي حدث أن عصابات «أمل» المدعومة من أطراف عربية معروفة، لم توقف قصفها
للمخيمات، ولم ترفع حصارها عنها بل إن القصف ازداد، والحصار اشتد، والجياع والمصابون
والمرضى في المخيمات يتهددهم الموت في كل لحظة.
ولهذا وجه مكان مخيم برج البراجنة نداء إلى الرئيس السوري طالبوه فيه بالتدخل
بكل ما له من ثقل ونفوذ، وبدافع من الإنسانية من أجل وضع حد لحرب المخيمات.
ورغم الإعلان عن اتفاق جديد وقع في دمشق لوقف إطلاق النار من جانب عصابات «أمل»
إلا أن إطلاق النار لم يتوقف، فوجه سكان المخيمات نداء إلى رؤساء الدول العربية والمسؤولين
الإيرانيين والليبيين، والأمين العام لجامعة الدول العربية واللجنة العربية التي شكلت
في ٢٦ ديسمبر الماضي لإيقاف حرب المخيمات. وطلب السكان باسم أطفال المخيمات الذين لا
يزالون على قيد الحياة والجرحى الذين لا يجدون من يضمد جراحهم والشيوخ الذين يواجهون
الموت.. طلبوا من الشخصيات السياسية والدينية الإسلامية اللبنانية التدخل من أجل رفع
الحصار المفروض عليهم منذ أربعة شهور.
حرب المخيمات هذه التي تعتبر حركة «أمل» واجهتها العدوانية طال أمدها.. وحين
كان الفلسطينيون يتخذون موقف المدافع عن مخيماتهم ووجودهم كانت الحجة المعلنة للعدوان
عليهم إخراج «العرفاتيين» من بين صفوفهم، وحين توحد موقف الفلسطينيين وقاموا بالهجوم
الوقائي على مغدوشة أصبحت الحجة إخراجهم من مغدوشة، وحين خرجوا من مغدوشة «رسميًا»
لم يتوقف قصف المخيمات أو حصارها.. وهذا يعني أن هناك مخططًا جاريًا تنفيذه في لبنان
يتعلق بمصير القضية الفلسطينية ومصير القضية اللبنانية على حد سواء.
ولقد تحدثنا عن طبيعة هذا المخطط في مقالات سابقة وقلنا إن تقسيم لبنان إلى دويلات
طائفية كان هدفًا من أهداف المخطط. ونزع سلاح الفلسطينيين وتهجيرهم من لبنان وإبعادهم
عن خطوط الهدنة اللبنانية مع فلسطين المحتلة تمهيدًا لتصفية القضية الفلسطينية كان
هدفًا آخر من أهداف المخطط.
إلا أن هناك متغيرات على الساحة اللبنانية والعربية والدولية كان لها انعكاساتها
على الصراع القائم على أرض لبنان.. من هذه المتغيرات كما قلنا سابقًا تغير في التحالفات
بحيث لم تعد بعض الأطراف اللبنانية الرسمية وغير الرسمية تخفي تعاطفها مع الموقف الفلسطيني
بعد أن تبين أن خروج الفلسطينيين من لبنان لم يوقف الصراع اللبناني- اللبناني إن جاز
التعبير، كما أن هناك أطرافًا لبنانية أخرى وجدت في عودة الفلسطينيين إلى لبنان حماية
لها وقوة.
ثم إن القوى العربية والإسلامية ذات التأثير المباشر على أحداث لبنان لم تعد
متطابقة الأهداف إذ إن ليبيا وقفت ضد حرب المخيمات وحزب الله وقف ضد تجريد الفلسطينيين
من سلاحهم.
وعلى الساحة الدولية، فإن الاتحاد السوفياتي تشغله في الدرجة الأولى القضية الأفغانية
وقضية حرب النجوم والقضية الاقتصادية أكثر ما تشغله قضية الشرق الأوسط بأصلها وهي القضية
الفلسطينية أو بفرعها وهي القضية اللبنانية.. والولايات المتحدة التي دأبت على التعامل
مع الواقع حين لا تقوى على تغييره يبدو أنها بدأت تعيد النظر في موقفها من مجمل القضايا
الساخنة في منطقة الشرق الأوسط ومن ضمنها القضية الفلسطينية واللبنانية.
مصادر فلسطينية مطلعة تقول: إن الأسابيع التي سبقت مؤتمر القمة الإسلامي في الكويت
كانت غاية في الحرج بالنسبة لمنظمة التحرير الفلسطينية، إذ وصلتها معلومات مؤكدة عن
قرب تنفيذ خطة هجوم شامل على المخيمات الفلسطينية يشترك فيه مباشرة جيش غير لبناني،
والخطة حصلت على الضوء الأخضر بل والدعم المادي من الولايات المتحدة، ولكن التحرك السريع
والحاسم لرئيس المنظمة في اتجاه قوة عربية فاعلة أوقف الخطة، وقلب المعادلة وهيأ الأرضية
لانعقاد القمة الإسلامية بالأطراف التي حضرت.
وكانت قرارات المؤتمر أقرب إلى الموقف الفلسطيني، وحصلت اجتماعات جانبية على
هامش المؤتمر من ضمنها اجتماع الملك حسين مع عرفات والأسد مع أمين الجميل، ومبارك مع
الأسد، وهناك أخبار عن قرب عودة خليل الوزير إلى عمان لعودة التنسيق بين الأردن والمنظمة
على الأقل فيما يتعلق بدعم الأهل في الأرض المحتلة.
والتقارير الواردة من الولايات المتحدة تفيد أن البيت الأبيض بدأ يتجه نحو الاعتراف
بمنظمة التحرير الفلسطينية وفي نفس الوقت فإن موقفه من إحدى دول المواجهة يمر بمرحلة
حرجة ولكن اللافت للنظر أن معلومات تفيد بأن «إيرل كاسبي» المسؤول عن قسم الشرق الأوسط
في جهاز الأمن القومي الأميركي توجهت إلى دمشق في الأسبوع الثالث من شهر يناير الماضي
وأجرت مباحثات مع المسؤولين السوريين حول الدور السوري في لبنان.
ومن المعروف أن جورج سعادة رئيس حزب الكتائب زار الولايات المتحدة قبل ذلك وعاد
منها بموقف داعم للنظام اللبناني. ولما كانت المتغيرات العسكرية والسياسية على الساحة
اللبنانية قد دفعت بالنظام اللبناني إلى تحسين علاقاته مع منظمة التحرير، فإن هناك
أطرافًا لبنانية لها علاقات جيدة مع موسكو أعلنت مؤخرًا وبصريح العبارة أنها لا توافق
على تجريد الفلسطينيين من سلاحهم.. جاء ذلك على لسان وليد جنبلاط رئيس الحزب الاشتراكي
اللبناني.
ولقد كان اغتيال أحد علماء المسلمين السنة في بيروت الغربية حدثًا له أهميته
بالنسبة للأطراف التي تقف ضد حرب المخيمات، ثم كانت محاولة اغتيال مصطفى سعد في بيروت
مؤشرًا جديدًا على محاولات تقطيع أوصال الموقف اللبناني شبه الموحد لصالح الفلسطينيين.
من هنا.. فإن الأيام القادمة ربما تشهد تطورًا غاية في الخطورة على الساحة اللبنانية
فإن الفلسطينيين المحاصرين في مخيماتهم لا يمكن أن يقبلوا الموت جوعًا وعطشًا وفي أيديهم
السلاح، وعلى أرض لبنان المعطاء أناس شرفاء يتعاطفون معهم.
ثم إن الأهل في الأرض المحتلة وهم يصعدون من عمليات المقاومة والجهاد ضد قوات
الاحتلال الصهيوني، وفي نفس الوقت يعلنون عن تضامنهم مع إخوانهم المحاصرين في المخيمات
كأنهم يقولون لهم حطموا هذا الحصار ومدوا أيديكم إلينا لنقاتل العدو معًا أنتم من الخارج
ونحن من الداخل حتى يأذن الله لنا بالنصر.
لقد ثبت بما لا يدع مجالًا للشك أن قرية مغدوشة الاستراتيجية لم تعد مستعصية
على الفلسطينيين وأن تطهيرها من عصابات «أمل» لم يكن كافيًا لفك الحصار عن المخيمات،
كما أن إخلاءها من قبل الفلسطينيين لم يكن كافيًا لفك الحصار عن المخيمات. فهل يقبل
الفلسطينيون الانتحار وهم قادرون على التمدد لدفع الأذى عنهم؟
الأيام القادمة أيام حاسمة فإما أن يرعوي نبيه بري ويعود إلى رشده ويفك الحصار
عن المخيمات ويعتبر الفلسطينيين أهلًا للمحبة والتقدير والدعم حتى يأذن الله لهم بالفرج
ويعودوا إلى ديارهم مكرمين معززين، أو فلينتظر من المحاصرين أن يخرجوا من الحصار ليعيدوه
إلى حجمه الحقيقي.
ولكن هناك أمران يجب أخذهما في عين الاعتبار خلال التطور المرتقب على الساحة
اللبنانية:
الأول: اجتماع غزو إسرائيلي للجنوب اللبناني يستهدف احتلال صيدا وما حولها.
الثاني: تحرك الأسطول الأميركي وما رافق هذا التحرك من حديث عن احتمال تدخل عسكري
أميركي مباشر في لبنان بحجة إنقاذ الرهائن.
ولنا حول هذا الموضوع حديث آخر إن شاء الله.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل