العنوان ماذا نقول لمسلمي جنوب إفريقيا؟
الكاتب عبدالله قادري الأهدل
تاريخ النشر الثلاثاء 12-أكتوبر-1999
مشاهدات 70
نشر في العدد 1371
نشر في الصفحة 32
الثلاثاء 12-أكتوبر-1999
"قصر مسلمو جنوب إفريقيا في دعوة السود للإسلام على الرغم من طول العشرة وتركوهم لحملات التنصير"
"يشتكي المسلمون السود من أن الهنود يعاملونهم باحتقار وازدراء كما كان يفعل البيض ولا يبنون لهم المساجد والمدارس والجمعيات"
" على مسلمي جنوب إفريقيا تكوين حزب سياسي يحقق لهم المصالح ويدفع عنهم المفاسد ويعقد التحالفات باسمهم"
زار الدكتور عبد الله قادري الأهدل جنوب إفريقيا، وأجرى دراسة ميدانية عن أحوال المسلمين هناك. وفي هذا المقال، يضع د. الأهدل خلاصة ما توصل إليه على شكل رسالة موجهة إلى إخوانه المسلمين في جنوب إفريقيا. وغني عن القول إن كثيرًا مما توصلت إليه الدراسة ينطبق على حال دول أخرى بخلاف جنوب إفريقيا، ومن هنا تأتي أهمية نشر الدراسة لتستفيد منها الأقليات المسلمة في شتى بقاع العالم.
أمضيت مؤخرًا ثلاثة وثلاثين يومًا في جنوب إفريقيا، زرت فيها أربع مناطق، وهي: جوهانسبرج، وكيب تاون، ودربن، وبريتوريا.
زرت مساجد ومؤسسات ومراكز ومدارس إسلامية، وبعض الجامعات، واجتمعت بأئمة المساجد وعلماء المسلمين وزعمائهم وأساتذتهم ودعاتهم، واجتمعت أيضًا ببعض المسلمين الجدد وقابلت بعض المستشرقين، وتحاورنا عن تاريخ الإسلام والمسلمين في هذا البلد، وعن أحوال المسلمين الدينية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية وغيرها.
هذ مع العلم أنني كثيرًا ما أكرر السؤال الواحد على كثير ممن قابلتهم، حرصًا مني على الاستقصاء والاطمئنان، وقد تتفق إجاباتهم وقد تختلف، وأنا أسجل إجابة كل واحد كما هي، وقد أعلق على بعضها بما أرى. وقد أرجح إجابة على أخرى لسبب بدا لي.
وعندما انطلقت الطائرة في سماء جنوب إفريقيا في طريق العودة، وألقيت نظرة وداعًا على أرضها، سألت نفسي هذا السؤال: ماذا أقول للمسلمين في جنوب إفريقيا؟
القول الأول: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، ووداعًا أيها المسلمون في جنوب إفريقيا. إلى أن يكتب الله لنا أو لبعضنا اللقاء في أي زمان أو مكان، وأرجو أن يجمعنا الله تعالى بكم جميعًا في دار كرامته.
القول الثاني: لقد وفقكم الله لغرس دينه في هذا البلد منذ أكثر من ثلاثمائة سنة، على غير رغبة من أعداء هذا الدين الذين جاؤوا بأجدادكم - من الملايو والهند - عبيدًا وخدمًا معتقلين مسجونين مهانين، لا قيمة لهم إلا عند مولاهم الذي أراد لهم أن ينشروا دينه الحق ويوطنوه في بلد بعيد نائي عن بلدانهم.
وقد بذل العلماء من أجدادكم جهودًا مضنية في سبيل المحافظة على تمسك ذريتهم بدينهم إضافة إلى دعوة غيرهم، حتى أصبح الإسلام منتشرًا في غالب البلاد، وأصبحت المعاقل والمساجد والمراكز الإسلامية المتنوعة منتشرة في كل مكان حل به المسلمون، وقد حافظ بعضهم - الهنود - على الدم النسبي، كما حافظوا على الدين الإسلامي.
ولقد أصبحت لفظتا الحلال والحرام في المطاعم والفنادق والطائرات والبواخر وغيرها معروفة في مناطق جنوب إفريقيا كلها، بل إن المطاعم والأسواق الكبيرة تعلق لروادها لافتات كتب عليها "حلال HALAL"، ولا يسمح لتلك المطاعم بتعليق تلك اللافتات إلا بإذن من مجلس القضاء الإسلامي في كيبتاون أو أي مؤسسة إسلامية معترف بها لدى الدولة، وهذا يدل على أن الإسلام قد غرس في هذا البلد غرسًا قويًا.
القول الثالث: لقد أراد الأوروبيون العنصريون أن يحولوا بين دعوة الإسلام ووصولها إلى غير المسلمين من سكان جنوب إفريقيا، فعزلوا كل فئة عن الأخرى([1]). وكان لذلك العزل جانبان: إيجابي وهو المحافظة على ذراري المسلمين من اختلاطهم بغيرهم من الفئات غير الإسلامية، كما حصل للمسلمين الأفغان في أستراليا، وكما حصل للمسلمين في بلدان أخرى كأمريكا الجنوبية.
وسلبي، وهو أن اختلاط المسلمين بغيرهم قد يكون له أثره السلبي في دخولهم في الإسلام، وبخاصة الأفارقة السود - إذا تحلى المسلمون بالقدوة الحسنة وقاموا بالدعوة إلى الإسلام - كل في حدود قدرته. كما حصل ذلك في كثير من البلدان في إفريقيا وفي جنوب شرق آسيا، حيث أصبح غالب سكان تلك البلدان مسلمين، مثل إندونيسيا وماليزيا وبروناي، وكذلك بعض بلدان إفريقيا، مثل نيجيريا والسنغال وغيرها.
القول الرابع: من النصيحة الصريحة أن أقول لكم: لقد قصرتم تقصيرًا شديدًا في دعوة من اختلطوا بكم من السود إلى الإسلام. فقد كان يوجد بينكم من الخدم رجالًا ونساءً، صغارًا وكبارًا، ولم يكن غالبكم - بل أكاد أقول: كلكم - حسب إجابات كثير من علمائكم وزعمائكم يهتمون بدعوة أولئك الخدم إلى الإسلام، وقد بقوا مع أجدادكم ومع آبائكم ومعكم مددًا طويلة من الزمن. وكان في إمكانكم في تلك المدد الطويلة أن تنقذوهم من ظلمات الكفر إلى نور الإسلام، إذا وجدوا فيكم القدوة الحسنة والاهتمام بدعوتهم، ولا سيما أن فطرهم أقرب إلى فطرة الإسلام، وعاداتهم أقرب إلى عاداتكم من عادات النصارى الذين نصروهم على مرأى ومسمع منكم، وكان الإسلام سينتشر بين أسر خدمكم وجيرانهم وأصدقائهم إذا دخلوا في الإسلام.
وإني لأخشى عليكم أن تكونوا تركتم ثلاث قواعد مهمة من قواعد الدعوة الإسلامية، دلت عليها سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم وسيرة أصحابه، ومن تبعهم من دعاة الحق وعلماء الإسلام.
القاعدة الأولى: دعوة المواقع التي لا عذر لأي واحد منكم في تركها، وهي أن يقوم كل مسلم بالدعوة إلى الله بالقول أو بالفعل القدوة الحسنة، في موقعه الذي هو فيه، إن لم يقدر على الانتقال إلى غيره.
وفي قصة يوسف ما يرشد إلى هذا المعنى، فقد دعا إلى الله وهو في سجنه عندما قال: ﴿يَٰصَٰحِبَيِ ٱلسِّجۡنِ ءَأَرۡبَاب مُّتَفَرِّقُونَ خَيۡرٌ أَمِ ٱللَّهُ ٱلۡوَٰحِدُ ٱلۡقَهَّارُ ﴾ « يوسف: 39».
القاعدة الثانية: وجوب البيان لمن يحتاجه في وقت حاجته وعدم جواز تأخير ذلك، لأن تأخير ذلك من غير عذر هو كتمان لما أنزل الله، ومعلوم عقاب الله لمن كتم بيان ما أنزل، ومخالفة لتكليف الله رسوله صلى الله عليه وسلم بالبلاغ المبين. وقد انتقل تكليف الله رسوله بذلك - بعد وفاته - إلى تكليف أمته في كل جيل من أجيالها، والنصوص الدالة على هذه القاعدة من القرآن والسنة والسيرة النبوية كثيرة ومعلومة لدى طلبة العلم.
القاعدة الثالثة: وجوب نشر الإسلام نشرًا سريعًا إلى كل من يمكن الداعية الوصول إليه قرب أو بعد، إما مباشرة وإما بأي وسيلة أخرى، وهذا ما فعله الرسول صلى الله عليه وسلم، حيث دعا كل من استطاع الوصول إليه إما بنفسه، وإما عن طريق رسله ورسائله وربى وأصحابه على ذلك وقاموا به بعده.
ولا يزال الأفارقة السود إلى الآن يختلطون بكم خدمًا في المنازل وسائقين وعاملين في المكاتب والشركات، فهل من تلافي لهذا التقصير ممن قصر فيما سلف من عمره؟
القول الخامس: الآن قد فتح الله الباب على مصراعيه لاختلاطكم بغيركم من الأديان الأخرى من الفئات الثلاث: السود والملونين([2]) والبيض، وفي ذلك فرصة سانحة لاجتهادكم في الدعوة إلى الله وتبليغ دينه إلى جميع سكان جنوب إفريقيا وما جاورها، والدعوة إلى الله ليست من نوافل الطاعات، بل هي فريضة لازمة لأمة محمد إلى يوم الدين كل من هذه الأمة بحسب طاقته وموقعه العالم يدعو ويبين ما لا يقدر على بيانه غيره، وإذا كتم أصبح في صف من لعنهم الله من علماء بني إسرائيل، والغني ينفق من ماله على أي وسيلة يتوصل بها إلى الدعوة وهكذا الإعلامي....
ولا بد أن تكون الدعوة التي تقام بها حجة الله على عباد الله بينة واضحة لا لبس فيها ولا خفاء ﴿أَنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا ٱلۡبَلَٰغُ ٱلۡمُبِينُ﴾ «المائدة: 92»، ويمكن لغير العلماء أن يبينوا للناس ما هو ظاهر من أمور الدين كأركان الإيمان وأركان الإسلام وفرائض العين وأمهات المحرمات.
القول السادس: إن قيامكم بالدعوة إلى الله حسب طاقتكم وتعاونكم على ذلك سيكثر الله به أنصاركم ويقوي به صفكم، ويرفع به راية الإسلام وتكون لكم به العزة والغلبة، وإن قعودكم عن الدعوة إلى الله وتكاسلكم عن ذلك يزيدكم على قلتكم قلة ويزيد من كثرة أهل الأديان الأخرى التي قد لا يدوم تسامحها معكم، وفي ذلك ضعفكم وضعف دينكم، ومن ضعف دينه خف وزنه وهان على الناس وذل لأن سنة الله اقتضت أن يتسابق أهل الحق بحقهم وأهل الباطل بباطلهم إلى عقول الناس، ومن كان أكثر سبقًا بما عنده كان أكثر انصارًا، فاستبقوا الخيرات لتكسبوا نصر الله في الدنيا وثوابه في الآخرة.
القول السابع: إن الواجب عليكم جميعًا أن تتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان، وأن تجتهدوا في اتخاذ كل سبب يؤدي إلى اجتماع كلمتكم على الحق، وترك كل سبب يؤدي إلى فرقتكم وتصدعكم. وإن الواجب عليكم أن يسعكم ما وسع سلفكم في العصور المفضلة، وعلى رأسهم أصحاب رسول صلى الله عليه وسلم، ومن تبعهم بإحسان وأئمة الهدى من علماء الحديث والتفسير والفقه، الذين كانوا يختلفون في المسائل الاجتهادية ولكن ذلك الاختلاف لم يكن يفسد الود بينهم، ومعرفة كل واحد فضل مخالفه.
ومن الأمور التي يجب عليكم أن تسعوا في الاجتماع عليها وإزالة الفرقة بينكم فيها بعض الشعائر العامة، مثل بداية الصيام ويومي العيدين. وإن ما سمعتم من خلاف بينكم في هاتين المسألتين من تفرق في مدينة واحدة لأمر محزن لا يليق بالمسلمين أن يحصل بينهم.
القول الثامن: إن الواجب عليكم أن توجدوا العدد الكافي لمن يقوم بفرض الكفاية في العبادات من طلبة العلم الذين يفقهون فروض العين فقهًا مفصلًا، ليسقطوا عن المسلمين - وبخاصة العلماء - فرض الكفاية في هذا الأمر، بحيث يقومون بتعليم المسلمين هذه الفروض ويكون عددهم كافيًا لتعليم كل المسلمين في جنوب إفريقيا. وتعلمون أن المراد بفرض الكفاية أن يوجد العدد الكافي للقيام به، وليس المراد مجرد وجود فرد أو أفراد لا يكفي عددهم المسلمين.
وهكذا يجب على المسلمين أن يوجدوا العدد الكافي في إمامة مساجد المسلمين، والعدد الكافي من المدرسين، والعدد الكافي من المفتين، والعدد الكافي من القضاة، وهذا فيما يتعلق بشؤون الدين. وأضرب مثالًا يوضح معنى العدد الكافي: لو أنَّا احتجنا إلى ألف إمام مسجد، فأوجدنا خمسمائة فقط ونحن قادرون على إيجاد الباقي فنحن مأمورون حتى نوجده.
ويجب كذلك أن توجدوا من يقوم بفرض الكفاية في الأمور العادية، مثل الأطباء والمهندسين والتجار والخبازين والزراعة، وهذا أمرها أسهل لأن بعضها قد يتوافر في غير المسلمين.
وهذا يقتضي منكم أيها المسلمون التخطيط والدراسة في شؤون التعليم والدعوة والإفتاء والقضاء والإمامة، بل والسياسة والاقتصاد والإعلام وغيرها، بحيث يُخصص لكل جانب من تلك الجوانب عدد يبدأ في إعداد القائمين به دراسة وتدريبًا حتى يكتمل العدد المطلوب في الأوقات المناسبة.
القول التاسع: إن الدعوة إلى الإسلام تحتاج إلى فريقين، لكل فريق وظيفته ومجاله:
الفريق الأول: يُختار من نجباء الطلاب الذين يظهر عندهم استعداد للجد في طلب العلم والتفقه في الدين في كل العلوم الإسلامية والعربية، ويهتم مع تعليمهم بتزكيتهم وتربيتهم تربية إيمانية وعبادية وأخلاقية، وتخليتهم من كل صفة تخالف الإسلام، وتحليتهم بكل صفة من صفات الداعية المسلم، ليكونوا بذلك قدوة حسنة لمن يعلمهم ويدعوهم إلى الله.
وهذا الفريق يحتاج في إعداده وبنائه إلى وقت طويل ومتابعة دقيقة، ولعل هذا ما فعله الرسول صلى الله عليه وسلم في دار الأرقم في العهد المكي، وإعداد هذا الفريق يمكن أن نسميه "البناء البطيء". وهذا الفريق هو الذي يتحمل عبء إعداد الأعداد الكثيرة بالتعليم والتدريب لمن يقومون بنشر الإسلام نشرًا سريعًا بين الناس، وهم الذين يمكن أن يكونوا رؤساء مراكز كبيرة للدعوة، ومديري مدارس إسلامية وأئمة وخطباء للجوامع الكبيرة، ويعقدون حلقات العلم ودورات التدريب للدعاة الذين ينتشرون في مناطق السود لدعوتهم وتعليم أبنائهم.
الفريق الثاني: إعداد من يلم بمبادئ الإسلام، وبخاصة فروض العين ومكارم الأخلاق من عقيدة وعبادة وحسن خلق، ليتولوا القيام بتعليم أبناء المسلمين مبادئ الإسلام ويعلموا المسلمين فروض العين، ويدعوا غير المسلمين في مناطقهم، فهم الذين يقومون بنشر الإسلام نشرًا سريعًا.
وهذا النشر السريع أثر للبناء البطيء، ويمكن أن يديروا بعض مراكز الدعوة الصغيرة وكتاتيب تعليم القرآن ومبادئ الإسلام، ويؤموا المصلين في المساجد الصغيرة.
هذا الفريق يتولى إعداده الفريق الأول، يعلمه ويدربه ويشرف عليه ويوجهه ويتابعه.
وإذا وجد هذان الفريقان وجودًا كافيًا، نجحت الدعوة الإسلامية نجاحًا رأسيًا بالفريق الأول، ونجاحًا أفقيًا بالفريق الثاني.
القول العاشر: إن الواجب على الأغنياء والتجار القادرين أن يبذلوا من أموالهم ما يمكن للفريقين من القيام بواجبهم من إقامة مراكز ومدارس ومساجد ومرافق اجتماعية وصحية، في كل موقع بما يناسبه.
ويجب أن يكون الاهتمام شاملًا لكل الفئات والمناطق، وعدم استئثار فئة معينة بمساعدة المتبرعين والمحسنين، وحرمان الفئات الأخرى من ذلك، لأن استئثار جهة معينة دون غيرها يحدث آثارًا سيئة.
الأثر الأول: شعور الفئات المحرومة بعدم الاهتمام بها، وهذا ما صرح به بعض المسلمين السود فقالوا: "إن المسلمين الهنود لا يهتمون بنا، وهم يعاملوننا باحتقار وازدراء كما كان البيض يعاملوننا. ومما يدل على عدم اهتمامهم بنا أنهم يقيمون لأنفسهم المساجد الكبيرة والمراكز الخيرية والاجتماعية والمدارس الصغيرة والكبيرة، ونحن في أمس الحاجة إلى مدارس لأبنائنا ومساجد نصلي فيها ومدرسين وأئمة ولا نجدهم يهتمون، كأننا لسنا مسلمين".
الأثر الثاني: نمو حقد السود عليكم، وبخاصة المسلمون منهم، بسبب شعورهم بإهمالكم لهم، وتركهم للمنصرين الذين أدخلوهم في النصرانية وما زالوا يتابعونهم ويربون أبناءهم، فيزداد بذلك أنصارهم ويكثر أعداؤكم.
تحسين علاقة المسلمين بالأفارقة له سبيلان:
السبيل الأول: الاختلاط بمن أسلم منهم ومساعدتهم بتعليم أبنائهم وبناء مدارس ومساجد لهم في مناطقهم، وتدريب من يمكن تدريبهم منهم على أساليب الدعوة وتدريب أئمة منهم لمساجدهم، وإشعارهم بأنهم إخوة لنا بالمعاملة الحسنة.
السبيل الثاني: الاهتمام بدعوة غير المسلمين بالوسائل المناسبة.
القول الحادي عشر: إن من أهم الواجبات عليكم أيها المسلمون في جنوب إفريقيا أن يجتمع علماؤكم وأعيانكم وذوو الرأي فيكم من مفكرين وأساتذة ووجهاء ومتخصصين في أي مجال من مجالات الحياة، لتدارس جميع شؤونكم في هذا البلد: الدينية والاجتماعية والأسرية والتعليمية والاقتصادية والسياسية والإعلامية، والتعاون على وضع خطط مرحلية تحقق بها مصالحكم في حياتكم الدنيوية والأخروية، حتى تسيروا على خطى مرسومة ثابتة منظمة، حتى لا تفاجئكم الأحداث على غفلة، لأن الأحوال سريعة التغير في هذا العصر، والعالم في سباق محموم منظم لتحقيق مصالحه، وإن أضر بها غيره.
وإن من أهم الأمور التي يجب التنبه لها الوعي السياسي ومعرفة المصالح الكبرى والصغرى والاتفاق على تقديم الأولى إن لم يمكن الجمع بينهما، ومعرفة المفاسد الكبرى والصغرى والاتفاق على ترك الأولى إذا لم يمكن ترك المفسدتين جميعًا. ومن هذا الباب تكوين حزب إسلامي يضع له أهدافًا ووسائل يحقق بها مصالح المسلمين أو ما استطاع منها، ويدفع عنهم المفاسد أو ما استطاع منها، ومن ذلك الدخول في الانتخابات وعقد حلف مع أي حزب يرى أنه أقرب إلى التعاون مع المسلمين في تحقيق مصالحهم والتخفيف من المفاسد الواقعة عليهم أو يخشى من وقوعها مستقبلًا.
أما من يدعي أنه لا يجوز للمسلمين أن يكونوا حزبًا إسلاميًا يقوم بتلك المهمات في بلد يمنح جميع سكانه الحرية الكاملة في تكوين أحزابهم وخوض غمار السياسة والدخول في الانتخابات والحصول على حقائب في الوزارات، فيجب طرح دعواه وعدم اعتبارها، لأن الأخذ بهذا الرأي يعطي الفئات في الدولة - اليهود والنصارى والشيوعيين والوثنيين - الفرصة السانحة لمزاولة نشاطها السياسي الذي تحقق به مصالحها، فيما يجعل المسلمين أذلًا، لا سبيل لهم إلى الدفاع عن مصالحهم.
والذين يدعون أنه لا يجوز تحالف حزب المسلمين مع حزب قوي آخر، يحقق التحالف مع أكبر قدر من مصالحهم ويدفع عنهم أكبر قدر من المفاسد، لا يفقه سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم في مكة ولا في المدينة.
القول الثاني عشر: إن من ما يسر المسلم كثرة الشباب والشابات الذين يحفظون القرآن الكريم حفظًا كاملًا، ويقرؤونه قراءة مجودة متقنة، ويوجد كثير من الطلاب والطالبات في طريقهم إلى إكمال حفظه. وهذا من فضل الله تعالى على هذه الأمة وهو من آثار حفظ الله لكتابه.
ولكن المؤسف أن غالب أولئك الحفظة لا يفهمون شيئًا من معانيه، وفي هذا خسارة عظيمة، لأن هؤلاء الشباب لو فهموا معاني القرآن الكريم لنفعوا بها في نفوسهم ونفعوا بها غيرهم من المسلمين وغيرهم.
لهذا يجب على العلماء أن يضعوا منهجًا لتفسير القرآن، تفسيرًا مختصرًا يبين غريبه ومعاني آياته إجمالًا وبعض أحكام تلك الآيات وآدابها، ولا ينبغي أن يكون حافظ كتاب الله جاهلًا بمعانيه.
القول الثالث عشر: إن الانفتاح الجديد الذي أعقب الحكم العنصري، وما نتج عنه من اختلاط فئات السكان الأربع في البلد، هو بالنسبة لكم سيف ذو حدين.
فقد يكون فيه مصلحة لكم ولدينكم إذا شعرتم بالجد في تربية أسركم وأبنائكم تربية إسلامية قوية يتقوى بها إيمانهم، وتتأصل بها عبادتهم، وتتحسن بها أخلاقهم، ويتفقهون بها في دينهم. وإذا قويت همتكم في تعليم المسلمين من الأفارقة السود أمور دينهم، وأعنتموهم على دعوة أبناء جنسهم واجتهدتم في التخطيط لدعوة غير المسلمين من كل الفئات وبخاصة السود الذين هم أقرب إلى الاستجابة من غيرهم.
وقد يكون في هذا الاختلاط مفاسد عظيمة عليكم أيها المسلمون وعلى أسركم وأبنائكم. إذا قصرتم في التربية الإسلامية المقنعة، لا تربية العادة التي لم تمت على إيمان وطاعة واختيار، فإن العادة قد تنسخها عادة أخرى، وطاعة الإكراه سراب كذاب.
وإذا كان قد سهل عليكم المحافظة([3]) على أنسابكم وبقاء أولادكم معكم، يستجيب كثير منهم لأوامركم في العبادة والأخلاق والزواج والعادات... فإن تلك السهولة اليوم قد تنقلب إلى صعوبة، إذا لم تسارعوا في اتخاذ السيل الناجح في بقائهم على الطاعة.
فأبناؤكم يختلطون بشابات من غير شبابكم في المدارس والجامعات والشركات والأسواق وغيرها. وبناتكم يختلطن بشبان من غير أبنائكم، وقد سمعت أن بعض أبنائكم قد ظهرت عندهم الرغبة في الزواج من غير بناتكم، وقد يحصل مثل ذلك من البنات وهذا يقتضي مع التربية إيجاد بدائل وخيارات مشروعة مضبوطة، حتى لا يحصل منهم تمرد وخروج على الأوامر الأسرية والتقاليد السابقة لطريق مشروع أو غير مشروع بسبب الكبت والإكراه لأن قوانين البلد تحميهم وتمنحهم الاختيار والحرية فيما يريدون وما لا يريدون.
القول الرابع عشر: إن الواجب عليكم أن تكونوا أمة وسطًا كما أراد الله، بلا تفريط ولا إفراط، فالتفريط في حقوق الله وحقوق عباده يوقع في التميع والانفلات وعاقبته وخيمة، والغلو والإفراط في الأمور يوقع في الحرج والمشقة ويشوه صورة الإسلام، وينفر أبناء المسلمين الذين لم يفقهوا الدين وغير المسلمين من هذا الدين.
وأخص هنا بعض الجمعيات التي تظهر الغيرة على الإسلام والمسلمين وترى من المذكرات ما يدمر المسلمين وغيرهم كعصابات الإجرام والمخدرات المنتشرة في البلد، ورغبتها في إزالة تلك المنكرات بأي وسيلة من الوسائل، ومنها القوة، اعتمادًا على النصوص الواردة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وظنها أن التغيير باليد واجب ما دام داخلًا تحت القدرة مهما ترتب على ذلك التغيير من آثار. وسبب هذا الظن عدم فقه باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، الذي تبين فيه النصوص شروط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وقد وجدت بعض المتحمسين للإسلام يجهلون هذه الأمور، ولذلك يقدمون على الأمر والنهي غير آبهين بالنتائج غير المحمودة، وكان الأولى بهم أن يداوموا على تنبيه الدولة إلى أخطار تلك المنكرات. ولو طال الوقت، لأن الدولة تستطيع أن تخفف من المنكر في حدود طاقتها إذا شاءت.
وكان الأجدر بهم أن يقوموا بتوعية الناس، مسلمين وغير مسلمين، وتحذيرهم من هذه المنكرات، وأن يتعاونوا مع المؤسسات الإسلامية من المدارس والمساجد وغيرها على تربية أبناء المسلمين، ومنهم بعض أبناء من يتعاطى المنكرات.
القول الخامس عشر: إن الواجب عليكم جميعًا: علماء وأئمة مساجد وزعماء مؤسسات ومدارس وأغنياء اغتنام الفرصة السانحة لكم في التمسك بدينكم ونشر الدعوة بين المسلمين لتطبيقه والعمل به، وغير المسلمين بدعوتهم إلى الدخول فيه، فعندكم الآن حرية كاملة في ذلك قد لا توجد في كثير من بلدان المسلمين.
ويجب أن تذكروا أن هذه الفرصة وهذه الحرية اللتين تتمتعون بهما الآن قد حُرِمَ منهما بعض دعاة الإسلام في أوطانهم الإسلامية بسبب التضييق عليهم ممن يحاربون الإسلام ويخافون من تطبيقه على الوجه الأكمل الذي أراده الله، ويُخشى عليكم أن تفقدوا هذه الحرية بعد فترة فتصبحوا على ما فرَّطتم نادمين.
القول السادس عشر: إنه يجب على العلماء أن يبينوا للمسلمين خطر معتقد من يدعي الإسلام والإسلام منه براء، مثل الفرقة القاديانية التي أجمع علماء الإسلام أنها ليست من المسلمين، كما يجب تحذيرهم من الشركيات التي تصدر من بعض الفرق المنتسبة إلى الإسلام كالذين يدعون الموتى من دون الله، ويغلون في رسول الله صلى الله عليه وسلم غلوًا يخالف كتاب الله، ويغضب الله ورسوله صلى الله عليه وسلم كزعمهم بأنه ليس ببشر، وتكفيرهم من أطلق عليه ذلك، مع تصريح كتاب الله بذلك.
وكذلك يجب تحذير عامة المسلمين من عقائد الرافضة، وبخاصة تكفيرهم لغالب أصحاب رسول الله له الذين هيأهم الله لحمل هذا الدين والذب عنه وعن رسوله.
القول السابع عشر: إن الواجب على العلماء والمؤسسات الإسلامية، وبخاصة المدارس، سواء كانت خاصة بتدريس المواد الإسلامية فقط أو جامعة بين المواد الإسلامية والمواد الحكومية، أن يهتموا بتدريس اللغة العربية باللغة العربية، وليس بلغات أخرى، فإن اللغة العربية لغة القرآن والسنة والسيرة، ولغة العلوم الإسلامية والعربية والتاريخ الإسلامي كله، فهي اللغة الأصلية للمسلمين جميعًا.
ولا تصح كثير من العبادات إلا باللغة العربية، وهي اللغة الوحيدة التي لا يُفهم القرآن والسنة والسيرة وكثير من علوم الإسلام فهمًا صحيحًا سليمًا إلا بها.
ووجود من يتقن اللغة العربية ويفهم بها حقيقة الإسلام من مصادره ويفقه المسلمين تفقيهًا صحيحًا هو فرض كفاية يجب على كل قادر من المسلمين إيجاده بفقده أو نقصه.
ولا ينبغي أن تخلو مدرسة أو مسجد أو مركز إسلامي من عدد كاف يتقن اللغة العربية.
وترجمة معاني القرآن الكريم بأي لغة لا يمكن أن تؤدي معاني القرآن الكريم أداءً سليمًا أبدًا مهما أتقن المترجم اللغتين العربية واللغة المترجم إليها.
واجب المؤسسات الإسلامية في البلدان الإسلامية
قول أخير أوجهه إلى المؤسسات الإسلامية في البلدان الإسلامية كالجامعات الإسلامية ومراكز الدعوة ووزارات الشؤون الإسلامية، وبنك التنمية الإسلامي وغيرها أن يهتموا بإخوانهم المسلمين في جنوب إفريقيا ويعينوهم على التمسك بدينهم ودعوة غيرهم إليه، ومن ذلك ما يأتي:
1 - التوسع في المنح الدراسية لطلابهم ليعودوا إلى بلادهم دعاة ومعلمين.
2 - بعث مدرسين من علماء اللغة العربية ليبقوا عندهم مدة كافية لتعليم أبنائهم اللغة العربية تعليمًا متقنًا حتى يتمكنوا من نشر هذه اللغة في مدارسهم ومؤسساتهم.
3 - بعث مدرسين متخصصين في العلوم الإسلامية كالتفسير وعلومه، والحديث وعلومه، والفقه وأصوله على أن يكون هؤلاء من ذوي الحكمة والأخلاق الفاضلة والصبر، حتى لا يصطدموا بعلماء البلد، فيحرم الناس من الفائدة التي بُعثوا من أجلها.
4- ينبغي مساعدة الدعاة إلى الله الذين يهتمون بدعوة السود بالمال وبناء المدارس والمساجد ليتمكنوا من أداء واجبهم بالوسائل الممكنة.
5- ينبغي إقامة دورات لمن أسلم من السود ممن عندهم استعداد للدعوة لمدة كافية، حتى يفهموا ما يدعون إليه، ويُزودوا بالإمكانات التي تساعدهم على مهمتهم، ويمكن أن يشترك في هذه الدورات بعض الأساتذة من البلدان العربية عن طريق القائمين بالدعوة في جنوب إفريقيا.
الهوامش:
([1]) لم يكن هذا هو هدفهم الوحيد من العزل، ولكنه أحد أهدافهم.
([2]) الملونون هم ذرية التناسل المختلط من شعوب متنوعة.
([3]) أعني هنا الهنود خاصة لأنهم هم الذين لم يتزاوجوا مع غيرهم في الغالب.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل