الثلاثاء 30-يناير-1990
يوغسلافيا مقبلة
على حقبة مليئة بالاضطرابات السياسية والاجتماعية.
تعديلات دستورية
في سلوفينيا مختلطة بالاضطرابات.
على المسلمين أن
يدفعوا ثمن الأخطاء المرتكبة في العهد العثماني.
ماذا يحدث الآن
في يوغسلافيا؟
ومتى سينفجر
البركان السياسي في هذه الدولة الشيوعية التي تحتضن ما يقارب خمسة ملايين مسلم؟
وماذا سيكون
نصيب هذا القطر من العواصف التي هبت مؤخرًا على عدد من دول الكتلة الشرقية مثل
بلغاريا وبولندا وهنغاريا ورومانيا وتشيكوسلوفاكيا، وكذلك الاتحاد السوفيتي حيث لم
تهدأ بعد الدوامة السياسية في مناطق مثل أذربيجان وليتوانيا ومنغوليا وجمهوريات
أخرى تدعو إلى الانفصال؟
هذه جملة
تساؤلات لا يجهل جوابها كل من يعيش داخل الاتحاد اليوغسلافي الذي يتألف من ست
جمهوريات وهي: سلوفينيا وكرواتيا وصربيا و"مونتينيغرو" (الجبل الأسود)
والبوسنة والهرسك ومقدونيا ومقاطعتان.. هما فويفودينا وكوسوفو التابعتان لجمهورية
صربيا.
ويدرك القادة
الشيوعيون في يوغسلافيا أن الرياح العاتية التي هزت مؤخرًا معظم دول الكتلة
الشرقية بصفة عامة ورومانيا المجاورة بصفة خاصة لم تكن مجرد زوبعة عابرة.
وقد تابع هؤلاء
القادة تلك الأحداث عن كثب لقناعتهم بأن يوغسلافيا مقبلة على حقبة مليئة
بالاضطرابات السياسية والاجتماعية، وأن مشاهد الأحداث الدامية التي وقعت في
رومانيا مؤخرًا عبارة عن رسالة موجهة إلى الشعب اليوغسلافي الذي دبت فيه النزاعات
العرقية والنعرات القومية.
وما من شك أن
اندلاع أية ثورة في يوغسلافيا من شأنها أن تكون أكثر دموية وعنفًا مما حدث في
رومانيا المجاورة؛ ذلك أن التوترات العرقية بدأت في الغليان تدريجيًّا في هذا
القطر الذي يتألف الشعب من 20 أقلية عرقية، تتكلم لغات مختلفة منها السلافية
والكرواتية والصربية والمقدونية والألبانية والتركية والمجرية، وهذه هي اللغات
المعترف بها رسميًّا والتي تُدرَّس بها في المدارس اليوغسلافية حتى المرحلة
الثانوية.
أما الجامعات
فيقتصر التدريس فيها على اللغات الخمس الأولى، علمًا بأن أكثر الأديان انتشارًا في
هذه الدولة الشيوعية هما: الإسلام والمسيحية.
وقد بدأ التشاؤم
واضحًا على وجوه المواطنين اليوغسلاف لخشيتهم من الوقوع في حرب أهلية، وكما قال
"نيكولاي بيليك" وهو طالب في كلية الحقوق: "إنه لا يوجد هناك من
يرغب في خوض قتال ضد مواطنيه اليوغسلاف، ولكن يبدو أن الحالة السائدة تدفعنا إلى
هذا الاتجاه.. إذ إنه لا مناص من التشاؤم".
وقد قام الاتحاد
اليوغسلافي في سنة 1945، ومنذ ذلك التاريخ لم يكف البعض عن توقع انهيار هذا
الاتحاد، كما أن الصراعات بين الجمهوريات والمقاطعات ذات الحكم الذاتي والقوميات
قد تفاقمت منذ وفاة الرئيس السابق جوزيف تيتو سنة 1980. ثم إن الانتكاسات
الاقتصادية والتضخم المالي الذي يتجاوز 800% في السنة لم تساعد على توطيد أركان
الاتحاد أو على توفير حد أدنى من روح التعايش المشترك بين أجزاء الكيان
اليوغسلافي، فالصرب والسلوفانيون والكرواتيون وشعب إقليم كوسوفو ما زالوا يتبادلون
الشتائم في الصحف إلى حد جعل قادة الجيش اليوغسلافي يشعرون بالقلق على وحدة
المؤسسة العسكرية التي تعتبر رمزًا للوحدة الوطنية.
وقد رفض الجيش
اليوغسلافي الذي قوامه 500,000 جندي التدخل في النزاعات الجارية؛ على الرغم من أن
قادة الجيش قد حذروا بكل هدوء أنهم لن يسمحوا إطلاقًا باندلاع نزاعات عرقية خطيرة
في البلاد. وكما صرح أحد كبار ضباط الجيش فإنه "لا يوجد هناك أي شيء أسمى
وأنبل من ارتداء الزي العسكري ومواجهة الشباب لتلقينهم دروسًا في كيفية التعايش
والعمل معًا داخل المجتمع الواحد".
والجدير بالذكر
أن أزمة الاتحاد اليوغسلافي التي أصبحت شبه مزمنة جاءت هذه المرة من جمهورية
سلوفينيا، ففي 27 سبتمبر الماضي تبنى البرلمان السلوفيني بأغلبية مطلقة وبمعارضة
صوت واحد إدخال تعديلات في الدستور السلوفيني بما يعطي هذه الجمهورية حق تقرير
المصير حتى ولو وصل الأمر إلى درجة الانفصال الكامل عن الاتحاد اليوغسلافي.
ومن الجدير
بالذكر أن نواب هذه الجمهورية لم يعيروا بالًا للتوجهات الصارمة الصادرة عن
الرئاسة الجماعية ليوغسلافيا وعن قيادة رابطة الشيوعيين اليوغسلاف التي ناشدت
برلمان سلوفينيا للرجوع عن مبادراتها الليبرالية التي تمهد لها الطريق نحو
الانفصال عن الاتحاد اليوغسلافي.
ويبلغ عدد
التعديلات التي أجريت حتى الآن في هذه الجمهورية 68 تعديلًا، إلا أن أهمها على
الإطلاق ثلاثة بنود كان الجميع ينتظرونها ويتخوف البعض منها، وهي الإقرار بحق
تقرير مصير جمهورية سلوفينيا بالانفصال عن باقي الاتحاد اليوغسلافي وإلى الانضمام
إلى دولة أخرى إذا ما رغبت في ذلك. ولا يقل البند الثاني أهمية وخطورة عن سابقه،
فقد حظر البرلمان الإقليمي فيه على الجيش الاتحادي حق التدخل في شؤون الجمهورية
وقت السلم، واشترط موافقة السلطات الإقليمية المعنية. وتُعطي سلوفينيا لنفسها من
خلال البند الثالث حق رفض القرارات الاتحادية إذا ما كانت متضاربة مع مصالحها
الخاصة. وقد دفعت هذه التعديلات السلطات في بلغراد إلى تمهيد الطريق نحو قيام نظام
تعدد الأحزاب في يوغسلافيا لأول مرة، وسيترتب على ذلك حتمًا زوال نظام حكم الحزب
الواحد في يوغسلافيا.
وإذا وصلت
الأمور إلى ما آلت إليه الآن في سلوفينيا البالغ تعدادها حوالي 3 ملايين نسمة، فإن
ذلك قد يرجع إلى استياء سكان هذه الجمهورية من مساواتها ببقية الجمهوريات؛ نظرًا
لأن سلوفينيا تقدم 20% من دخل الاتحاد القومي بين حوالي 25 مليون نسمة هم إجمالي
سكان يوغسلافيا.
وتعتبر سلوفينيا
منطقة متطورة؛ وهي تقع على مقربة من النمسا وإيطاليا، وفيها نهضة صناعية كبيرة.
ولعوامل تاريخية كثيرة فإن سلوفينيا أكثر ارتباطًا بأوروبا الغربية منها بشرق
القارة، ولا يعود ذلك للعامل الجغرافي وحده، وإنما للطبيعة السكانية والثقافية
والتجارب التاريخية الخاصة التي مرت بها، ففي الوقت الذي كانت فيه أنحاء أخرى من
يوغسلافيا تتأثر بتركيا العثمانية، كانت سلوفينيا -وما زالت- متأثرة وبقوة
بالتقاليد النمساوية-الهنغارية، وإلى حد ما بتقاليد جارتها إيطاليا.
وإذا اتخذت
سلوفينيا بعض القرارات البرلمانية تمهيدًا لانفصالها عن الاتحاد اليوغسلافي فإن
ذلك قد يبدو سابقًا لأوانه نظرًا للظروف الصعبة التي يمر بها الاتحاد برمته؛ ذلك
أن نيران الحركات الانفصالية في أقاليم أخرى كإقليم كوسوفو لم تخب بعد ولم يحدث
حتى الآن أي تحسن في الوضع الاقتصادي أو السياسي؛ مما زاد من حدة التناقضات
الدينية والعرقية.
هذا وإن
المواجهة الأساسية تقوم بين سلوفينيا التي تندفع في التجربة الليبرالية
واللامركزية الإدارية بقوة تحت قيادة زعيم الحزب الشيوعي المحلي "ميلان
كوسان" وبين جمهورية الصرب التي تندفع نحو إعادة السلطة المركزية الفيدرالية
القوية إلى يوغسلافيا بزعامة القائد الصربي الواسع الشعبية "سلوبودان
ميلوشيفيتش".
وقد قام
"ميلوشيفيتش" مؤخرًا بتنظيم مقاطعة تجارية ضد المصالح السلوفينية في
صربيا؛ حيث انضمت إليها حوالي 500 مؤسسة تجارية صربية. وقد فُرضت هذه المقاطعة
أيضًا على جميع المنتجات السلوفينية.
وكرد فعل لهذه
الإجراءات قامت كل من سلوفينيا وكرواتيا -التي تدعمها في مواجهتها للعدو المشترك
"صربيا"- بشن حملة تهدف إلى حرمان صربيا من قروض تسعى للحصول عليها
وتبلغ قيمتها بليون دولار أمريكي. كما رفضت بعض المؤسسات الحكومية في سلوفينيا
استلام شيكات صادرة من البنوك المقدونية لكونها محررة بالحروف السيريلية.
وفي غمرة هذه
البلبلة السياسية والاجتماعية قد يتساءل الواحد منا: إلى أي مدى سيتأثر المسلمون
من هذه الاضطرابات؟
وكما أسلفنا فإن
عدد المسلمين في يوغسلافيا يصل إلى حوالي خمسة ملايين مسلم. ولا غرو أيضًا أن
الشيوعيين اليوغسلاف يكنون لهم الكراهية والعداء إلى أبعد الحدود، ذلك أن على
المسلمين -في نظر الشيوعيين- أن يتحملوا كل الأخطاء المرتكبة طوال الحكم العثماني
الذي امتد لستة قرون في المنطقة، وهذه الأخطاء تعتبر حسابًا يجب على المسلمين
دفعه.
وقد ظلت الأقلية
المسلمة في المجتمع اليوغسلافي متمسكة بدينها وتقاليدها وعاداتها الإسلامية وقاومت
بشدة الانحلال والتفسخ العقائدي. ولم تذب في قالب المجتمع اليوغسلافي الشيوعي؛ مما
حدا بالزعيم الراحل المارشال تيتو بالانقلاب على المسلمين في الأربعينيات وفرض النظم
الشيوعية عليهم، كما أعدم زعماءهم وأئمتهم وأغلق مدارسهم ومساجدهم وصادر أملاكهم
مرة أخرى؛ مما دفع المسلمين للهجرة إلى تركيا وأوروبا وتنظيم فِرَق مقاومة
إسلامية.
لكن
"تيتو" لم يمضِ طويلًا في هذا المسلك، بل اتخذ فيما بعد سياسة أكثر
اعتدالًا تمثلت في إعادة فتح المساجد ومارس المسلمون شعائرهم الدينية بحرية نسبية،
ووُضعت جميع المؤسسات الدينية تحت إشراف هيئات دينية ترتبط بالأجهزة الحكومية.
ومن المؤكد أن
النعرات القبلية والدينية ما زالت محتدمة في يوغسلافيا، ولم يتخل الشيوعيون قط عن
مخططاتهم المشؤومة ألا وهي القضاء على الوجود الإسلامي ومحوه نهائيًّا من خريطة
البلاد.
وفي 19 نوفمبر
1989 ألقى "سلوبودان ميلوشيفيتش" الزعيم الصربي خطابًا في بلغراد دعا
فيه إلى استعادة ذكرى معركة سهل كوسوفو التي وقعت قبل ستمائة عام وبالتحديد في 28
يونيو 1389م حيث قال: "إن على كل صربي ألا ينسى المجزرة التاريخية التي
أنزلها الأتراك المسلمون عام 1389 على سكان كوسوفو؛ لأن معركة كوسوفو تمثل نهاية
مملكة الصرب القديمة على يد المسلمين، ولا بد من تحرير كوسوفو من المسلمين لإعادة
إيجاد صربيا العظمى".
وأعقب هذا
الخطاب تدهور الأوضاع في صربيا. وكما قام الجيش الصربي بإجراءات قمعية ضد
الألبانيين المسلمين وسقط من جرائها مئات القتلى واعتقل الآلاف بسبب مطالبتهم
بحقوقهم الدستورية.
ومن الجدير
بالذكر أن المسلمين اليوغسلاف ينتمون إلى عدة أقليات من بينها العرق التركي والعرق
السلافي والألباني وبعض البشناق والهرسك والغجر الذين أسلموا، هذا إلى جانب
المسلمين من الشعب المقدوني وشعب جمهورية الجبل الأسود "مونتينيغرو"
اللذين ينتميان للعرق السلافي أيضًا، وكل هؤلاء اعتنقوا الإسلام في بداية القرن
الخامس عشر مع الفتح العثماني باتجاه أوروبا.
وما زال الصرب
يتهمون المسلمين في كوسوفو بأنهم يهدفون إلى تحويل كوسوفو إلى إقليم ألباني مسلم
100% لإعلان الانفصال والانضمام إلى ألبانيا عن طريق تشجيع زيادة النسل والقيام
بأعمال عدائية ضد الصرب في الإقليم؛ حيث أدى ذلك إلى نزوح 20,000 صربي من كوسوفو
منذ 1981. وعلى الرغم من أنه لم يقم أي دليل على اعتداء المسلمين على الصربيين إلا
أن سلطات الحزب الصربي نجحت في شن حملات إعلامية مغرضة تدور حول هذا المعنى وتروج
لهذه الادعاءات الباطلة.
وقد أعرب
دبلوماسيون غربيون في بلغراد عن مخاوفهم إزاء فشل محتمل للجهود المبذولة حاليًا
لتوحيد الصفوف في يوغسلافيا حيث أجمعوا على أنه في حالة فشل هذه الجهود فلن يكون
هناك مناص من أن يتحول الاتحاد اليوغسلافي إلى دويلات تكن لبعضها البعض مشاعر
الكراهية والعداء. ولكن الأخطر في الأمر أن الجيش الذي قد لزم الصمت طوال هذه
الاضطرابات لن يتردد في إثبات وجوده في حالة اندلاع حرب أهلية، وهنا يكمن الخطر.
إن الأوضاع
الحالية في يوغسلافيا تفرض على الدول الإسلامية أن تولي مزيدًا من الاهتمام لما
يجري حاليًا في يوغسلافيا، وأن يدركوا أيضًا أنه كلما تفاقمت الأوضاع فإن
المتضررين في المقام الأول هم المسلمون، ثم إن هدوء الأحوال نسبيًّا للمسلمين هناك
لا يعني نهايتها، فالرماد لا يزال يخفي تحته جمرًا متقدًا؛ لأنه مهما احتدم الصراع
بين صربيا وسلوفينيا أو بين الجمهوريات الأخرى فإن ذلك سيكون حتمًا على حساب
المسلمين.