; ماذا يفعل الجيش الأمريكي في إفريقيا؟! | مجلة المجتمع

العنوان ماذا يفعل الجيش الأمريكي في إفريقيا؟!

الكاتب عمر ديوب

تاريخ النشر الثلاثاء 04-نوفمبر-1997

مشاهدات 68

نشر في العدد 1274

نشر في الصفحة 39

الثلاثاء 04-نوفمبر-1997

قوات حفظ السلام الدولية وقفت متفرجة وهي مغلوبة على أمرها خلال الأحداث المؤلمة في رواندا

 

كان كل من دولتي السنغال وأوغندا يفتخر بأن لديه جيشًا مدربًا تدريبًا عسكريًا جيدًا، ويتمتع بخبرة جيدة، لكن عندما قضت كتيبة عسكرية أمريكية قوامها ١٢٠ جنديًا من أفراد القوات الخاصة التابعة للجيش الأمريكي مؤخرًا فترة شهرين في تدريب كتيبة عسكرية في كلا البلدين على عمليات حفظ السلام اكتشفت بأن عليهما البدء مع المتدربين من الأساس، مثل ضمان صحة النظر، حيث تبين أن ٧٠ جنديًا من أصل ٣٥٠ عسكريًا إفريقيًا أخضعوا لاختبارات فحص النظر كانوا بحاجة إلى نظارات، وقد علق مسؤول أمريكي على ذلك قائلًا: «حتى يتمكن الجندي المناط به مهمة حفظ السلام من أداء مهامه فلابد أن يكون قادرًا على إصابة أهدافه»، وما إن قام الجيش الأمريكي بتزويد نظارات إلى من يحتاجها من الجنود الأفارقة حتى بدأت الدورات حول كيفية ضبط الجماهير الغفيرة إلى جانب إعطائهم دروسًا حول احترام حقوق الإنسان.

وتندرج هذه المهمة ضمن الخطة الأمريكية البعيدة المدى والمعروفة باسم مبادرة التجاوب مع الأزمات في إفريقيا، والتي وضعت من أجل مساعدة بلدان القارة الإفريقية على اكتساب قدرات تؤهلها للقيام بعمليات حفظ السلام، وتقوم كل من الولايات المتحدة، وفرنسا وبريطانيا بتنظيم دورات تدريبية وتقديم معدات للدول الراغبة فيها بكلفة سنوية تقدر بـ١٥ مليون دولار أمريكي، وقد انتهت المهمة التدريبية التي أشرفت عليها المجموعة الأمريكية في السنغال وأوغندا، في حين بدأت مهمة تدريبية أخرى في مالاوي كما أن من المقرر أن يأتي دور إثيوبيا في نهاية العام الحالي، وقد بات واضحًا أن هناك حاجة لإيجاد قوة لحفظ السلام في إفريقيا، ذلك أن القارة الإفريقية ظلت أسيرة لحروب أهلية متكررة وعمليات انقلاب، وحتى في الوقت الراهن، تشهد كل من أنجولا والكونغو برازافيل نزاعات تغلي تحت نیران هادئة، ويراود المسؤولون الأمريكيون الأمل في أن تلبي المبادرة الإفريقية احتياجات القارة في عمليات حفظ السلام. 

ومازال الأفارقة يتذكرون كيف تخلت الولايات المتحدة عن مهمة حفظ السلام في الصومال في عام ۱۹۹۳م، وذلك في أعقاب مقتل ۱۸ جنديًا ١٩٩٣م، مقتل ١٨ أمريكيًا، وقد ظلت واشنطن منذ ذلك الحدث غير متحمسة لفكرة إرسال جنود أمريكيين إلى مهام داخل القارة الإفريقية، فيما عدا عمليات إجلاء الرعايا الأمريكيين المقيمين في المدن التي تندلع فيها الصراعات، وقد رفض مسؤول في وزارة الخارجية في جنوب إفريقيا فكرة إنشاء قوة إفريقية بحتة لحفظ السلام في إفريقيا.

ويأمل المسؤولون الأمريكيون أن تكون الرغبة الجديدة والمتنامية لدى الحكومات الإفريقية في تسوية النزاعات الإفريقية داخل البيت الإفريقي في صالح المبادرة، ومما شجع على هذه الفكرة النمو الاقتصادي الكبير الذي حققته البلدان الإفريقية خلال السنوات الأخيرة، فقد حققت اقتصاديات البلدان الإفريقية الواقعة في جنوب الصحراء في السنة الماضية نموًا اقتصاديًا بمعدل ٥٪ وهي أعلى نسبة نمو حققتها بلدان هذه المنطقة منذ أكثر من عشر سنوات، كما أن لدى بعض البلدان الإفريقية رغبة أكبر في فرض نفسها طالما قدراتها العسكرية في تحسن وقد تذكر السيد هيرمان كوهين -كبير مستشاري البنك الدولي في شؤون التحالف الدولي من أجل القارة الإفريقية- كيف كانت الأمور في حقبة الثمانينيات عندما كان يتبوأ منصب مساعد وزير الخارجية الأمريكية للشؤون الإفريقية قائلًا: قد عملت في تلك الحقبة في سبعة نزاعات داخل القارة الإفريقية، لكن الأفارقة كانوا غائبين تمامًا عن كل نزاع من تلك النزاعات، واليوم نشهد استعداد أكثر من ١٥ دولة إفريقية في الانضمام إلى مهام حفظ السلام التي تقوم بها منظمة الأمم المتحدة، فحتى نيجيريا التي يحكمها نظام قمعي غارق في الفساد، بدأت تنخرط في عمليات حفظ السلام، حيث إنها تدير عمليات حفظ السلام في سيراليون، وليبيريا.

قوة حفظ السلام

وقد كان وزير الخارجية الأمريكي «وارن كريستوفر» هو الذي طرح فكرة إنشاء قوة الحفظ السلام في إفريقيا إبان وقوع سلسلة الاضطرابات التي شهدتها القارة الإفريقية في العام الماضي، حيث اقترح تشكيل فرقة عسكرية قوامها عشرة آلاف جندي تكون جاهزة للإرسال بسرعة إلى مناطق الأزمات، وقد اتخذت الحكومات الإفريقية موقفًا مناونًا لهذه الفكرة نتيجة تخوفهم من مغبة تحول التواجد العسكري إلى مصدر للاضطرابات وانحياز تلك القوة إلى جانب أطراف معينة في بعض الأزمات التي قد تنشب داخل القارة، وبعد أن عقدت اجتماعات في إفريقيا وأوروبا تم إجراء بعض التعديلات في الخطة المذكورة بذكاء، بحيث يكون التركيز على إيجاد قدرات لحفظ السلام من خلال تقديم دورات تدريبية ومعدات عسكرية لمختلف البلدان الإفريقية التي قد توافق على العمل مع الولايات المتحدة في هذا الصدد. 

وتدعو المبادرة الأمريكية أيضًا إلى إيجاد مجموعة إسناد لعمليات حفظ السلام يسمح بالمشاركة فيها لكافة بلدان العالم التي قد ترغب في المساهمة في جهودها، كما تتيح الخطة للبلدان الراغبة في تدريب قوات حفظ السلام أن تضع برامج تدريبية خاصة بها، وأن تختار من تدرب ومن لا تدرب من جيوش الدول، وذلك بناء على طلب من هيئات مثل الأمم المتحدة، وإنه من الناحية النظرية يمكن من الآن فصاعدًا تشكيل قوة حفظ السلام من الوحدات التي تم تدريبها.

بيد أن هناك مشاكل جمة تبقى بدون حل ويكمن أولها في كيفية إقناع الحكومات الإفريقية بالانضمام إلى هذه القوة، فلم يقبل إلا ست دول فقط العرض الأمريكي لتدريب جيوشها وهي إثيوبيا، وأوغندا، والسنغال، ومالاوي، ومالي وغانا، أما نيجيريا فإنها لا تستطيع الاستفادة من أي تدريبات يشرف عليها جنود أمريكيون نظرًا لوجود حظر مفروض على النظام الديكتاتوري الحاكم فيها من جانب أمريكا، كما أن هناك عددًا من البلدان الإفريقية التي تملك جيوشًا أكثر خبرة تقف موقف المتفرج، وتشاهد الجيوش الأخرى تؤدي مهام حفظ السلام.

وبالرغم من أن قوة حفظ السلام الإفريقية قد شكلت في أعقاب وقوع المجازر التي ارتكبت إبان الحرب الأهلية في رواندا في عام ١٩٩٤م، فإن كثيرًا من المراقبين يشككون في إمكانية قيام أي قوة لحفظ سلام -أيا كانت- بعمل شيء في وقت نشوب الأزمات التي تأخذ طابع العنف الفوضوي ووجود منافسات بين عدة أطراف. 

وقد وقفت قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة متفرجة وهي مغلوبة على أمرها من وراء الأكياس الرملية إبان الأحداث المؤلمة في رواندا عندما كان الأطفال والنساء يتعرضون للضرب بالهراوات والاغتصاب والقتل أما الجنود الأمريكيون فقد كانوا أقل عددًا وعتادًا مما كان لازمًا، فضلًا عن أنهم كانوا ممنوعين من التدخل حسب تفويضهم المحدود، وقد ذكر السيد هيرب هاو، وهو أستاذ متخصص في الشؤون الإفريقية لدى جامعة جون تاون الأمريكية بأنه «إذا تكرر ما حدث في رواندا في أي بقعة أخرى، فسوف تظل هذه القوة الوليدة مكتوفة الأيدي»، وقد ظلت الأمم المتحدة تبحث عن جنود يرسلون للقيام بمهمة حفظ السلام في رواندا طوال فترة ثلاثة شهور.

موافقة الكونجرس

ومع أن القوة الإفريقية قد نشأت على يد الولايات المتحدة، فإن ثمة مشاكل تعتريها في واشنطن، فلم يوافق الكونجرس الأمريكي المتشكك في جدواها على تخصيص مبلغ ۲۰ مليون دولار أمريكي فقط للميزانية المخصصة لها لعام ۱۹۹۸م، كما أن هناك بعض رجال القانون يتخوفون من مغبة استخدام التدريب الأمريكي والمعدات الأمريكية لأغراض هجومية، وهناك ما يبرر تلك المخاوف، فعلى حين كانت القوات الأمريكية تدرب أفراد الجيش الأوغندي على عمليات حفظ السلام كانت هناك قطاعات أخرى من الجيش الأوغندي منغمسة في معارك ضد ثوار ينتمون إلى المناطق الواقعة في شمال البلاد. ولسبب وجيه وضعت المبادرة الأمريكية لحفظ السلام في إفريقيا كخطة بعيدة المدى، ذلك أنه ما إن تنتهي أزمة في إفريقيا حتى تنشب خلفها أزمة أخرى، وفي الوقت الحالي تدور رحى الحرب الأهلية في الكونغو برازافيل التي كانت حتى وقت قريب ملاذا أمنًا للفارين من ويلات الحرب الأهلية في زائير، وفي أنجولا فإن اتفاقية السلام أوشكت على الانهيار، فحين يرفض الثوار المنتمون إلى حزب يونيتاء نزع السلاح، وتهدد الحكومة الأنجولية بشن غارات على المناطق الغنية بالماس التي استولت عليها قوات «اليونينا»، وقد ذكر مسؤول أمريكي بأن الطرفين على شفا خوض غمار الحرب، وإذا كانت مسألة إيجاد قوة إفريقية حقيقية لحفظ السلام تتطلب عدة سنوات، فإن الكثيرين يقرون بأن ذلك لا يتحقق بين عشية وضحاها.

الرابط المختصر :