; مازال النفاق الحضاري: والسياسي يخادع الأمة | مجلة المجتمع

العنوان مازال النفاق الحضاري: والسياسي يخادع الأمة

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر الثلاثاء 29-مارس-1994

مشاهدات 100

نشر في العدد 1093

نشر في الصفحة 37

الثلاثاء 29-مارس-1994

النفاق الحضاري: من اللورد كرومر إلى مأساة البوسنة

كتب اللورد كرومر في كتابه «مصر الحديثة» في الفصل الأخير، وكان ذلك سنة 1908، يقول: «إن إنجلترا كانت مستعدة لمنح الحرية السياسية النهائية لكل ممتلكاتها المستعمرة، حين يكون في تلك البلاد جيل من المفكرين والسياسيين المشحونين بمثل الثقافة الإنجليزية، عن طريق التربية الإنجليزية، مستعدة للاضطلاع بالأمور، ولكن الحكومة البريطانية لن تسمح بحال من الأحوال بقيام دولة إسلامية مستقلة، ولو للحظة واحدة».

نفس الحديث ونفس السياسة ونفس التصريحات التي تسمعها من ساسة الغرب والعالم المنسوب إلى التحضر، وهم يتكلمون عن البوسنة قائلين: «إننا لن نسمح بأي حال من الأحوال بقيام دولة إسلامية في أوربا أوروبا»، ولهذا سمحوا بتلك المجازر والكوارث التي تفتك بالمسلمين، وباركوا تلك الفضائح والمسالخ التي تمزق الآمنين والعزل، ولم يروِ ظمأهم قتل أكثر من أربعين ألف طفل من أطفال البوسنة، وتشريد ما يقرب من مائة ألف طفل في مخيمات اللاجئين في زغرب ومقدونيا وألبانيا وملاجئ الكنيسة في قلب أوربا أوروبا، بل ولم يشف حقدهم تلك الأهوال التي تشيب لها الولدان مما لم يخطر لإنسان على بال؛ فأجساد الأطفال الأبرياء يستخدمها الصرب والكروات كدروع بشرية، كما أنهم يلغمون أجساد الأطفال الأبرياء ويرسلونهم إلى القوات البوسنية تحت زعم الإفراج عنهم، وبمجرد أن يصل هؤلاء الأطفال إلى القواعد البوسنية يتم تفجيرهم بواسطة «الريموت كنترول».

كما شهدت أوروبا تجارة الرقيق بأطفال المسلمين، وتوافد تجار الرقيق الأوروبيون إلى العاصمة الكرواتية زغرب لنقل المئات من أطفال المسلمين وبيعهم، وقد حددت قوائم بأسعار الأطفال البوسنيين بين ألف وعشرة آلاف دولار للطفل الواحد، وقد كشفت شبكة تليفزيونية ألمانية عن شبكة واحدة لبيع الأطفال تتخذ من ألبانيا مقراً لها فوجد أنها باعت حتى الآن ما يقرب من 3000 طفل مسلم. وهل عرفت البشرية في عصرها القديم والحديث قلوباً أقسى من قلوب هؤلاء الحاقدين المتوحشين الذين يقترفون أشنع الجرائم بلا وجل أو حتى إحساس بالذنب؟

قالت صحيفة "الديلي تليجراف" إن مسؤولين في أحد معاهد التجارب الجدلية بألمانيا اعترفوا باستخدام أكثر من 200 طفل من أطفال البوسنة لإجراء اختبارات تصادم السيارات عليهم، وقال رينر ماتر رئيس المعهد في مستشفى هايدلبرج الجامعي التعليمي إنه تم استخدام عدد من الأطفال تتراوح أعمارهم بين سنتين إلى ثلاثة عشرة سنة لإجراء اختبارات تصادم السيارات عليهم في الفترة الأخيرة، وإن هؤلاء الأطفال وجدوا أو اشتروا لهذا الغرض. وقالت تقارير صحفية صادرة في ألمانيا إن تجارب مماثلة أجريت على أجساد الأطفال في فرنسا والولايات المتحدة وفي هايدلبرج، وكانت التجارب تتكون من وضع الأطفال في السيارات التي تسير بسرعة متفاوتة وتصدم بالحوائط، كما كشفت التقارير عن استخدام أطفال البوسنة في معامل التجارب الغربية لإجراء الاختبارات عليها كفئران التجارب، كما أشارت إلى استخدامهم في تجارة بيع الأعضاء الرائجة في العالم الغربي.

وهذا في الحقيقة يعطي دلالات ومؤشرات حقيقية لأوضاع خطرة وكوارث مفجعة لا يمكن أن تصل إليها أمة من الأمم أو ينحدر إليها شعب من الشعوب سواءً كان متحضرًا أو متخلفًا على حد سواء. أما إذا كان هذا الشعب أو هذه الأمة مدعية للحضارة ثم تقترف هذه الأفعال، أو تحرص عليها وتدبر لها وترعاها، فلا أظن أن لها قلباً أو شعوراً أو حتى نفساً إنسانية، وإنما هي أمم وشعوب متوحشة ومفترسة وشيطانية يسيرها حقدها الأعمى وشهواتها المدمرة، وكل ما تدعيه من إنسانية إنما هو نفاق حضاري وفكر شيطاني ودهاء سياسي يراد أن يكون شركاً لاصطياد الفرائس وفخاخاً للإيقاع بالأبرياء السذج الذين يجهلون مكر الثعالب ولا يفقهون طبع الذئاب المتوحشة.

إن ادعاءهم إطلاق الحريات والمحافظة على حقوق الإنسان وحرماته أصبحت تنطلق من أفواههم فتترجم في آذاننا عواء تلك الذئاب وزمجرة تلك الوحوش التي تقف على أهبة الاستعداد للانقضاض على الفرائس المخدرة، والوثوب على الصيد الشرود. وهل وعت آذان الكثيرين منا هذا وترجمته إلى وقائع وحقائق توشك أن توقظ النائم وترشد المخدوع وتنبه الغافل؟ هيهات هيهات!! وأما إذا كانت هذه الأمة هي الفريسة وهي المأكولة والمستباحة، فإن هذا يدل على أنها أصبحت جسداً هامداً وعقلاً غائباً وإحساساً ذاهباً، كما يدل على أنها ضلت الطريق وتاهت عن الدرب، وفقدت الناصح والقائد والدليل، أو أنها سارت في طريق الضلال وتاهت عن درب الهداية وغشها الناصح وباعها القائد. وسلمها المدرب على قياداتها إلى جزاريها ممن عناهم اللورد كرومر من مثقفي الهزيمة الذين أعدوا للاضطلاع بمهمة تكفين الأمة ومواراتها القبور، وكانوا لها كإخوة يوسف ألقوها في الجب وباعوها بثمن بخس دراهم معدودات وكانوا فيها من الزاهدين. فهل ستفهم الأمة هذا النفاق الحضاري ممن يدعونه، وتعي الضلال الثقافي ممن يحملونه، وتكتشف الخداع السياسي ممن ينفثونه حتى تنهض الأمة وتعز وتسود وتقوى؟ نسأل الله ذلك.

 

الرابط المختصر :