العنوان ما الذي يعنيه فوز « الإسلاميين» في المغرب؟
الكاتب إبراهيم الخشباني
تاريخ النشر السبت 10-ديسمبر-2011
مشاهدات 57
نشر في العدد 1980
نشر في الصفحة 28
السبت 10-ديسمبر-2011
- بالانتخابات التشريعية الأخيرة يسعى النظام المغربي لتمرير رسالة مفادها أن طريق التغيير المحفوف بالأخطار ليس الطريق الوحيد للتغيير.. فهناك طريق الإصلاح المتدرج وهو أكثر أمنا
- وقف النظام المغربي بكل أدوات الدولة في وجه أي تجاوزات انتخابية.. ولذلك لم تسجل إلا تجاوزات محدودة لا تسلم منها أي عملية انتخابية
اجتازت الانتخابات التشريعية المبكرة التي جرت بالمغرب يوم ٢٥ نوفمبر الماضي، أهم امتحان كانت تتهيبه المتمثل في تحقيق نسبة مشاركة مقبولة، صحيح أن نسبة ٤٥,٤٠% لا ترقى لما كان يأمله الداعون لتكثيف المشاركة لكنها تبقى نسبة معقولة تماثل ما يحدث في ديمقراطيات عريقة، ولم يتكرر العزوف شبه الجماعي عن الاقتراع الذي عرفته انتخابات عام ٢٠٠٧م.
جاءت المشاركة المعقولة لتحرج الحركات والأحزاب التي دعت بقوة لمقاطعة الانتخابات كما منحت بعض الارتياح لمن دعوا للمشاركة وللقبول بالقليل في انتظار نضج ظروف المطالبة بالكثير والعمل من داخل المؤسسات من أجل مزيد من الإصلاحات نتائج الانتخابات التي أسفرت عن تغيير كبير تمثل في فوز حزب العدالة والتنمية الإسلامي بـ ۱۰۷ مقاعد لها دلالاتها المهمة داخل بيئة يتنازعها تياران أساسيان تيار الحركة الشبابية ٢٠٠ فبراير المتماهي مع الثورات العربية التي أطاحت بثلاثة أنظمة دكتاتورية، والذي دعا لمقاطعة الإصلاحات لأنها لا تلبي كل مطالب الإصلاح، والتيار الثاني هو التيار الإصلاحي الذي أعلن عنه النظام في شخص الملك في مارس الماضي وعنه تمخض دستور جديد و انتخابات جديدة.
تغيير بلا ثورة
أولى الرسائل السياسية التي يسعى النظام المغربي لتمريرها داخليا ودوليا - وإن تحقق ذلك فسيكون نموذجا قابلا للتصدير عربيا - أن طريق التغيير المحفوف بالأخطار الذي سلك في تونس ومصر وليبيا، ليس الطريق الوحيد للتغيير، فهناك طريق الإصلاح المتدرج، وهو أكثر أمنا.
كما أن نجاح الإسلاميين» نتيجة الاحتكام لإرادة الناخبين، يمكن ألا يكون تأكيدا للديمقراطية فحسب، بل جزءا من مسلسل الإصلاح الذي يقوده النظام المغربي في مواجهة خصوم الداخل وتحديات الخارج في ظل ربيع عربي لا يزال فصله السياسي ممتدا ومخاضه عسيرا.
صدمة المقاطعين
كان دعاة مقاطعة الانتخابات يراهنون على نسبة مشاركة أقل من سابقتها في سنة ۲۰۰۷م، التي لم تتجاوز ۳۷ وعلى تدخل الإدارة بقوة لصالح أحزابها المصطنعة، حتى تتمكن من تبرير دعوات خروج للشارع أكبر من سابقاتها التي لم تتمكن من تجميع أكثر من بضع عشرات آلاف من المتظاهرين، وقد ينضم إليها حزب العدالة والتنمية لو زورت الانتخابات ضده من أجل الضغط بمسيرات مليونية ترغم النظام على الإصلاح الجذري ولكن المسيرة التي دعت إليها بعد يومين من الاقتراع لم يستجب لها في الرباط إلا بضع مئات أغلبهم من أنصار جماعة العدل والإحسان»، بينما في طنجة عرفت المسيرة مشاركة بضعة آلاف، وعرفت عودة قوية نجاح الإسلاميين ، ليس تأكيدا للديمقراطية فحسب.. بل جزءا من مسلسل الإصلاح الذي يقوده النظام في مواجهة خصوم الداخل وتحديات الخارج الشعارات غابت لفترة، حيث عدنا نسمع شعارات تطالب بدستور ديمقراطي وبلجنة تأسيسية منتخبة لصياغته، وكذا حل الحكومة والبرلمان وإيجاد حلول آنية للمشكلات الاجتماعية التي يتخبط فيها المواطن، كما انتقد المتظاهرون الانتخابات التشريعية واعتبروها استمرارا السياسة الهروب إلى الأمام.
والمتابع لموجة الاحتجاجات والإصلاحات التي شهدها المغرب في مستهل هذا العام ابتداءً من محطة ۲۰ فبراير»، أول خروج للشارع من طرف الشباب الثائر، ومحطة ٩٠ مارس»، يلحظ أن حزب العدالة والتنمية» بمواقف كوادره وتوجهاتها، اختار مسلسل إصلاح النظام عوضا عن الخروج عليه.
ولقد كان النظام المغربي واعيا بأخطار أي انزلاق، فوقف بكل أدوات الدولة في وجه أي تجاوزات انتخابية، ولذلك لم تسجل إلا تجاوزات محدودة لا تسلم منها أي عملية انتخابية.
الحكومة المرتقبة
لم يخف قادة حزب العدالة والتنمية أن الأقرب إليهم هي أحزاب الكتلة الديمقراطية الثلاثة الاستقلال»، و«الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية». والتقدم والاشتراكية وذلك راجع لكونها جميعا أحزابا لها جذور اجتماعية ومنبثقة من الشعب على خلاف ما يسمى سعد ال بالأحزاب الإدارية التي صنعتها إدارة وزير الداخلية السابق إدريس البصري، أو حزب صديق الملك فؤاد عالي الهمة الذي أعلن منذ يومه الأول أن مشروعه السياسي يتمثل في محاربة العدالة والتنمية». وقد جمع حوله قبيل الانتخابات ائتلافًا من أربعة أحزاب إدارية، انضمت إليها أربعة أحزاب أخرى ثلاثة يسارية، وحزب واحد إسلامي، لتؤسس تحالفا من ثمانية أحزاب يسمى «G8»، لا يجمع بينها إلا العداء لـ العدالة والتنمية».
ومن جهته، دعا سعد الدين العثماني، رئيس المجلس الوطني لحزب العدالة والتنمية»، إلى نسج تحالف قوي ومنسجم قادر على معالجة وتدبير الملفات والقضايا الوطنية.
وأضاف العثماني أن الخريطة التي أفرزتها صناديق الاقتراع ستضع حدا له البلقنة الكبيرة التي ميزت الخرائط السياسية السابقة وتشجع على تكوين حكومة ائتلافية من ثلاثة إلى أربعة أحزاب على أكثر تقدير تنسجم مع توجهات الدستور الجديد.
كما أكد العثماني أن سيناريو التحالف مع أحزاب الكتلة الديمقراطية، محتمل جدا، مشيرا إلى أن التحالف يخضع لعدة اعتبارات من بينها كيفية تشكيل بنية وبرنامج وأولويات الحكومة، ثم الاتفاق على اختيار الوزراء.
ولكن مهمة «العدالة والتنمية في تشكيل تحالفه قد تجعل موقعه التفاوضي ضعيفا رغم فوزه الكبير، إذا ما أصرت أحزاب الكتلة على التفاوض مجتمعة، وربما هذا ما دفع عبد الإله بنكيران رئيس الوزراء المكلف بتشكيل الحكومة - وإن عبر عن رغبته في التحالف أولا مع أحزاب الكتلة - إلى ترك الباب مفتوحا أمام الأحزاب الأخرى بما فيها بعض أحزاب التحالف المضاد باستثناء حزب الأصالة والمعاصرة، الذي لا يمكن التحالف معه.
ومع ما يتردد من كون القصر الملكي لا يميل للإسلاميين، حسب تسريبات ويكيليكس»، غير أن الدستور الجديد لم يترك للملك خيارًا سوى تسمية رئيس الحكومة من العدالة والتنمية بحكم فوزه بالنسبة الأكبر من مقاعد البرلمان، وقد قال بنكيران خلال الحملة الانتخابية: إن علاقتنا بالملك لا تتبني على الحب، ولكن على مصلحة البلاد.
تحديات صعبة
ومهما كانت تحالفات العدالة والتنمية المقبلة، فإنها تنتظرها تحديات صعبة أولها: إطلاق حكامة جيدة بما يرسخ الحريات، ويمكن المؤسسات من شروط العمل وفق قواعد ربط المسؤولية بالمحاسبة، ويجعل الدولة في خدمة الوطن والمجتمع، وما يؤكد ضرورة الاشتغال على هذا المحور، ما نص عليه الدستور من وجوب إصدار سلسلة قوانين تنظيمية مهيكلة للشأن العام، وإرساء مجموعة من مؤسسات الحكامة والديمقراطية التشاركية بهدف تقوية الثقة في السياسة والمؤسسات وإعادة الاعتبار للمواطن.
ثاني التحديات: اعتماد ميثاق اجتماعي جديد يضمن العيش الكريم للمواطنين ويمكنهم من الخدمات الاجتماعية الجيدة ويتيح فرص الرقي الاجتماعي.
والتحدي الثالث: بناء مناخ أعمال شفاف بهدف التمكين للاستثمار الوطني والخارجي المنتج للثروات والمحقق للعدالة الاجتماعية، وإرساء إستراتيجية وطنية للنمو والتشغيل والتنافسية لمواجهة معضلات الفقر والبطالة وضعف القدرة الشرائية وتغول اقتصاد الريع.
رابع التحديات: تعزيز الوحدة الوطنية وصيانة التعددية الثقافية وتعزيز مكانة القيم الإيجابية المستندة إلى المرجعية الإسلامية والتفاعل الإيجابي مع المحيط الخارجي وبناء شراكات متوازنة وعادلة قائمة على الندية وتبادل المصالح بعيدا عن منطق الوصاية، وكذا الدفاع عن القضايا العادلة للشعوب العربية والإسلامية.
ويبقى أكبر تحد هو الافتقار إلى السيولة المالية الكافية لتحقيق هذه المشاريع، فالمغرب من البلدان فقيرة الموارد، رأس ماله الوحيد مكونه البشري الواجب الاستثمار فيه بقوة وهو استثمار بعيد المدى قد لا يسعف الحكومة الجديدة في الاستجابة للمتطلبات الآنية للشعب، ولكن وكما قال د. الحسن الداودي القيادي في حزب العدالة والتنمية»، لابد من القرارات الشجاعة وإن أدت إلى تراجع الحزب في الانتخابات المقبلة.