; ما تبقى من السودان هي «دار الإسلام» الأصلية | مجلة المجتمع

العنوان ما تبقى من السودان هي «دار الإسلام» الأصلية

الكاتب محمد حسن طنون

تاريخ النشر السبت 23-يوليو-2011

مشاهدات 62

نشر في العدد 1962

نشر في الصفحة 26

السبت 23-يوليو-2011

يقول التاريخ، إن السودان كان يتكون من السودان النيلي والسودان غير النيلي: حيث قامت دولة الفونج الإسلامية على امتداد النيل الأزرق من  «سنار» إلى حدود الحبشة واستمرت حتى الغزو التركي الذي جاء خصمًا على الإسلام والمسلمين لأن «محمد على» كان يريد سلطة وثروة لنفسه لا للإسلام، وتمرد جنوب النيل الأزرق بقيادة مالك عقار ثمرة من تلك السياسات الخاطئة التي ارتكبتها حملة  »محمد علي«، في كل السودان.. أما السودان غير النيلي، فكان يضم الولايات الغربية الآن: حيث قامت مملكة تقلي العباسية في كردفان وجبال النوبة، وكذلك الولايات الشرقية البعيدة عن النيل.

إذا ما تبقى من السودان بعد انفصال الجنوب هي دار الإسلام الحقيقية منذ دخول دين الله الحنيف إلى السودان حتى اليوم، ونسبة المسلمين فيه ٩٨%، ونسبة 2% من الوثنيين والمتنصرين بواسطة بعثات التنصير.. وقد استطاع المسلمون في هذه المناطق أن يتعايشوا في سلام ووئام وفق ما عرف بميثاق، إربجي، الذي كفل التعايش بين مكونات السودان كدار للإسلام، لقد تعايشوا وفق مبادئ الإسلام الذي يجعل الدين هو الأساس، ويمحو اعتبارات العنصر واللون والقبيلة بل يحث على التزاوج بين المسلمين دون النظر إلى الفوارق الطبقية والعنصرية.

إن جنوب السودان الذي انفصل لم يكن دار إسلام للستسلم للعاطفة الجياشة وتذرف الدموع ونقيم سرادق العزاء لذهاب جزء عزيز من الوطن، فكيف إذا صار الجنوب جزءًا من السودان؟

أرض خصبة

يقول التاريخ أن «محمد علي» يحملته على السودان ما كان يريد إلا الرجال والذهب، وعندما وصل رجاله إلى أقصى أعالي النيل مارسوا ما يمارسه المحتلون التقليديون ولكن بغباء، فبدلًا من أن يأتي بعلماء فقهاء ليبشروا بالإسلام في أرض بكر سكانها وثنيون جاء برجال همهم التجارة في البشر والبحث عن الذهب فوصف عهدهم في التاريخ السوداني بكل ما هو جائر وظالم مما فجر ثورة  «محمد أحمد المهدي» المعروفة بثورة المهدية التي قامت على أساس إقامة دولة إسلامية على منهاج النبوة معتمدة الجهاد أساسًا لدحر الحكم التركي الذي استعان للأسف بالمحتل البريطاني: مثل جوردون الذي قتله ثوار المهدية في قصر الحاكم العام بالخرطوم ويكتشنر الذي اعاد احتلال السودان بعد هزيمة المهدية في معركة كرري عام ١٨٩٨م.

منذ مجيء الاحتلال البريطاني وهو ينفذ استراتيجية فصل الجنوب عن الشمال فابتدع قانون المناطق المغلقة حيث أصبح الشمالي محظورًا من الدخول إلى الجنوب كما حرم الجنوبي من التحدث باللغة العربية وليس الجلباب و الطاقية، إمعانًا في وضع الحواجز التي تمنع التواصل.. ووجد المحتل البريطاني عونا من الكنائس المسيحية الأوروبية التي تكن عداء للشمال المسلم. ووجد المنصرون أرضًا خصبة الممارسة نشاطهم وزرع الأحقاد والضغائن في قلوب الجنوبيين ضد الدين الإسلامي على أساس أنه دين العرب تجار الرقيق.

وأثمر الغرس الخبيث، وبدأت ثمار تفتيت السودان تؤتي أكلها، وأفسح المجال للنفوذ الأمريكي واليهودي ليكون الجنوب مرتعًا للنشاط المعادي لكل ما هو عربي ومسلم، فكان أن احتضنت الكنائس الغربية بعض أطفال الجنوب وشبابه ليصنعوا على اعين النصارى، ويأتوا لقيادة التمرد حتى قبل رحيل الاحتلال بشهور، وتوجت جهود الكنائس والصهيونية العالمية بإعلان دولة الجنوب كدولة يحكمها من تربوا تحت كنف الكنائس ورعايتها.

والسؤال: هل فرط الشمال في دار الإسلام فانتقصت ديار المسلمين من أطرافها أم أنها لم تكن يوما من الأيام لا أرض إسلام ولا أرض أجدادنا؟

الواقع أن أرض جنوب السودان لم تكن في يوم من الأيام أرض إسلام إذ لم يفتح المسلمون هذه البلاد لا بجهاد ولا بغيره.

ولم تقم على أرضه أحكام الإسلام لا قبل الاحتلال البريطاني ولا بعده، ولا في العهد الوطني حتى عاش السودان بلا دستور إسلامي إلى أن أعلن الرئيس الراحل  »جعفرالنميري« تطبيق الشريعة الإسلامية قبل سقوط حكمه بأقل من عامين.

وفي اتفاقية السلام الشامل، تضمن الدستور الانتقالي نظام دولة واحدة بنظامين الجنوب تحكمه الحركة الشعبية بدستور علماني لا ديني ويطبق الشمال الشريعة الإسلامية مع مراعاة حقوق غير المسلمين.

مما أسماها الرئيس البشير، في إحدى خطبه بعد ظهور نتيجة الاستفتاء بالشريعة المدغمسة، أي المنقوصة، وطالب بالشريعة المبرأة من كل نقص.

ومن هنا تدرك أن الجنوب لم يكن إقليمًا في دولة خلافة إسلامية، ولكن هناك مسلمون بأعداد مقدرة وإن كانوا أقلية بالنسبة لمجموع السكان ولكنهم موجودون، ولهم حقوق مهضومة في دولة تنحاز إلى العالم المسيحي ويرفرف في سمائها العلم الصهيوني.

جيش إسلامي تأكيدًا لهذه المخاوف، قامت استخبارات الجيش الشعبي في ١٢ مايو الماضي باختطاف الشيخ  «فؤاد ريتشارد» الداعية الإسلامي الجنوبي، الذي يشغل منصب الأمين العام للمجلس الإسلامي بإقليم بحر الغزال ومقر إقامته الدائم في مدينة «واو» عاصمة الإقليم منذ ولادته من أب يوناني مسيحي حيث اعتنق ابنه فؤاد الإسلام فيما ظل الأب التاجر الثري على دينه، وحاول رد ابنه إلى المسيحية لكنه رفض وفضل أن يتمسك بالإسلام متنازلًا عن أموال والده.

لقد صاهر الشيخ  «فؤاد العنصر» الجنوبي رغم أنه ذو بشرة بيضاء أوروبية بحكم أصله اليوناني، وفجعت الأوساط الإسلامية بنبأ تصفيته في الأسبوع الأخير من يونيو الماضي.. وفي حفل تأبين الفقيد.

أعلن مستشار رئيس حكومة الجنوب السابق المنشق عن الجيش الشعبي الفريق «عبد الباقي أكول» عن تشكيل الجيش الإسلامي بجنوب السودان للدفاع عن حقوقهم الدستورية وممارسة شعائرهم الدينية، وقال: المسلمون يطالبون حكومة الجنوب بمنحهم منصبي نائب الرئيس ونائب الحاكم العام في الولايات العشر، ونسبة 3٠% من السلطة بحسب لم يفتح المسلمون الجنوب ولم تقم على أرضه أحكام الإسلام قبل الاحتلال البريطاني ولا بعده مسلمو الجنوب حقوقهم مهضومة في دولة تنحاز إلى العالم المسيحي ويرفرف في سمائها العلم الصهيوني تعدادهم، وأضاف: «سنأخذ حقوقنا بالسلاح ولا يمكن لنا كمسلمين أن نسكت على عدم وجود قانون يحاكم من قتل الداعية فؤاد الذي له مجاهدات مقدرة في نشر الدعوة الإسلامية في بحر الغزال».

أوضاع المسلمين

وقبل إعلان دولة الجنوب بثلاثة أيام فقط اعتقلت استخبارات الحركة الشعبية «موسى ألمك كور» أمين العلاقات الخارجية بالمجلس الأعلى المسلمي الجنوب.

وعبد السلام آدم كوكو القيادي بالمجلس ثم تم الإفراج عنهما بعد تحقيق استمرعدة ساعات مما يدعو للتساؤل: كيف ستكون أوضاع مسلمي الجنوب في الدولة الجديدة؟

وكيف نقرأ مستقبلهم؟ ترى بعض القيادات الجنوبية أن الحركة الشعبية إذا استمرت بنهجها الحالي في الحكم فلن يتمكن المسلمون في الجنوب من ممارسة حياتهم الدينية بحرية حيث لن يتمكنوا من إنشاء حزب إسلامي لأن دولة الجنوب تحتكم إلى دستور علماني ينص على فصل الدين عن الدولة.

وألقى بعضهم باللوم على اتفاقية  »نيفاشاء« التي سلمت أمر المسلمين في الجنوب للحركة الشعبية الواقعة تحت تأثير القوى الدولية المعادية للإسلام، ويرون أن الحركة الشعبية غير قادرة ولا مؤهلة لتأسيس حكم راشد تتوافر فيه الحرية الدينية، وستستمر مضايقات المسلمين وإغلاق المساجد ومضايقة الأئمة وتهديد قادة المسلمين واختطافهم، رغم تشديد  «د. رياك مشار» نائب سلفاكير، على حماية المسلمين وحقوقهم في الجنوب.

الرابط المختصر :