العنوان في المنتدى الفكري: ما حكم ترشيح المرأة نفسها للولاية العظمى؟
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 01-نوفمبر-1988
مشاهدات 57
نشر في العدد 889
نشر في الصفحة 24
الثلاثاء 01-نوفمبر-1988
مع اقتراب موعد الانتخابات الباكستانية طرحنا في العدد الماضي رأي بعض علماء الأزهر في قضية ترشيح المرأة نفسها للولاية العظمى وفي هذا العدد نكمل طرح الموضوع ذاته على بعض العلماء وأصحاب الفكر في وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية وهم:
1- الأستاذ حسن مناع رئيس تحرير مجلة الوعي الإسلامي.
2- الدكتور محمد عبد الغفار الشريف الخبير بالموسوعة الفقهية وخطيب مسجد الدولة الكبير.
3- الدكتور عيسى زكي الخبير بالموسوعة الفقهية.
حول هذا الموضوع أجاب فضيلة الشيخ حسن مناع قائلًا: بما لا شكَّ فيه أن الإسلام أنصف المرأة إنصافًا لم يخطر لها على بال، وأنقذها مما كانت تعانيه من إذلال في عهد الإغريق والرومان، ومما كان موروثًا عن اليهود الذين كانوا يعتبرون المرأة لعنة لأنها أغوت آدم وأنها أمرّ من الموت، وأن الصالح أمام الله ينجو منها...، كما كانت نظرة المسيحيين للمرأة أبلغ تنفيرًا منها وأشد قسوة عليها، قال القديس «سوستام»: إنها شر لا بد منه، وآفة مرغوب فيها، وخطر على الأسرة والبيت ومصيبة مطلية مموهة، وفي الجاهلية كانت المرأة العربية كسيرة الجناح، مسلوبة الأهلية، بل كانت تعد من سقط المتاع، حتى جاء الإسلام يهدي الحيارى ويحمي المستضعفين، فوضع للناس ميزان الحق والعدل، وبالتالي أعطى المرأة حقوقها كاملة غير منقوصة، ورد إليها إنسانيتها واعترف بأهليتها ومكانتها في المجتمع الجديد، وصانها من إهانات لحقت بها عبر التاريخ، كرمها الإسلام أمًا وأختًا، وبنتًا ورفيقة زوج ومديرة بيت وصانعة أبطال بما تعلمت من قيم الإسلام ومثله الفاضلة، كما ألزمها بآداب تحمي شرفها وتصون أنوثتها من أي استغلال ولقد أشار القرآن الكريم في كثير من آياته إلى حقوق المرأة وتنوعها، فقرر لها حق التملك وأعطاها حرية التصرف، وجعل لها شأنًا في الحياة الاجتماعية العامة كما جعلها مساوية للرجل في العيادة، وكثير من الحقوق كما سارت السنة في جو القرآن تدعو بدعوته إلى إكرام المرأة في كل أطوار حياتها، وتولى العلماء والفقهاء تفصيل حقوق المرأة وواجباتها في كل عصر ومصر، آخذين في الاعتبار قوامة الرجل على المرأة بحكم أسبقيته في الخلق على ما يفيده الترتيب بلفظ «ثم» في قوله تعالى: ﴿خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ (الزمر: 6) وبحكم أنها منه تكون نسبته إليها كنسبة الكل إلى الجزء في القوة والكمال كما أشار القرآن الكريم إلى ذلك بقول الله تعالى: ﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ (البقرة:228) وبين ذلك قوله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ (النساء:34) فقوامة الرجل على المرأة تقوم على أمرين أحدهما ذاتي وهو التكوين الخلقي من قوة الجسم والعقل، وذلك بالنسبة لمجموع الرجال والنساء وإن كان هناك أفراد لا ينطبق عليهم هذا الحكم، ثانيهما عرضي وهو ما يلتزم الرجل تجاه المرأة من صداق ونفقة مشروعة، ولو كانت تنعم بالثراء، ومع هذا التفاوت الذاتي فقد ساوى الإسلام بين الرجل والمرأة في كثير من الحقوق وجعل النساء شقائق الرجال ولم يميز الرجل دونها إلا في أمور لا تناسب طبيعتها، ومن هنا تحدث الفقهاء عن تولي المرأة القضاء، فمن رأى أن القضاء نوع من الولاية العامة منعها من ذلك ومن رأى منهم أنه ليس من باب الولاية العامة أباح لها ذلك فيما تجوز شهادتها فيه كالقضاء في الأموال وإلى هذا ذهب أبو حنيفة.
ومع هذا فقد أجمعوا على منعها من الولاية العامة يقول رسول الله -صلى الله عليه وسلم: لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة. رواه البخاري عن أبي بكرة.
وهذا ما جرى عليه العمل في أيام الصحابة والتابعين الذين يحتج بعملهم وعلمهم فلم يثبت أن المرأة في صدر الإسلام اشتركت في شؤون الدولة، وعقب وفاة الرسول -صلى الله عليه وسلم- اجتمع المهاجرون والأنصار في سقيفة بني ساعدة لاختيار خليفة من بينهم، واختاروا فعلًا أبا بكر رضي الله عنه خليفة للمسلمين ولم يكن بين المجتمعين في السقيفة امرأة قط، كما لم يثبت أن الخلفاء بعد ذلك استشاروا النساء في قضاء الدولة، والتاريخ الإسلامي يؤكد أن إدارة شؤون الدولة وسياستها وعقد المعاهدات والتخطيط للمعارك كان للرجال دون النساء، على أن هناك من المواقع الشرعية والاجتماعية ما يحول بين المرأة وبين ممارستها لهذا الحق.
إذ إن الولاية العامة تؤدي إلى اختلاط المرأة بالأجانب كما تؤدي طبيعة هذه الوظيفة أحيانًا إلى الخلوة بالأجنبي وهذا أمر محرم شرعًا ولو كانت محجبة، هذا عدا ما يحملها على أن تترك بيتها أكثر النهار والليل والسفر أحيانًا إلى مؤتمرات خاصة بالرؤساء أو السفر مع غير محرم إلى بلاد أجنبية وأي مصلحة تعود على الأمة في تولي المرأة منصب الرئاسة؟ ما دام في الرجال القدرة والكفاءة على تولي شؤون الأمة فلا ضرورة تستدعي مزاحمة النساء للرجال وخاصة في هذا المجال. إن الدعوة إلى تمرد المرأة على آداب الإسلام من ورائها تخطيط حاقد على الأمة وتقاليدها الأصيلة ومما لا شكَّ فيه أن اشتغال المرأة بالسياسة تجربة فشلت في الغرب وأكد فشلها استفتاء جرى في سويسرا وهي من أرقى بلاد العالم وجاء أصوات ٩٥% فيهن تؤيد رفض الاشتغال بالسياسة! ولما مثلت إحدى المشتغلات بالأدب عن رأيها في اشتغال المرأة بالسياسة قالت: أرى أن المرأة خلقت لا لتعمل في السياسة بل لتصنع رجالًا يعملون في السياسة وصدق الله العظيم: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَىٰ﴾ (الأحزاب -33).
أما الدكتور عيسى زكي فقال:
لا بُدَّ من النظر إلى قضية الدعوة إلى تولي المرأة المناصب العامة ومنها منصب رئاسة الدولة، لا بد من النظر إليها على أنها استجابة للدعوة إلى مساواة المرأة بالرجل كنتيجة من نتائج تحرير المرأة وكثير من القضايا المستجدة التي طرحت في ساحة المجتمعات المسلمة لا يمكن فهم حقيقتها إلا بعد إرجاعها إلى أصولها الفكرية والتاريخية، فالمسألة ابتداءً ليست احتياجا فعليًا لتولي المرأة منصب الرئاسة نظرًا لإمكاناتها الخاصة أو قدراتها المتميزة وإنما هي استجابة لدعوة مساواة المرأة بالرجل ليس إلا.
ونحن ننظر إلى هذه المسألة ابتداء على أنها تقسيم لشركة الحياة بين جنس الوجود الذكورة والأنوثة. ومن يملك حق القسمة إلا الخالق الذي يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير.
لقد أعطى سبحانه وتعالى جنس الرجل القوامة على جنس المرأة ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ (النساء:43)، ولكن ما هي حدود هذا التفضيل الذي عللت به القوامة هل هو غلبة العقل على العاطفة عند الرجل أم هو القدرة الجسدية على مواجهة الأعباء وتحمل الشدائد وأيًا كان الأمر فإلى أن ندرك حقيقة هذا التفضيل تبقى القوامة من حق الرجل، الذي حملته الشريعة -كنتيجة لهذه القوامة- حملته أعباء ومسؤولية الإنفاق وهو الشق الآخر من أسباب القوامة.
وإن كانت القوامة على أسرة صغيرة مكونة من زوج وزوجة وأبناء لم تعط للمرأة فمن باب أولى ألا تعطى القوامة على الولايات العامة والخاصة..
ويدل لهذا الأصل قوله -صلى الله عليه وسلم: «ما أفلح قوم ولوا أمرهم امرأة» تعليقًا على تولي ابنة كسرى الحكم في بلادها.
وهي حقيقة هامة لا تختص بالمسلمين فقط بل إن لفظ قوم جاء نكرة في سياق النفي يعم أي قوم سلبوا الرجال حق القوامة على الرئاسة فحكم عليهم بعدم الفلاح، الذي يفهم منه عدم النجاح والاستقرار في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
ولا معنى أن تتولى المرأة رئاسة الدولة وتعطى من الصلاحيات الشيء الكثير وقد تملك القرار في أخطر قضايا الدولة وهي في الوقت نفسه تعتمد على استشاريين أو معاونين من الرجال كما في حكومة تاتشر وأكينو وغاندي من قبلهما.
وأجاب الدكتور محمد عبد الغفار الشريف:
كرم الله تعالى المرأة في كتابه الكريم وأسمى سورة كاملة باسم سورة النساء، ومن تكريم الله تعالى للمرأة أن بنى أمرها على الصيانة والعفاف، قال تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَىٰ﴾ (الأحزاب-33) وأعطاها نوعًا من السلطة التي تناسب طبيعة تكوينها النفسي والجسدي وهي ما يمكن أن نسميه برئاسة الوزارة في بيتها، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- «والمرأة راعية في بيت زوجها وهي مسؤولة عن رعيتها» فجنة المرأة في بيتها، ووظيفتها الأساسية إعداد جيل صالح من الأبناء يقوم ببناء مدرسة صالحة.
أما أن تخرج المرأة عن طبيعتها، وتقوم بما لا يناسب فطرتها من العمل، وتزاحم الرجال في اختصاصاتهم فهذا ما لا يرضاه الإسلام، لذا لم يجز الإسلام للمرأة تولي رئاسة الدولة أو رئاسة الوزارة أو رئاسة أي عمل يختص بالرجال، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم عندما ولت فارس أمرها لابنة كسرى «ما أفلح قوم ولوا أمرهم امرأة» والله أعلم.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل