العنوان هـل المـرأة وحدها تعاني؟!.. السبب والعلاج
الكاتب محمد السيد
تاريخ النشر الثلاثاء 11-يوليو-2000
مشاهدات 66
نشر في العدد 1408
نشر في الصفحة 42
الثلاثاء 11-يوليو-2000
▪ المرأة في الغرب غرقت في حريتها الشخصية.. فقدت عش الزوجية وهجرت الحياة الأسرية وما زالت مظلومة!
▪ الإسلام جعل التعدد حلًا للمشكلات وليس إهانة للمرأة
هل يريد دعاة المساواة للمرأة والرجل أن تسلك المرأة المسلمة العربية مسلك المرأة الغربية؟ وهل ينظرون ويرون النتائج التي تضخها وسائل الإعلام يوميًا من هناك، كما تضخ معها صيحات الإنذار ودعوات العودة عن الغي، التي تبدو مع كثرتها خافتة وسط الضجيج الشيطاني، الذي يهيمن على الساحة الغربية بعامة، والذي يبدو أنه يريد لهذه المسيرة أن تصل إلى منتهاها المحتوم، وهو ذبول حضارة الغرب، ليقوم اليهود بقطف الثمرة، إذ خططوا وعملوا للوصول إلى الصورة الحالية ونفخوا في توابعهم، ودعموا ونشروا أفكار علمائهم وفلاسفتهم الذين قعدوا لمثل تلك النتائج.
إننا إزاء ذلك لا يمكن أن ننظر إلى دعاة المساواة المتغربين الحائزين على مكان الصدارة والتحكم في عالمنا إلا بإحدى نظريتين اثنتين:
- فهم إما أن يكونوا بسطاء وسذجًا إلى الدرجة التي تجعلهم يدعون بدعوة الفوضى تلك، مع رؤية وسماع نتائجها الشائنة المدمرة، وهذا هو عين الغباء والانغماس التام بالجهل المطبق.
- وإما أن يكونوا أصحاب نوايا محسوبة وخلفيات مدفوعة، يعرفون طريقهم، ويعون النتائج، وهذا هو الذي نرجحه حيث لا يزيد وضع هؤلاء عن كونهم خدمًا مضبوعين ومبهورين بفكر الباطل والزيف.
- المرأة عندنا متخلفة؟ نعم قد يكون ذلك واقعًا جزئيًا وليس معممًا، المرأة عندنا مهضومة؟ الحقوق؟
نعم فإنه في مجتمعات ابتعدت بصورة أو أخرى عن هدي الإسلام لا بد أن يحدث مثل ذلك.
ولكن هل هي وحدها التي تعاني من ذلك؟
والرجل ما شأنه؟ إنه أيضًا متخلف في عديد من مجالات الحياة.
إنه أيضًا مهضوم الحقوق في كثير من الصور.
إنه أيضًا مهمش سياسيًا في معظم الأحيان.
وإذن أين يكمن السبب في وضع المرأة ووضع الرجل معًا، بل قل في أوضاعنا عامة؟
وكيف يكون العلاج بعيدًا عن مصادمة الفطرة ومخالفة السنن.
1- السبب:
- هو هذا القهر السياسي، الذي يغطي معظم الساحة العربية والإسلامية ويرزح تحت نيره كل من الرجل والمرأة على حد سواء، منقادين لعواصف المحنة التي تسيء إلى الكيانات الاجتماعية القائمة.
- وأيضًا القهر الاجتماعي الجاهل الواسع العريض الذي يفرض الالتزام بالعادات والموروثات، التي حلت في كثير من الأحيان محل الأحكام الشرعية، وجعلت العلاقة بين الرجل والمرأة غير عادلة.
- ولا ننسى القهر الاقتصادي، الذي يعمم الفقر على الرجل والمرأة، ويجعلهما في ضائقة خانقة، وفي درك خفيض من التعليم والثقافة والفهم وإدراك الوضع المستقيم لكل منهما.
وتلك الأسباب مجتمعة مع تفوق الغرب في النماء والعلم والتكنولوجيا والقوة، جعلت الكثيرين ينظرون إليه على أنه القدوة في كل شيء، انبهرت أبصارهم به وانهزمت عقولهم وقلوبهم أمامه فراحوا كالببغاوات يتبعون خطواته أينما اتجهت، وحيثما حلت.
ولو أن الجميع التفتوا حولهم، لوجدوا الإسلام قد أرسى دعائم علاقة المرأة بالرجل على قواعد العدل والتوازن منذ أربعة عشر قرنًا، ونقول العدل لأن العدل غير المساواة المطلقة، فالمساواة المطلقة كما قلنا عدوة الفطرة وهادمة الاستقامة، بينما العدل هو الذي يضع الموازين القسط لكل شيء، ولكل علاقة فيعطي كل ذي حق حقه، حسب فطرته وأهليته ووظيفته التي وجد من أجلها ﴿قَالَ رَبُّنَا ٱلَّذِىٓ أَعْطَىٰ كُلَّ شَىْءٍ خَلْقَهُۥ ثُمَّ هَدَىٰ﴾ (سورة طه: 50).
2- العلاج ما هو؟
ليست مشكلة المرأة عندنا في حجابها، ولا في حياتها، ولا في قضية عملها، ولا في قضية التزامها ببيتها وزوجها وأولادها.. إن مشكلة المرأة ومشكلة المجتمع بعامة عندنا، تتلخص بأنه من الضروري أن يتنور كل من الرجل والمرأة، وأن يتعلما، وينفذا قواعد الإسلام، وعندئذ يستطيع المجتمع المؤلف من الرجل والمرأة تحديد ما يريد بناءً على بصيرة ونور من هدي رب العالمين.
فإذا حدث ذلك فحينئذ يرى القريب والبعيد:
- أن المرأة في الغرب رغم أنها أغرقت في حريتها الشخصية فهي لا تزال تعيش في دياجير ظلم الرجل، وظلم المجتمع لها، بطرق قد تختلف عن طرق ظلمها عندنا، فهي: تضرب من الرجل، وتهان في منزلها بنسب تفوق إهانتها عندنا.
- وهي فوق ذلك فقدت عش الزوجية الهادئ والأسرة الحميمة والاحترام في الكبر من قبل أبنائها، وهي حتى الآن لم تحصل على المساواة مع الرجل في الأجور، رغم أنها تقوم بأعمال الرجل نفسها، وهذا ما تنبئنا به الأخبار القادمة من الغرب في أيامنا هذه.
- وهي لا تزال مظلومة، إذ إن عملها خارج منزلها لم يعد من باب الهواية أو من باب دعم اقتصاد الأسرة، بل من باب أنه يجب عليها العمل لتكفي نفسها، فالمساواة المطلقة جعلت الرجل غير ملزم بالإنفاق عليها، ومع ذلك فإنه مطلوب منها القيام بعمل المنزل إذا كان لها أسرة، وهي بهذا تعمل ضعف عمل الرجل، لكنها لا تحصل إلا أقل ما يساوي أجرة الرجل من عمله الواحد، فأين ذلك من وضع المرأة في الإسلام؟
▪ مشاركة في الحياة السياسية
- إن عائشة- رضي الله عنها- التي اشتركت في الحياة العامة والسياسية، وروت الحديث والعلم، كانت تفعل ذلك وهي تكلم الرجال من وراء حجاب، ولا تزاحمهم في الشوارع والأسواق، لكن ذلك لم يعقها عن إتمام مهماتها بجدارة.
- إن المرأة التي قالت لعمر- رضي الله عنه- عندما أراد أن يجعل المهر المرأة حدًا: كيف تفعل ذلك والله تعالى يقول: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾ (سورة النساء: 20).
لم تكن إلا امرأة مسلمة محجبة وحيية، ولم تكن رئيسة جمعية نسائية، ولا مطالبة بالحقوق، ولا داعية اختلاط أو تبرج وانفلات، بل كانت تمارس حقها السياسي والاجتماعي، كما أراده الإسلام، لذا كان رد عمر عليها: «أصابت امرأة وأخطأ عمر».
وكان هذا الموقف السليم من المرأة ومن الرجل عمر- رضي الله عنه- لأنهما فهما دينهما، وتنورا به وتدبرا مقاصده وغاياته، وقاما على تنفيذه تنفيذًا صائبًا.
يذكر ابن سعد في الطبقات الكبرى: إن نيفًا وسبعمائة امرأة روين عن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وروى عنهن رجال كثيرون، وكن عجبًا من ناحية الصدق والأمانة، حتى قال الذهبي: «وما علمت من النساء من اتهمت ولا تركوها» (ميزان الاعتدال جزء 4 ص 604).
إن وضع المرأة في الإسلام- لو وعيناه وتدبرناه وطبقناه - يجعلها كاملة الحقوق والمهمات، فهي مساوية للرجل في التكاليف- إلا ما روعي فيه فطرتها ووظيفتها- وفي الثواب والعقاب، وهي مساوية له في حقوقها المالية والاقتصادية ومتابعة هذه الحقوق والمقاضاة بشأنها، والتصرف بها بحرية تامة دون الخضوع لأحد، وهي مساوية له في إبداء الرأي، وقد روينا من قبل أمثلة على حرية المرأة في مثل هذه الأعمال.
وبعد هذا كله فما الذي بقي من مساواة يريدها «دعاة الحرية» للمرأة؟ إنهم يتبجحون ببضع قضايا جعلها الإسلام مناط العدل الذي لا تستقيم الحياة الاجتماعية بدونه، وهي القوامة والشهادة، والميراث.. وتعدد الزوجات.
ففي باب القوامة، نقول: إنها من باب توزيع الاختصاص في إدارة الشركة العائلية لا أكثر ولا أقل، حيث لا بد لكل مؤسسة من مدير يشرف على شؤونها، والرجل هنا هو المدير بحكم أمور كثيرة.
أما بالنسبة للشهادة، فإن الاختصاص يقضي بتوثيق شهادة المرأة الواحدة وذلك بدعمها بشهادة امرأة ثانية في الأمور التي تكون المرأة في غالب الأحوال بعيدة عن حدوثها، وبالتالي فهي بعيدة عن مشاهدتها ورؤيتها كالأمور الجنائية والاقتصادية، بينما الأمور التي تكون المرأة في الغالب قريبة منها فإن شهادة امرأة واحدة مقبولة فيها مثل قضايا النساء الخاصة، فالقضية هنا ليست قضية انتقاص للمرأة، بل قضية توثيق واحتياط لحفظ الحقوق.
وأما قضية الميراث، إذ تأخذ المرأة نصف حصة الرجل منه فإن في ذلك العدل كل العدل، وليس في ذلك انتقاص أبدًا من قيمة المرأة أو مكانتها، بل إنه مقابل تحمل الرجل لنفقة الزوجة والأولاد، ومقابل تحمله تكاليف الزواج وأعباءً اقتصادية أخرى كثيرة قضت بها الشريعة، مثل الإنفاق على بعض الأقارب إن كانوا فقراء، أو قضت بها طبيعة الأشياء والأصول الاجتماعية بصورة عامة، إنه مقابل ذلك كله فقد رتبت الشريعة الإسلامية له ضعف حصة المرأة التي لم يحملها الإسلام شيئًا، مما ذكرناه من الأعباء، وهكذا فالغنم بالغرم.
وأما موضوع تعدد الزوجات الذي كثر الكلام فيه ولجت الألسنة المغرضة وغير المغرضة بشأنه، فإن الإسلام جعله حلًا وليس إهانة أو استهتارًا بكرامة المرأة، كما يحاول البعض تصوير الأمر، وكم من مرة وجدت الدول نفسها أمام معضلة، تتمثل في قلة الرجال وكثرة النساء نتيجة حرب أو غيرها، وهي في هذه الحالة أمام أحد خيارين: إما أن تجعل من التعدد أمرًا منظمًا ومصونًا ومقننًا، أو أن تتركه بغاءً مستترًا، تترتب عليه نتائج خطيرة في الأنساب والتربية والمواريث وزعزعة الأنسال وتفريخ الجيوب الإجرامية الفاسدة في المجتمعات.
والمرأة التي تحارب فكرة التعدد انطلاقًا من الغيرة وتحت شعار احترام حقوقها، قد تجعل نفسها نتيجة لظروف حياة العصر عانسًا، فهي إما أن تكون الثانية مع تحمل بعض الضيق والغيرة، وإما أن تفقد الفرصة في أن تكون أمًا إلى الأبد، وهو الشيء الرهيب الذي تكرهه، ولا ترغب في أن يكون.
إن ممارسة بعض الرجال الخاطئة في استعمال حقه في التعدد لا يمكن أن تجعلنا ندير الظهر لتشريع عظيم من الخالق العظيم، هو أدرى بما يصلح المجتمع المخلوق، لأننا نكون بذلك قد فعلنا فعلة الدب الذي أراد أن يطرد الذباب عن وجه حليلته النائمة شفقة عليها من إزعاج صوت الذبابة فأتی بحجر كبير، هوی به على الذبابة التي حطت على جبين زوجه، فسحق جمجمتها، ثم جلس يندب حظه العاثر.
▪ خلفيات دعوة المساواة
ومن أجل أن تكون أصول دعوة المساواة المطلقة واضحة وغير خفية، ومن أجل أن تتوضح سلسلة المطالب المترتبة على هذه الدعوة حتى النهاية.
نشير إلى المقال الذي كتبه شكيب أرسلان ونشرته المنار «1925م»، فيشرح فيه أهداف دعاة الحرية والمساواة المطلقة بين المرأة والرجل فيقول: وعند إعلان الدستور العثماني سنة 1908م قال أحمد رضا بك من زعماء أحرار الترك: «ما دام الرجل التركي لا يقدر أن يمشي علنًا مع المرأة التركية على جسر غلطة، وهي سافرة الوجه، فلا أعد في تركيا دستورًا ولا حرية».
«فأنت ترى أن المسألة ليست منحصرة في السفور ولا هي بمجرد حرية المرأة المسلمة في الذهاب والمجيء كيفما تشاء، بل هناك سلسلة طويلة حلقاتها، متصل بعضها ببعض، لا بد أن ينظر الإنسان إليها كلها من أولها إلى آخرها، فإذا كان ممن يرى حرية المرأة المطلقة، فعليه أن يقبلها بحذافيرها، أما أن نجمع بين حرية المرأة وعدم حريتها، وأن نطلق لها الأمر تذهب حيث أرادت وتضاحك من أرادت وتغمز من أرادت، ثم إذا صبا لها رجل من غير جنسها، فذهبت وساكنته وكان بينها وبينه ما يكون بين الرجل وزوجته، أقمنا القيامة ودعونا بالمسدس وقلنا يا للحمية يا للأنفة يا للغيرة على العرض فهذا لا يكون، وليس من العدل ولا من المنطق أن يكون».
«والنتيجة التي نريدها قد حصلت وهي أن سلوكنا مسلك الأوروبيين حذو القذة بالقذة في هذه المسألة له توابع ولوازم لا بد أن نقبلها، ولا يبقى معها محل لكلمة أعوذ بالله، بل تلك مدنية وهذه مدنية، فعلينا أن نختار إحدى المدنيتين أو إحدى النظريتين، مهما استتبعت من الأمور التي كان يقال في مثلها عندنا أعوذ بالله»، وهكذا فقد حدد الأستاذ شكيب الأمر بالاختيار بين مدنيتين، أما الخلط الذي يبدأ به دعاة الحرية المطلقة دعوتهم فهو الاستدراج الذي لا بد أن يصل إلى نهاياته المأساوية التي بدأ الغربيون أنفسهم في التعامل من سوء ما قادتهم إليه أيديهم.
(*) كاتب سوري
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل