; ما قبل الجاهلية | مجلة المجتمع

العنوان ما قبل الجاهلية

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر السبت 03-فبراير-2007

مشاهدات 64

نشر في العدد 1737

نشر في الصفحة 41

السبت 03-فبراير-2007

هناك أمم تعيش عصرها الزاهر، وأخرى تعيش واقعها البائس، وترجع به إلى ما قبل الجاهلية بزمان سحيق، من فوضى وتأخر، ونفسية بئيسة، وأحوال مزرية، ومرد ذلك إلى نفوسهم، وإلى تصرفاتهم وصدق الله: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوۡمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمۡۗ وَإِذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ بِقَوۡمٖ سُوٓءٗا فَلَا مَرَدَّ لَهُۥۚ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِۦ مِن وَالٍ﴾ (الرعد:١١).

فمرد التغيير من الأفضل إلى الأدنى، والتغيير من الأدنى إلى الأعلى هو الإنسان نفسه، فكراً، وعملاً، وسلوكاً، وقد هيأ الله له كل شيء وأرشده إلى الصراط المستقيم والطريق القويم، ودعاه إليه، فمن الأمم من استجاب منها من تنكب: ﴿ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱسۡتَجِيبُواْ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمۡ لِمَا يُحۡيِيكُمۡۖ﴾ (الأنفال:٢٤) فمن استجاب وأحسن عاش عيشة راضية، ومن أعرض وتولى عاش عيشة سنكًا.

وإذا تصفحنا واقعنا المعاصر وجدنا الصنفين: صنفاً احترم نفسه وارتقى بأمته واحترم شعبه، وهنا بالعدالة والحرية والاحترام فاز وارتقى، واستطاع أن يخرج إبداعات أمته الى الوجود ففاز بالحسنى وظفر بالفلاح، صنفاً آخر ارتكس في كل شيء فهوى !! وإذا أحببنا أن نبرهن على ذلك لم يعوزنا الدليل.

أذاعت الإذاعة البريطانية BBC يوم٢/١/٢٠٠٧م، نبأ اعتذار رئيس وزراء كندا لمواطن كندي عما أصابه من ضرر جراء اعتقاله، قالت تحت عنوان :۹ ملايين دولار.. تعويضات كندية لمهندس رحل إلى سورية.

اعتذرت كندا ووافقت على تقديم تعويضات قيمة نحو ٩ ملايين دولار إلى مواطن كندي من أصل سوري بعدما اتهمته السلطات الكندية - عن الطريق الخطأ - بأنه متشدد إسلامي وهو ما دفع الولايات المتحدة لإبعاده إلى سورية، حيث سُجن، وتردد أنه تعرض للتعذيب.

واعُتقل ماهر عرار وهو مهندس كمبيوتر في الولايات المتحدة عام ٢٠٠٢م خلال عودته إلى كندا من تونس.

وقال عرار: إنه تعرض للتعذيب بشكل متكرر خلال العام الذي قضاه في السجون السورية، وتنفي سورية تعرضه للتعذيب.

وخلص تحقيق أجرته الحكومة الكندية إلى تبرئة عرار من أي تورط في الإرهاب.

وقال وزير الخارجية الكندي هاربر: إن عرار سوف يتلقى ۸٫۹ ملايين دولار تعويضاً عما لحق به، وحض الولايات المتحدة على إسقاط اسمه من لائحة المتهمين بالإرهاب.

وجاء في رسالة اعتذار وجهها هاربر إلى عرار بالنيابة عن الحكومة الكندية: «أرغب في أن أعتذر لك ولزوجتك وعائلتك عن أي دور قد يكون المسؤولون الكنديون لعبوه في المحنة الرهيبة التي تعرضتم لها جميعاً في العامين ۲۰۰۲ م و ۲۰۰۳م».

وبالإضافة إلى التعويض المالي، وافقت الحكومة الكندية على دفع مليون دولار كندي مصاريف قضائية.

وقال عرار: «إن بيان هاربر يعني له الكثير». وأضاف: «اعترفت الحكومة الكندية ورئيس الوزراء ببراءتي، إنه أمر لا يوصف لي ولعائلتي». هذا سمات حكم عدالة وإنصاف، واعتراف بالخطأ وتعويض عن الضرر وبراءة ورد اعتبار للشخص ولعائلته، ترى بعد ذلك هل يكره إنسان بلده أو يهاجر منها، أو يقصر في تنميتها والدفاع عنها ؟

أما الصنف المرتكس فإنه يعيش فيما قبل الجاهلية وفي جنبات الهمجية، ويرتكس في الدونية والفوضوية، ودعامة الحكم فيه ترتكز على ما تتطلبه هذه المواصفات من:

١. تزييف الوعي السياسي، والاستخفاف بعقول الأمة عموماً والصفوة خصوصاً. ٢. اعتماد النظام على الفرعونية السياسية، فالزعيم الفرد هو المفكر للأمة وهو المنفذ: ﴿مَآ أُرِيكُمۡ إِلَّا مَآ أَرَىٰ وَمَآ أَهۡدِيكُمۡ إِلَّا سَبِيلَ ٱلرَّشَادِ﴾(غافر:٢٩)، والاعتماد في الحكم لا يرتكز على القانون أو العدالة ومصلحة الأمة، وإنما يعتمد على شيئين: جهاز الأمن لحماية أمن الحاكم والنظام وتعقب المعارضين وكتابة التقارير السرية وتدبير المؤامرات، ثانيا: اعتماد النظام على المنافقين والمفسدين، والمنتفعين.

٣. إفراغ السلطات المختلفة في الدولة من محتواها الحقيقي، ومحاولة إجبارها على الدوران في فلك النظام، مثل تدجين القضاء، وتشريد الكتاب والصحفيين، ونقلهم إلى أعمال إدارية، واختراع أنظمة بديلة مثل الأحكام الاستثنائية، ومحاكم أمن الدولة، والمحاكم العسكرية.

٤. اصطناع الدعم والتأييد الشعبي، ومحاولة قسر الشعب على إظهار الولاء والتأييد، وتزييف الاقتراعات والاستفتاءات حتى لا تقل النسبة عن ٩٩٪... إلخ المآسي المعروفة.

الحصاد المر

وهذا وغيره يأتي بالحصاد المر، الذي يحطم الأمم ويتلخص فيما يلي:

١. تفريغ الأمة من الطاقات، بالاعتقالات والسجون والمحاكمات الهزلية، دون ذنب أو جريرة.

٢. تحريم السياسة على الفاعلين في الأمة، وإلغاء دور التيار الشريف والفاعل فيها، فأصيبت الأمة بالعقم السياسي والاجتماعي والاقتصادي.

٣. انتشار الفساد والرشوة والمحسوبية ونهب المال العام، وتفشي ذلك في الإدارات المختلفة في الدولة، وخاصة العليا منها.

٤. تدني الخدمات الصحية، فلا عناية بالمرضى، ولا بالصرف الصحي، ولا بمياه الشرب، وتلاشي الخدمات الاجتماعية، وأخيراً لا يملك الناس إلا أن يقولوا مع القائل:

«يا بلدنا يا عجيبة فيكي حاجة محيراني.. نزرع القمح في سنين يطلع القرع في ثواني »! «فيكي حاجة محيراني»: كيف تتهم سلطات بنيها المخلصين وتزج بهم في السجون بدون ذنب أو جريرة إلا أنهم مخلصون عاملون أطهار يريدون لبلدهم الفوز والاستقرار؟!

أقول: هل نعيش عصرنا ونرضي ربنا ونحفظ بلدنا ونعرف شريفنا ، ونصون مبدعنا، ونرد الظلم والبغي عن البريء منا؟! وإن كنا سنعتذر عن أشياء كثيرة يبكي الجميع منها دماً، ويخرج الحليم منها حيران، ولكن هذا هو الطريق، وإلا سنظل فيما قبل الجاهلية الأولى... نسأل الله السلامة.. آمين.

الرابط المختصر :