; ما يجوز الخلاف فيه.. وما لا يجوز | مجلة المجتمع

العنوان ما يجوز الخلاف فيه.. وما لا يجوز

الكاتب محمد سلامة جبر

تاريخ النشر الثلاثاء 05-ديسمبر-1972

مشاهدات 476

نشر في العدد 128

نشر في الصفحة 12

الثلاثاء 05-ديسمبر-1972

إلام ندعو... وكيف؟

ما يجوز الخلاف فيه.. وما لا يجوز

بقلم: الأستاذ محمد سلامة جبر

قال علماؤنا:

«الفقه هو العلم بالأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية»

ولست بسبيل شرح هذا التعريف، فمكانه علم الأصول، وإنما غرضي بيان الأدلة الشرعية.

«الأدلة الشرعية»

الأدلة الشرعية التي تثبت بها الأحكام ثلاثة: هي، الكتاب، السنة، الإجماع.

أما القياس فمظهر للحكم لا مثبت.

يعني أنه بالقياس يظهر أن حكم الأصل ثابت للفرع ابتداء وأن هذا الحكم مراد للشارع أصلًا.

فحكمنا - مثلًا - بحرمة النبيذ قياسًا على الخمر بجامع علة الإسكار بينهما ليس إنشاء للحكم، بل الحكم ثابت أصلًا، وهو مراد للشارع ابتداء، غير أن الذي أظهر ذلك القياس.

فالقياس على هذا مظهر لا مثبت، والمعنى ما بينا.

«أقسام النص من حيث الثبوت والدلالة»

النص سواء كان كتابًا أو سنة:

أ - إما أن يكون قطعي الثبوت والدلالة.

ب - أو ظني الثبوت والدلالة.

جـ - أو قطعي الثبوت ظني الدلالة.

د - أو ظني الثبوت قطعي الدلالة.

فهذه أربعة أقسام.

والمراد بقطعية الثبوت ما لا تتطرق أدنى شبهة في كونه كلامًا لله تعالى أو لرسوله صلى الله عليه وسلم.

والمراد بقطعية الدلالة نفي احتمال التأويل أصلًا بمعنى أن دلالة النص من الوضوح بحيث تنتفي معها شبهة الصرف عن ظاهر معناه.

والمراد بالظنية، وجود مجرد الاحتمال.

غير أن الحكم يثبت بالدليل الظني، ويجب العمل به، إذ عامة أحكام الشرع من هذا الباب، وسيأتي بيان ذلك -إن شاء الله.

«الإجماع»

إذا اتفق المجتهدون من أمة محمد -صلى الله عليه وسلم- على حكم من الأحكام الشرعية وصرح كل منهم برأيه، فذلك الإجماع الصريح، وهو حجة قطعية.

أما إذا صرح البعض وسكت آخرون، فهل يعتبر سكوته إقرارًا أو يحتمل الإنكار؟

خلاف.. وهذا هو الإجماع السكوتي، وهو حجة ظنية.

ولا أريد أن أخوض في تفصيل ذلك، فمحله كتب الأصول، ولكن أردت أن أمهد لما قصدته من بيان «ما يجوز الخلاف فيه وما لا يجوز» لأهمية ذلك في طريق الدعوة، فكم من صادق خالف فيما لا يجوز خلافه، وغيور مخلص أسرف على من خالف فيما يجوز الخلاف فيه.

وإذا تقدم هذا أقول والله المستعان:

لا يجوز الخلاف فيما ثبت بدليل قطعي الثبوت والدلالة.

ويجوز الخلاف فيما عدا ذلك، بشرط أن يكون المخالف من أهل الاجتهاد والنظر، بريئًا من التعصب والهوى، سليمًا من التحكم والعمى.

فمثل هذا يعذر، ولا يجاب إلا بألين خطاب ولا يناظر إلا بالتي هي أحسن.

وكافة علمائنا الأعلام الذين خاضوا بحور الفقه والاستنباط واستخرجوا ثمين الدر والجوهر بأمر ربهم بالنظر في الآيات، هؤلاء جميعًا مهما اختلفت مذاهبهم، وتعددت مشاربهم، وتباينت طرائقهم، إلا أنهم على طريق الحق سائرون، وبنور ربهم يهتدون، ولسنة نبيهم يتبعون ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ. وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ

فهل فينا اليوم من بهؤلاء يقتدون؟؟

«تفصيل ما أجملت»

قلت:

النص سواء كان كتابًا أو سنة لا يخرج عن كونه واحدًا من الأقسام الأربعة الآتية: 

1-    قطعي الثبوت والدلالة.

2-    ظني الثبوت والدلالة 

3-    قطعي الثبوت ظني الدلالة.

4-    ظني الثبوت قطعي الدلالة.

فمثال ما كان قطعي الثبوت والدلالة قوله تعالى ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ (النساء: 23)

فهذه الآية الكريمة قطعية الثبوت؛ لأنها وصلت إلينا بالتواتر والتواتر يفيد القطع وهي كذلك قطعية الدلالة على معناها إذ إنها لا تحتمل أكثر من معنى واحد دل عليه النص دلالة واضحة لا شبهة فيها ألا وهو حرمة نكاح الأمهات والبنات والأخوات وسائر المحرمات المذكورات في الآية فمن خالف الحكم المستفاد من هذه الآية فقد كفر لأنه أنكر أمرًا معلومًا من الدين بالضرورة وخالف فيما لا يجوز الخلاف فيه.

أما مثال ما كان ظني الثبوت والدلالة في قوله صلى الله عليه وسلم: «من مس ذكره فليتوضأ» فهذا الحديث ظني الثبوت من حيث إنه غير متواتر أو هو حديث آحاد، وهو كذلك ظني الدلالة من حيث إن دلالته على المعنى المراد منه دلالة ظنية، فإنه -صلى الله عليه وسلم- لم يبين الذي يجب عليه الوضوء بمس ذكره، أهو الذي مسه بشهوة كما فهم الإمام مالك -رحمه الله- أم هو الذي مسه مطلقًا ولو بغير شهوة كما فهم الإمام الشافعي -رحمه الله؟

وهكذا يقع الخلاف تبعًا لعدم وضوح الدلالة أو لعدم قطعيتها.

ومثال ما كان ظني الثبوت قطعي الدلالة، قوله -صلى الله عليه وسلم: «الجهاد ماض إلى يوم القيامة»، فهذا الحديث ظني الثبوت من حيث إنه لم يحقق شرط التواتر، غير أنه قطعي الدلالة على معناه بلا خلاف.

ومثال ما كان قطعي الثبوت ظني الدلالة، قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ ۚ ( البقرة: 225 ).

 فهذه الآية قطعية الثبوت لأنها من القرآن، والقرآن كله متواتر ولا شبهة في ثبوت آية منه أو كلمة.

إلا أن دلالتها على معناها ظنية، فإنها أفادت أن عدة المطلقات «ثلاثة قروء» والقروء جمع «قرء» وهو لفظ مشترك بين «الطهر والحيض» ولم يرد ما يقطع الشبهة في تحديد المراد، ولم يبق إلا النظر والاجتهاد، فوقع الاختلاف، فقالت طائفة: عدة المطلقة ثلاث حيضات، وقال آخرون: بل ثلاثة أطهار، ولكل طهر دليل والله أعلم بالصواب.

وليس المراد بظنية الثبوت ضعف الرواية، بل ربما يكون الحديث في أعلى درجات الصحة ويوصف مع ذلك بظنية الثبوت من حيث إنه لم يحقق شرط التواتر، ويجب العمل به إذ إن احتمال وهم الصحابي أو الرواية الثقة في النقل احتمال بعيد.

أما الإجماع فجمهور الفقهاء يقولون بقطعيته إذا كان صريحًا ويحكمون بكفر منکره لرده أمرًا علم من الدين بالضرورة، وذلك كميراث الجدة الثابت بالإجماع المستند إلى السنة.

وقد يكون النص ظني الثبوت أو الدلالة، فينعقد الإجماع على ثبوته أو دلالته، فيكسبه بذلك القطعية، فمن خالف فيه بعد ذلك يلتحق بمن أنكر ما علم من الدين بالضرورة.

«حكم من خالف فيما لا يجوز الخلاف فيه»

من خالف فيما لا يجوز الخلاف فلا يخرج عن كونه واحدًا من اثنين:

۱ - مخالف متأول

2 - أو مخالف منكر.

أما المخالف المتأول فيرمى بالابتداع.

وأما المخالف المكذب فيرمى بالكفر والعياذ بالله.

والمراد بالأول، من صدق بالنصوص الواردة إلا أنه صرفها عن معناها الظاهر وأولها تأويلًا تحتمله اللغة، كالمعتزلة في تأويلهم آيات المشيئة في القرآن وسائر ما ورد مما يثبت خلق الله لأفعال العباد.

بينما إجماع أهل السنة على أن الله خالق لأفعال العباد.

والمراد بالمخالف المكذب من رد النصوص المتواترة أو أولها تأويلًا بعيدًا لا تحتمله اللغة ولا يفهم منه إلا التكذيب.

ومن هؤلاء «ابن سينا والفارابي» في نظر الإمام الغزالي -رحمه الله.

فقد قال في «المنقذ من الضلال» ما نصه:

«مجموع ما غلطوا فيه يرجع إلى عشرين أصلًا، يجب تكفيرهم في ثلاثة منها، وتبديعهم في سبعة عشر»

«ولإبطال مذهبهم في هذه المسائل العشرين صنفنا كتاب «التهافت».

«أما المسائل الثلاث فقد خالفوا فيها كافة المسلمين وذلك في قولهم:

إن الأجساد لا تحشر، وإنما المثاب والمعاقب هي الأرواح المجردة، والعقوبات روحانية لا جسمانية.

ولقد صدقوا في إثبات الروحانية فإنها كائنة أيضًا، ولقد كذبوا في إنكار الجسمانية، وكفروا بالشريعة فيما نطقوا به.

ومن ذلك قولهم:

إن الله تعالى يعلم الكليات دون الجزئيات، فهو أيضًا كفر صريح، بل الحق أنه (لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍۢ فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَلَا فِى ٱلْأَرْضِ)

ومن ذلك قولهم بقدم العالم وأزليته.

فلم يذهب أحد من المسلمين إلى شيء من هذه المسائل» انتهى بنصه.

غير أن هذا الحكم من الإمام الغزالي بتكفير ابن سينــا والفارابي ليس مسلمًا عند بعض علمائنا؛ فمنهم من حاول تبرئة الفيلسوفين عن القول بما نسبه إليهما الإمام الغزالي، كالشيخ محمد عبده -رحمه الله، ولأن يثبت أنهما أرادا فيما كتبا غير ما فهمه الإمام الغزالي أحب إلى كل مسلم، إذ لا مصلحة في تكفيرهما أو غيرهما، إلا أن يثبت ذلك بدليل لا شبهة فيه، فعند ذلك يتعين علينا الحكم بما حكم الله به ﴿وَلَا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ (النور: 2).

«حاصل ما تقدم»

وحاصل ما تقدم، أن الخلاف فيما لا يجوز الخلاف فيه ضلالة، وإن أقل درجاته الوقوع في البدعة، إلى أن ينتهي إلى الكفر والعياذ بالله، وكل ما اتفق عليه أهل السنة والجماعة بإجماعهم لا يجوز خلافه، وما وقع فيه الخلاف يجوز فيه الخلاف بلا نكير.

أما ما جد من وجوه المعاملات، وتعين بيانه من معالم طريق الدعوات، فالمرجع فيه الأصول الشرعية، فما كان قطعي الثبوت والدلالة منها لا يجوز خلافه، وما كان يجوز الخلاف فيه، بشرط أن يكون المختلفون من أهل النظر والاجتهاد، فمن توفرت فيهم صفات العلماء العاملين بعلمهم، وتحققت بهم خصال المؤمنين الذين هم على نور من ربهم.

أما من عدا هؤلاء من أهل الترجيح بين الأدلة فيتبعون ما تبين لهم أنه الحق بحسب ما يؤدي إليه الدليل دون تعصب أو هوى، والله أعلم بما في القلوب ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (الملك: 14)

 نسأله –سبحانه- الهداية لما اختلف من الحق بإذنه ونسأله العفو والعافية في الدنيا والآخرة.

والله حسبنا ونعم الوكيل.

والحمد لله رب العالمين

 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 105

114

الثلاثاء 20-يونيو-1972

نحو حياة دستورية مستقلة

نشر في العدد 323

96

الثلاثاء 02-نوفمبر-1976

لماذا كل هذا الهراء؟