; ما يُراد لنا وما نريده لأنفسنا | مجلة المجتمع

العنوان ما يُراد لنا وما نريده لأنفسنا

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر الثلاثاء 12-سبتمبر-2000

مشاهدات 70

نشر في العدد 1417

نشر في الصفحة 47

الثلاثاء 12-سبتمبر-2000

معالم على الطريق 

الذي أعرفه تمامًا أن أعداء الأمة العربية لم يمكنوا الدول العربية من التقارب بعضهم مع بعض، أو من التصافي والهدوء ونبذ العداوات، فضلًا عن الاتحاد أو التفكير السليم في شؤونهم الاجتماعية أو السياسية أو الاستراتيجية، وإذا أردنا الزيادة في الوضوح، فإن العرب أنفسهم لم يفكروا تفكيرًا جديًا في ذلك ولم يريدوه فعليًا أو نفسيًا، لأسباب كثيرة، منها غلبة المصالح الشخصية وعدم الوعي الكافي بالأخطار المحدقة بالأمة وعدم استغلال الطاقات القادرة في الأمة، بل لا أكون مبالغًا إذا قلت بل الرغبة في تهميشها وإزاحتها من طريق العمل الوطني والسياسي والإبداعي، ولهذا وقع العرب ضحية للصراعات العالمية، وصاروا سلعة تتبادلها القوى الخارجية التي تناوبتهم استعمارًا ومناطق نفوذ واستغلالًا للثروات.

وكان ينبغي أن يشعر العرب بما يصير إليه أمرهم وبما يدبر لهم، خاصة بعد أن توقع القراصنة بإعلانه، بل والخصومة عليه والمزايدة بشأنه بين الأوروبيين والأمريكان والذي ظهر جليًا في التوتر عبر الأطلنطي بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي الذي طالما عارض سياسة الأمريكان تجاه العراق وإيران المسماة بالاحتواء المزدوج.

فالأوروبيون كانوا يرون إيران تتحرك للأفضل، وكانوا يرون استمرار الحوار والتجارة مع طهران، ولهذا كان الأوروبيون لا يريدون الانخراط في ضغط الولايات المتحدة الأمريكية السياسي والعسكري على إيران وعلى الدول العربية مثل ليبيا والسودان والعراق، وغيرهم، وعندما فرضت الولايات المتحدة المقاطعة الكاملة على المنتجات الإيرانية عام ١٩٩٥م، وأقر الكونجرس الأمريكي عام ١٩٩٦م قانونًا يعاقب الشركات الأجنبية التي تستثمر في البترول الإيراني والليبي بلغت العلاقات الأوروبية الأمريكية أدنى معدلاتها في أكثر من عقدين، والتوتر بين الولايات المتحدة وأوروبا في الشرق الأوسط ليس ظاهرة جديدة لأن مصالح كل منهما متعارضة منذ الخمسينيات منذ بدأت الولايات المتحدة الأمريكية تحل محل بريطانيا وفرنسا كقوة خارجية مهيمنة على المنطقة، كما كان للمشكلة الفلسطينية اليهودية والحروب العربية الإسرائيلية، وكذلك الاجتياح الإسرائيلي للبنان ۱۹۸۲م وضرب الولايات المتحدة لليبيا ١٩٨٦م دور في تعميق الصراع بين تلك القوى المتنافسة على المصالح في الشرق العربي، ومحاولة الهيمنة الأمريكية التي أطلق عليها «الشرطي الجديد» وحرفها بعض الغربيين إلى الشرطي «الرديء» جلبت للولايات المتحدة عداوات مكتومة بين فرنسا وكثير من دول أوروبا، كما نبهت بعضًا من الدول الكبرى التي كانت غافية إلى التحفز والاستعداد دفاعًا عن نفسها ومصالحها الحيوية مثل الصين والهند ولهذا تحاول الولايات المتحدة أن تمنع دولًا كثيرة من فعل ما تريد حتى لا تستغل مكانتها الدولية ومن ثم تهدد الولايات المتحدة في مصالحها العالمية فأخذت بنظام الهيمنة للقطب الواحد فهيمنت على حلف الناتو، وهيمنت على الأمم المتحدة والمنظمات الدولية، وهيمنت على مقدرات الدول بدءًا بالغذاء والسلع الاستراتيجية وانتهاء بالسلاح والتقدم التقني والحربي، ولا نكون مبالغين إذا قلنا إن الكراهية والحقد المكبوت على أمريكا سينفجران يومًا، ولكن ماذا سيكون عليه الحال في أمتنا العربية، هل ستبحث عن مستعمر آخر وتظل تدور في فلك العمالة والاستعباد والقهر أم تفقه اللعبة السياسية وتعي الرؤية الواقعية لحال الدول والشعوب وتعمل وهي ثلث العالم تعدادًا أن تكون دولة عظمى من جديد؟

إن مقاومة صراعات الهيمنة ممكنة إذا فهم الإنسان المسلم أصول العمل السياسي، وكان منفتح البصر والبصيرة، نابه العقل سليم الطوية، مخلصًا لبلده وامته، ولقد استطاعت أمم كثيرة الإفلات من قبضة الدول الكبرى وهيمنتها واتجهت إلى البناء، والعمل والتقدم وامتلكت قرارها وإرادتها وطبقًا لتصريحات مسؤولين أمريكيين وأوروبيين كبار، فإن التشريعات الأمريكية بالعقوبات ضد الشركات الأوروبية التي تتعاون مع إيران لم تنفذ وتسببت في إشكالات بين أمريكا والدول الأوروبية واضطرت الولايات المتحدة الأمريكية إلى التخلي عن تلك العقوبات التي فرضتها ضد الشركات الأوروبية، وهو ما قاد إلى تحسن ملحوظ في العلاقات بينهما. 

إذن فهناك موازنات يحرص الجميع على بقائها سليمة بدون تمزق من استطاع أن يعرف تلك التوازنات يتفادى كثيرًا من الصدمات والإخفاقات، أما إذا ظلت أمتنا بلهاء خرقاء فإنها لا يحسب لها أي حساب.

وعلاقة الولايات المتحدة بالكيان الصهيوني وميلها كل الميل معها وضربها بمصالح العرب وكرامتهم عرض الحائط شيء مقزز وكارثي بكل المقاييس وعدم تحرك العرب أو إحساسهم بهذا الهضم لحقوقهم شيء يدعو إلى التأمل والتعجب رغم ما عندهم من أوراق كثيرة يمكن اللعب بها والمساومة عليها، فمثلًا أوراق البترول والغاز، واثر ذلك في منظومة الاتحاد الأوروبي وتوجهاته نحو الصراع العربي- الإسرائيلي، أوراق الاستيراد والسوق الشرق أوسطية الكبيرة التي يتهافت عليها الجميع، أوراق الخامات الأخرى الكثيرة في الوطن العربي، وتلك الأوراق المهمة هي التي جعلت أوروبا رغم عجز العرب أكثر تعاطفًا مع موقف الفلسطينيين والعرب، وأكثر انتقادًا للاحتلال الإسرائيلي للأراضي العربية ١٩٦٩م، وأكثر رغبة في إرساء علاقات متينة مع جيران الكيان الصهيوني من العرب.

فكيف لو اتحد العرب واستطاعوا التوجه نحو مصالحهم، وكان لهم أهداف واضحة يحبون ويعادون ويوادون ويخاصمون عليها وكيف لو استغلوا تلك العداوة المدفونة بين تلك القوى وأذكوا أوارها وكيف لو استعملوا ما عندهم من أوراق أكان يفعل بهم ما يفعل اليوم ويتجرأ عليهم القاصي والداني، ويقهرون لصالح أعدائهم ولا عزاء، وإلى متى يراد لأمتنا أن تنام كالميت، ولا تتكلم كالأبكم، ولا تبصر كالأعمى، أو تعقل كالأبله.

يا قوم لا تتكلموا *** إن الكلام محرم

ناموا ولا تستيقظوا *** ما فاز إلا النوم

من شاء منكم أن يعيش *** اليوم وهو مكرم

فليمس لا سمع ولا *** بصـر لديه ولا فم

لا يستحق كرامة *** إلا الأصم الأبكم

وأظن أن هذا سيزول قريبًا، ولن يدوم طويلًا لأن اليقظة قد امتدت والمارد قد تحرك والفجر قد لاح وسيفرح المؤمنون بنصر الله.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 112

162

الثلاثاء 08-أغسطس-1972

سيد قطب وتراثه الأدبي والفكري

نشر في العدد 497

119

الثلاثاء 16-سبتمبر-1980

يا سيد.. ما نسينا أنت قد علمتنا

نشر في العدد 1119

88

الثلاثاء 04-أكتوبر-1994

العمى الشرقي.. هل له من علاج؟!