العنوان اقتصاد :العدد 1864
الكاتب المحرر الاقتصادي
تاريخ النشر السبت 08-أغسطس-2009
مشاهدات 53
نشر في العدد 1864
نشر في الصفحة 38
السبت 08-أغسطس-2009
مبادئ
دستور التجارة في الاقتصاد الإسلامي
أ.د.
عبد الحميد البعلي
تؤدي التجارة دورًا أساسياً في النشاط الإنتاجي
في الاقتصاد عمومًا وفي الاقتصاد الإسلامي على وجه الخصوص، إذ تساهم في تطور
النشاط الإنتاجي، ومن ثم تعتبر من أسس تنظيمه وعوامل إصلاحه على السواء، فعليها
وعلى غيرها تقوم المبادلات والأسواق.
والتجارة
في اللغة: تعني تقليب المال بالبيع والشراء ونحو ذلك طلبا للربح.
وقال ابن خلدون:»اعلم أن التجارة
محاولة الكسب بتنمية المال بشراء السلع بالرخص وبيعها بالغلاء أيا كانت السلعة،
إما بانتظار حوالة الأسواق، أو نقلها إلى بلد هي فيه أنفق وأغلى، أو بيعها بالغلاء
على الآجال، ويسمى القدر النامي ربحًا«
الرسول
والصحابة والخلفاء مارسوا التجارة وفق أحكامها وآدابها الشرعية وكانوا قدوة حسنة
لجميع المسلمين في كل زمان ومكان
دستور التجارة الإسلامي يقوم على مبادئ الصدق
والوفاء ويحرم الذم والإطراء والمماطلة.
الاقتصاد
الإسلامي وثيق الصلة بالأخلاق والقيم والمبادئ الإنسانية التي لا يراعيها الاقتصاد
الوضعي كعلم نظري
وعرفها
النووي بأنها: «تقليب المال وتصريفه لطلب النماء«
وعرفها
المناوي بأنها: «تقليب المال بالتصرف فيه لغرض الرب«
وقد عرفها الزيلعي بأنها: «النماء في مال التجارة بزيادة القيمة، ولم
تنحصر زيادة ثمنها في السمن الحادث، بل قد يحصل بالتأخير من فصل إلى فصل، أو
بالنقل من مكان إلى مكان.«
التجارة
جائزة في الإسلام لقوله تعالى: ﴿ إِلَّآ أَن تَكُونَ تِجَٰرَةً عَن تَرَاضٖ مِّنكُمۡۚ﴾ )النساء29:)
ومارسها
الرسول ﷺ والخلفاء والصحابة، وعن أنس رض الله عنه قال: قدم عبد الرحمن بن عوف المدينة فأخى النبي ﷺ بينه وبين سعد بن الربيع الأنصاري وكان سعد ذا غنى فقال لعبد الرحمن: أقاسمك
مالي نصفين، وأزوجك قال: بارك الله في أهلك ومالك، دلوني على السوق فما رجع حتى
استفضل أقطًا وسمنًا
.
وكان
الناس في الإسلام لا يتعاطون البيع والشراء حتى يتعلموا أحكامه وآدابه وحلاله
وحرامه، وقد ورد أن الرسول ﷺ استعمل عمر رضي الله عنه على سوق المدينة واستعمل سعيد بن العاص على سوق مكة. وهكذا فعل
الصحابة رضوان الله عليهم من اهتمامهم وتفقدهم للأسواق والتجار.
وفي
ذلك يقول عمر رضي الله عنه: لا يدخل أحد سوقنا حتى يتفقه في الدين، أو حتى يتفقه
في البيوع والربا، وكان رضي الله عنه يدور في الأسواق وفي
يده الدرة، وأقام المحتسب على السوق يراقب ويعلم.
وقد
روي عن علي أنه قال: من اتجر بغير فقه فقد ارتطح »وقع« في الرباء.
ومن فقه التجارة في الإسلام أيضًا أن
يستوصي الإمام بالتجار خيًرا، ففي كتاب علي كرة إلى واليه في مصر الأشتر
النخعي:«استوص بالتجار وذوي الصناعات، وأوص بهم خيرا المقيم منهم. والمضرب»المسافر« بماله والمترفق ببدنه
فإنهم مواد المنافع وأسباب المرافق وجلابها من المباعد والمطارح«
والتجارة
إذن شطر من العمارة، فلابد فيها من القيم، ولابد لها من مبادئ. ومن أقوال عمرو بن
العاص »لا سلطان إلا بالرجال، ولا رجال إلا بمال ولا مال إلا بعمارة، ولا
عمارة إلا بعدل«
ولهذا
كان حريًا بنا أن نحدد ونورد مبادئ الدستور الإسلامي للتجار في ، ونذكر منها سبعاً
هي:
أولًا،
إذا حدثوا لم يكذبوا: والكذب نوع من التدليس القولي كالكذب في السعر وإعطاء
مدلولات كاذبة، والتدليس نوع من الغش.
ثانيًا:
إذا التمنوا لم يخونوا: فالخائن يخون ما جعل عليه أمينًا، ولذلك فهي تتعلق بالعهد
والأمانة، قال الذهبي: الخيانة قبيحة في كل شيء، لكن بعضها أشد وأقبح من بعض، إذ
من خانك في فلس ليس كمن خانك في أهلك.. والخيانة في بيوع الأمانة إما أن تكون في
بيان مقدار أو صفة رأس المال.
ثالثًا:
إذا وعدوا لم يخلفوا والوعد عرفه ابن عرفة: إخبار عن إنشاء المخبر معروفًا في
المستقبل، وقال العيني هو الإخبار بإيصال الخبر في المستقبل.
والوعد
يستعمل في الخير حقيقة، وفي الشر مجازًا، ويقال في الشر: اتعدوا.
وقد
اختلف الفقهاء في حكم الوعد. هل يلزم وفاء الواعد أم لا يلزم والمشهور عند
المالكية أن الوعد ملزم، ويقضى به على تفصيل عندهم، وذكر ابن عابدين أن الشرط على
وجه العدة يلزم الوفاء به. أما المواعدة فهي أن يعد كل واحد من المتواعدين صاحبه
بإنشاء عقد المستقبل.
رابعًا:
إذا اشتروا م يُذموا: يقول الله تعالى: ﴿وَلَا تَبۡخَسُواْ ٱلنَّاسَ
أَشۡيَآءَهُمۡ وَلَا تَعۡثَوۡاْ فِي ٱلۡأَرۡضِ مُفۡسِدِينَ﴾ (الشعراء:183).
أي
لا تنقصوهم قيمة أشيائهم في المعاملات، فهي رذيلة تمس نظافة القلب واليد، كما تمس
المروءة والشرف.
ومن ثم تبدو علاقة عقيدة التوحيد بالأمانة،
وعدالة المعاملة وشرف الأخذ والعطاء.
خامسًا:
إذا باعوا لم يطروا: أي لم يتجاوزوا في مدح السلعة الحد حتى لا يقعوا في الكذب.
سادسًا:
إذا كان عليهم لم يمطلوا: المطل التسويف والمدافعة عن أداء الحق بالدين الحال،
ومطل الموسر القادر على الوفاء بلا عذر شرعي يعتبر سببًا من أسباب الحبس واستحقاق
التعزير أيضًا، أما إذا كان المماطل معسرًا فإنه يمهل إلى ميسرة.
والأول:
لقوله ﷺ: «لي الواجد يحل عرضه وعقوبته«
والثاني:
لقوله تعالى: ﴿وَإِن كَانَ ذُو عُسۡرَةٖ فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيۡسَرَةٖۚ وَأَن
تَصَدَّقُواْ خَيۡرٞ لَّكُمۡ إِن كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ﴾( البقرة:280)
سابعًا:
إذا كان لهم لم يُعسّروا: جاء في معجم مقاييس اللغة لابن فارس: العسر أصل واحد يدل
على صعوبة وشدة.
وعليه،
فالمقصود هنا: ألا يضيقوا أو يشددوا في استجداء حقوقهم، وبخاصة إذا كان من عنده
الحق »المدين معسرًا«، أو ذا عسرة بمعنى عدم القدرة على أداء الدين الحال.
وعلى
هدي هذه المبادئ يسود السلوك الأمثل للتجار في السوق، مما يؤكد الصلة الوثيقة بين
الاقتصاد الإسلامي، وما تزخر به الأخلاق من قواعد ونماذج، ونشير إلى أن الاقتصاد
الوضعي كعلم نظري لا توجد بينه وبين القواعد الأخلاقية ثمة علاقة، إذ يقتصر على
ملاحظة الظواهر الاقتصادية لاكتشاف قوانينها، فهو ينظر إلى هذه الظواهر في ذاتها
دون الحكم عليها من الناحية الأخلاقية، أما اقتصادنا الإسلامي فاقتصاد أخلاقي في
مبادئه وقوانينه وفنياته، فهل يستويان مثلًا ؟!
»إسرائيليات «اقتصادية ((4-2
د.
زيد بن محمد الرماني
» الإسرائيليات« المعاصرة هي كل فكرة أو
كلمة أو محاضرة أو دعوى أو بحث أو كتاب أو دراسة أو مقالة توجه للمسلمين وتتعارض
مع مبادئ الإسلام وتوجيهاته.
لذا، فإن من أبرز مظاهر «الإسرائيليات» في
المجال الاقتصادي في بلاد المسلمين تلك الدعاوى والخرافات الباطلة ذات العلاقة
بالحياة الاقتصادية عامة، أو بالمصارف والبنوك خاصة.
خرافة
«الحرية الاقتصادية«
دعه
يعمل دعه يمر: حيث يقوم الاقتصاد الرأسمالي الغربي على خرافة «إسرائيلية« رفعها مروجو
«الإسرائيليات» المعاصرة شعارًا
بارزًا لذلك الاقتصاد وهو »دعه يعمل دعه يمر».
أي
لا تتدخل بالمال، بل دع هذا المال يعمل ويتحرك ودعه يمر أينما شاء ويذهب كيفما
شاء، لا تقيده، طالما يحقق لك الربح والفائدة.
ولذلك، وصف النظام الاقتصادي در والغربي
الرأسمالي بأنه اقتصاد حر؛ لأنه يقوم على الحرية الاقتصادية المنفلتة ويعمل بدون
كوابح أو قيود أو ضوابط.
المال
والاقتصاد عند مصدقي هذه ـ الخرافة هو الأساس وهو غاية بحد ذاته، وهو عصب الحياة
وهو الذي يتكلم ويقرر كل وهو أساس تكريم الرجال، ولسان حالهم يقول: إن أكرمكم
عندنا أغناكم، وأقواكم عندنا أغناكم، هكذا يوزن الرجل بمقدار ما يملك من المال.
» دعه يعمل دعه يمر« خرافة اقتصادية، وتضليل «إسرائيلي»، فرغم اعترافنا بأهمية المال
وضرورته للفرد والأمة، إلا أن إسلامنا يقرر بمنهاجه الاقتصادي المنضبط أن المال
وسيلة لعبادة الله، ووسيلة لإنشاء الحياة الكريمة.
الإسلام
في منهاجه الاقتصادي يقيد حركة المال بالقيود الضرورية، ويضع له الضمانات اللازمة
حتى يبقى عملا نافعا وليس طوفانًا
مدمرًا.
الإسلام
لا يُقر إلا وسائل الكسب الحلال والتجارة الأخلاقية المباحة والتملك المشروع، وهو
في المقابل يحرم وسائل الكسب غير المشروع والتملك الحرام. الإسلام يرسم
الطريق الصحيح لاستثمار المال وتشغيله ويمنع المسلم من تشغيل المال في طرق محرمة
حتى لو درت عليه فائدة وربحًا وكسبًا .
الإسلام لا يدع المال يعمل ولا يدعه يمر، هكذا بلا ضوابط، لذلك يحارب هذه الخرافة «الإسرائيلية» التي يتباهى بها الجاهليون الغربيون ومن حذا حذوهم ويعتبر الحرية الاقتصادية المنفلتة من كل قيد أو شرط أو ضابط جرثومة فتك باقتصاد الفرد والأمة.