العنوان مبادرة الجماعة الإسلامية لوقف العنف.. دعم من الداخل ورفض وتشكيك من الخارج
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 05-أغسطس-1997
مشاهدات 63
نشر في العدد 1261
نشر في الصفحة 26
الثلاثاء 05-أغسطس-1997
منتصر الزيات للمجتمع: صدرت من القيادة الشرعية للجماعة بعد دراسة فقهية متأنية لمدة عام، ومحاولات لإقناع قيادات الخارج بها.
- قتلة المحجوب أيدوا المبادرة.. والظواهري رفضها، وعمر عبد الرحمن ينتظر الاتصال الهاتفي.
في الخامس من شهر يوليو الماضي وقف المتهم محمد أمين عبد العليم، أحد قيادات الجماعة الإسلامية في مصر، والمحبوس بسجن ليمان طرة، والمتهم فيما عُرف باسم قضية الاغتيالات الكبرى، ليتلو بيانًا وقّعه ستة من قيادات الجماعة بسجن ليمان طرة.. يدعون فيه أنصارهم في الداخل والخارج لوقف أعمال العنف المسلح، والبيانات المحرضة عليه.
وقّع البيان كل من عبود الزمر، وناجح إبراهيم، وكرم زهدي، وفؤاد الدواليبي، وحمدي عبد الرحمن، وعلي الشريف، وهم يمثلون «القيادة التاريخية» للجماعة الإسلامية، بإستثناء الأول «عبود الزمر» الذي يشاع أنه انضم إلى الجماعة الإسلامية تاركًا تنظيم الجهاد.
ومنذ الإعلان عن المبادرة الجديدة لم تتوقف ردود الأفعال ما بين مؤيد ومعارض ومتشكك، إما في المبادرة، أو في جديتها، وقدرتها على وقف العنف فعلًا، ففي الجلسة التالية مباشرة لإعلان المبادرة وقف المتهم ذاته ليعلن انضمام قياديين في تنظيم الجهاد وهم طارق الزمر، وصالح جاهين، وعباس شنن للمبادرة، ثم توالت الردود، وكان أبرزها انضمام صفوت عبد الغني، وممدوح علي يوسف، وضياء الدين فاروق، وهم أبرز المتهمين في قضية اغتيال الدكتور رفعت المحجوب رئيس مجلس الشعب الأسبق، والذين ينظر إليهم على أنهم أول من فجّر المواجهة المسلحة مع النظام المصري في أعقاب اغتيال زميليهم علاء محيي الدين وماجد العطيفي، كما انضم للمبادرة أيضًا أسامة حافظ، أحد مؤسسي الجماعة الإسلامية، والمعتقل حاليًا بسجن الوادي الجديد، وأنور عكاشة الذي يقضي عقوبة الأشغال الشاقة المؤبدة في قضية اغتيال السادات، كما أصدر أعضاء الجماعة الإسلامية المسجونون بسجن العقرب بيانًا يؤيدون فيه مبادرة قيادتهم في ليمان طرة.
رفض الخارج
وبينما تتواصل بيانات التأييد من سجناء ومعتقلي الداخل، يتواصل الرفض من قيادات الخارج، الذين أصدروا بيانًا شككوا فيه في صدقية المبادرة، أو صدورها عن قيادات السجن دون وقوع ضغوط عليهم، وأكد قادة الخارج في بيانهم أنهم ماضون في طريقهم «أي استخدام القوة ضد الحكومة»، وربما يرجع هذا التباين إلى بعد قيادات الخارج عن نيران الداخل ومعاناته.
ولكن يبدو من استقراء الأحداث أن قيادات الخارج ليسوا جميعًا على درجة متساوية في رفضهم أو تحفظهم، فقد لوحظ أن بيان قيادة الخارج كان هادئًا، ولم يقدح في قيادات الداخل، فقط شكك في صحة صدور المبادرة عنهم، أو صدورها تحت ضغوط معنوية في السجن، ومع ذلك فإن مصادر قريبة من الجماعة الإسلامية أكدت لـ«المجتمع» أن هناك اتصالات تجري مع قيادات الخارج، وأبرزهم رفاعي أحمد طه، وأسامة رشدي، ومحمد شوقي الإسلامبولي، ومصطفى حمزة لإقناعهم بتأييد المبادرة، كما أفادت المصادر أن هؤلاء القياديين يعكفون حاليًا على دراسة المبادرة من النواحي الشرعية والواقعية لإعلان موقف نهائي وواضح منها.
وفي مقابل موقف قيادات الجماعة الإسلامية بالخارج، فإن موقف قيادات الجهاد وعلى رأسهم أيمن الظواهري كان شديد الرفض للمبادرة، بزعم أنها لم تستند إلى أي أسس شرعية، كما لم تتضمن أي شروط لوقف العنف مثل إطلاق المعتقلين وحرية الدعوة ووقف المحاكمات العسكرية.
الحكومة والقوى السياسية
وإذا تجاوزنا موقف الجماعة الإسلامية والجهاد في الداخل والخارج إلى الموقف الحكومي وموقف القوى السياسية الأخرى من المبادرة، فإننا نلاحظ أن الحكومة لم تعلن موقفًا رسميًا قويًا ضد المبادرة حتى الآن.. صحيح أن اللواء حسن الألفي وزير الداخلية أعلن رفضه لأي مبادرة للجماعة الإسلامية، موضحًا أن سياسة وزارته تعتبرهم خارجين على القانون، فإن عادوا إلى رشدهم فهذا يعود إليهم، وإن أبوا فإن أجهزة الأمن ماضية في سياستها لتصفيتهم، وقال الوزير إن أجهزة الأمن استطاعت تحجيم هذه الجماعات في الآونة الأخيرة، بدليل هذه البيانات المتكررة بوقف أعمال العنف في مبادرة لالتقاط الأنفاس، وتخفيف الضغط الأمني عليهم، لكن يتضح أيضًا من سياق تصريحات الوزير أنها جاءت ردًا على سؤال أحد الصحفيين، ولم تأت عبر بيان رسمي للوزارة كما حدث مع مبادرة العام الماضي التي أطلقها القيادي خالد إبراهيم.
أما القوى السياسية الأخرى فلم تتعامل بجدية حتى الآن مع المبادرة، واقتصر تعاملها في حدود النشر بصحف تلك الأحزاب، باستثناء حزب العمل الذي طالب الحكومة أن تعلن ردًّا سياسيًا مسؤولًا على المبادرة، وأن تنتهز الفرصة لإنهاء الفتنة من جذورها، ولم تكن مبادرة 5 يوليو هي الأولى من نوعها، فقد سبقها مبادرتان من قبل كانت أولاهما عام ۱۹۹٣م، وقادها عدد من العلماء بينهم الشيخ الغزالي- رحمه الله- والشيخ الشعراوي، وفهمي هويدي، ود محمد سليم العوا، وبدأ الحوار، وتجاوبت معهم وزارة الداخلية، ولكن التعاملالإعلامي مع المبادرة أفشلها.
وفي فبراير ١٩٩٦م أطلق خالد إبراهيم قائد تنظيم أسوان وبدعم واتفاق مع المحامي منتصر الزيات مبادرته لوقف العنف لمدة عام، ورغم أن المبادرة لاقت ترحيبًا في حينها من بعض قيادات الجماعة، إلا أن وزارة الداخلية سارعت بإصدار بیان تعلن فيها رفضها لأي حوار مع الجماعات المسلحة، واستمرارها في خطة المواجهة والتصفية.
لكن ما يميز المبادرة الأخيرة- حسب ما صرح به منتصر الزيات محامي الجماعة للمجتمع- أنها جاءت من «القيادة الشرعية» للجماعة نزلاء سجن لیمان طرة، كما أنها لاقت ترحيبًا حارًا من القيادات الأخرى نزلاء السجون المختلفة الذين أصدروا بيانات أعلنوا فيها دعمهم للمبادرة.
● قلنا له: قيادات الخارج يرفضون المبادرة حتى الآن؟
• فقال: إن جهودًا تبذل الآن لإقناع قيادات الخارج بالمبادرة، وأن أربعة منهم يعكفون الآن على دراسة المبادرة من كافة أوجهها الشرعية والواقعية، وهم يعدّون بيانًا بتعديل موقفهم في إطار دعم هذه المبادرة.
● ماذا عن موقف الدكتور عمر عبد الرحمن؟
• مازالت الجماعة تنتظر رأي الدكتور عمر، حيث إن السُلطات الأمريكية حددت له مكالمة شهرية واحدة لمصر، وكان موعد المكالمة يوم ٢٣ يوليو الجاري، ولكن الاتصال لم يتم.
● لكن رغم صدور المبادرة وقعت عمليتان مسلحتان ضد رجال الشرطة، أودت بحياة ضابطين وخمسة مجندين في المنيا، فهل كان ذلك رفضًا عمليًا للمبادرة، أم أن المبادرة لم تكنوصلت إلى منفذي العمليتين؟
• هاتان العمليتان لم تكن المبادرة منهما للجماعات الإسلامية، كانت المرة الأولى مداهمة من قوات الأمن لأحد المخابئ، وحدث فيها تبادل لإطلاق النار، وكانت المرة الثانية مطاردة سيارة نجدة لإحدى السيارات المسروقة، وحدث أيضًا تبادل لإطلاق النار، كما أن المبادرة غالبًا لم تصل بعد إلى المختبئين بالأحراش والجبال «ملحوظة: أصدرت قيادة الجماعة الإسلامية بالخارج بعد هاتين العمليتين بيانًا أكدت فيه تحمل الجماعة مسؤولية الهجومين، كما أكدت استمرار نهج المقاومة المسلحة للحكومة وهو ما يعني إشارة ضمنية لرفض مبادرة وقف العنف، لكن يلاحظ على البيان أنه صدر بعد ثلاثة أيام من وقوع العمليتين، في حين كانت الجماعة تبادر دائمًا عقب وقوع أي عملية مباشرة بإصدار بيان بشأنها، مما يؤكد أن البيان جاء بعد تردد ومناقشة وجدل وأراد إثبات موقف فقط».
● ما الأسس التي ارتكزت عليها مبادرة الجماعة هذه المرة؟
• أولًا:تفويت الفرصة على الخصوم الذينيريدون استمرار الوقيعة بين السُلطة والحركة، وكذلك مراعاة المستجدات التي تحيط بالمنطقة، بخاصة سياسات التطرف الصهيوني، وبناء المستوطنات، بالإضافة إلى المحافظة على دماء الشباب المصري بصفة عامة، كذلك فإن المبادرة وضعت في الاعتبار الهزيمة العسكرية أمام قوات الأمن، وفتح المجال أمام أكثر من ٣٥ ألف معتقل ضاقت بهم السجون في اعتقال متكرر مفتوح.
● يقول البعض إن المبادرة «تكتيكية» لالتقاط الأنفاس، وليست استراتيجية، فما مدى صحة ذلك؟
• بحسب السُلطة أن تتوقف أعمال العنف، والمبادرة لا تعني التنازل عن نظريات الجماعة وثوابتها، لكن من الممكن حدوث تغيير في الأسلوب بشكل يسمح بوجود حرية التعبير بطريقة سلمية في شكل من أشكال العمل العلني، وإن لم يتخذ الشكل الحزبي.
● لكن أسلوب القوة في مواجهة النظام أحد ثوابت الجماعة، والانتقال للعمل السلمي يُعد تغييرًا في هذه الثوابت، أليس كذلك؟
• ليس صحيحًا أن استخدام القوة هوالأصل عند الجماعة، فهي تسعى للتغيير بالدعوة، ومتى سمح لها بالدعوة فإنها لا تلجأ للعنف أبدًا.. قد تكون هناك بعض الشرائح التي تؤمن بالعمل العسكري، لكنها شرائح ضعيفة، ولكن عندما تضع الحكومة العراقيل يحدث العنف والعنف المضاد، والجماعة تقوم الآن بمراجعة أسلوبها، وهل أفلح الصدام المسلح مع السُلطة أم لا؟ وليست المراجعة حول مشروعية السُلطة، وهذا في حد ذاته عمل جيد للنظام والجماعة نفسها، وهو يفتح الباب لمزيد من المراجعات، والدليل على ذلك بيان الجماعة بشأن الأقباط الذي صدر قبل أيام قليلة، ويرفض الاعتداء عليهم أو على ممتلكاتهم، وهذا البيان له أهمية كبرى في هذا التوقيت بالذات الذي يزعم الغرب وبعض عملائه أن اضطهادًا دينيًا كبيرًا يتعرض له الأقباط في مصر، والمبادرة الأخيرة للجماعة لم تكن وليدة يوم إعلانها، فقد جاءت بعدمناقشات وحوار لم ينقطع منذ عام تقريبًا.
● هل تعتقد أن المبادرة سيقدّر لها النجاح هذه المرة في ظل الرفض الحكومي المعلن لها حتى الآن، وكذلك رفض قيادات الخارج؟
• أتمنى بالطبع نجاح المبادرة حقنًا للدماء، وتوحيدًا للجهود لمواجهة العدو الصهيوني، وأتمنى أن تتعامل الحكومة بإيجابية مع المبادرة، ولا تأخذها نشوة الانتصار إلى الرفض المطلق؛ لأن القوة المسلحة لن تستطيع اجتثاث التيار الإسلامي، والتاريخ خير مثل على ذلك، فما فعله عبد الناصر مع الإخوان لم يقض عليهم، وما فعله السادات لم يوقف نمو التيار الإسلامي أيضًا..
وأما بخصوص موقف قيادات الخارج، فإن الحوار معهم متصل رغم صعوبة الاتصال بهم، وأعتقد أن رفضهم هذه المرة كان رفضًا هادئًا ومسببًا، طرح ضرورة إيجاد حل لمشكلة المعتقلين وإحالة المدنيين إلى محاكم عسكرية، وعمومًا فالمبادرة جاءت هذه المرة من أعلى سلطة شرعية للجماعة، ووافقتها كل القيادات بالداخل حتى الآن، وهناك اتفاق بين الجماعة والجهاد عليها، ونحن الآن بانتظار موافقة قيادات الخارج، ورأي الدكتور عمر عبد الرحمن، وكذلك بانتظار الرد الإيجابي للحكومة.
ختامًا ينبغي القول إن المبادرة بوضعها الحالي ما تزال ضعيفة، ولم تتمكن من جذب أنصار أقوياء لها من خارج الجماعة، بل إن قيادات الخارج حتى الآن ما زالوا إما رافضين أو متشككين، والقوى الإسلامية الأخرى أيضًا لا تتعامل مع المبادرة بحماس كاف، وذلك يرجع لعدم تأكيد الجماعة أن وقف العنف سيصبح خطًّا إستراتيجيًا ثابتًا، كما أن الجماعة لم تُضمّن بيانها ومبادرتها أي مبررات شرعية، مما يرجح القول بأنها مجرد مبادرة تكتيكية.
ولعل هذا السبب هو ما جعل الحكومة أيضًا تتعامل معها بفتور أو برفض، ولعل ما يزيد القناعة بهذا الأمر أن الجماعة أصدرت بيانًا لاحقًا أفادت فيه أن المبادرة هي مجرد توصية لا قرار، ومن حق القواعد الأخذ بها أو عدم الأخذ بها، وهذا البيان تلاه المتهم محمد أمين عبد العليم أمام المحكمة العسكرية، وجاء البيان بعد الرفض الذي أعلنه قادة الخارج، والمطلوب الآن أن تحدد الجماعة بشكل أكثر وضوحًا موقفها النهائي من العنف المسلح، وأن تؤصل لهذا الموقف بأسانيد شرعية؛ حتى يكون ذلك مقنعًا للجميع، وحتى ذلك الحين فإن على الحكومة أن تقدم خطوة هي الأخرى بالإفراج عن المعتقلين بدون تهمة، ووقف المحاكمات العسكرية.