العنوان مبطلات القدوة الحلقة الثالثة
الكاتب د.عبدالحميد البلالي
تاريخ النشر الثلاثاء 17-فبراير-1981
مشاهدات 72
نشر في العدد 516
نشر في الصفحة 38
الثلاثاء 17-فبراير-1981
وبعد أن تم للشيطان ما يريد من احتناك ذرية آدم إلا قليلًا، وبعد أن ذاب بنو آدم في بهرج المادية الحديثة، وقبلوا أن يتمرغوا في وحل الجاهلية النتن، ارتفعت أيادي وظهرت أصوات من بين أنقاض هذه الجاهلية المردية، بعضها خافت والبعض الآخر مدوي، تنادي بمنقذ ينقذها مما هي فيه، فهبت فرق الإنقاذ لهذه المهمة الصعبة، وفشلت جميع الفرق في عمليات الإنقاذ، ولم يفلح إلا فريقًا واحدًا، كانت فيه صفة يتميز بها عن باقي الفرق، ألا وهي «القدوة الحسنة»..
مبطلات القدوة:
وكما أن للشعائر التعبدية كالوضوء والصلاة والصيام والزكاة والحج مبطلات تبطلها، فكذلك للقدوة مبطلات تبطلها سواء بسواء، وأول هذه المبطلات.
١- مخالفة العمل للقول..
ولا نستغرب عندما يطلق «ابن الحاج» على الخطورة التي تترتب على ذلك بـ «السم القاتل» ويعلل ذلك بأن «الغالب على النفوس الاقتداء في شهواتها وملذاتها وعاداتها، أكثر مما تقتدي به في التعبد الذي ليس لها فيه حظٌ، فإذا رأت ذلك من عالمٍ وإن أيقنت أنه محرم أو مكروه أو بدعة، تعذر نفسها في ارتكابها؛ لذلك إن سلمت من سم الجهل، تقول: لعل لهذا العالم، العلم بجواز ذلك لم نطلع عليه أو رخص فيه العلماء، فإذا رأت من هو أفضل منها في العلم والخير يرتكب شيئًا من ذلك فأقل ما فيه من القبح «الاستصغار- والتهاون» بمعاصي الله تعالى وهو- «السم القاتل» «۱۹».
وما ذكره ابن الحاج هي النتيجة الرئيسية التي تترتب على اقتراف هذا المبطل، وتتبعها نتائجٌ أقل منها أو مساوية لها من حيث الحجم، وعليه كان عقاب الذي يخالف عمله قوله في الآخرة أشد العقاب..
روى البخاري في صحيحه قول الرسول صلى الله عليه وسلم:
« يجاء بالرجل يَوْم القيامَةِ فيُلْقَى في النارِ، فتَنْذَلِقُ أقتابُهُ ، فيدورُ بها في النارِ ، كما يدورُ الحمارُ برحاهُ ، فيُطِيفُ بِهِ أهلُ النارِ ، فيقولونَ : يا فلانُ ! ما أصابَكَ؟ ألم تكنْ تأمرُنا بالمعروفِ وتنهانا عنِ المنكَرِ؟ فيقولُ: بلَى، قَدْ كنتُ آمرُكُم بالمعروفِ ولَا آتِيهِ، وأنهاكُم عَنِ المنكَرِ وآتِيهِ» «۲۰» (البخاري:3267)
وتذكر أخي الحبيب، أن المدعوين «يريدون أن يروا فيك المعنى السامي الذي تتكلم فيه، هم لا يريدون من يقول لهم : خذوا قولي واتركوا فعلي، بل يريدون رؤية أفعال تطابق أقوالًا» «۲۱».
۲- عدم الالتزام بالقول..
وتختلف عن سابقتها بأن هذه لا تكون فيمن يخالف عمله قوله متعمدًا، وإنما تكون فيمن لا يطبق ما يقول، وليس على صفة الدوام، وذلك لأسباب منها..
أ- عدم تقدير حجم العمل المترتب على قوله.
ب- عدم معرفة نوع العمل المترتب على قوله.
جـ - الحماسة غير الواعية.
د- عدم تقدير القوة التي يمتلكها لأداء ذلك العمل.
ومن ثم يواجه بذلك العمل فلا يستطيع أن يطبق ما قاله ودعا إليه ويتضح ذلك في قول ابن عباس رضي الله عنه:
«كان ناس من المؤمنين قبل أن يفرض الجهاد يقولون: لوددنا أن الله -عز وجل- دلنا على أحب الأعمال إليه فنعمل به، فأخبر نبيه -صلى الله عليه وسلم- أن أحب الأعمال إيمان به لا شك فيه، وجهاد أهل معصيته الذين خالفوا الإيمان ولم يقروا به، فلما نزل الجهاد كره ذلك ناس من المؤمنين وشق عليهم أمره فقال الله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ (سورة الصف: 2) «۲۲»
ونغوص إلى أعماق أخرى من القرآن الكريم؛ ليزداد المعنى وضوحًا في قول الله تعالى في بني إسرائيل: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ مِن بَعْدِ مُوسَىٰ إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَّهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُّقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِن كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِّنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ (البقرة: 246) «۲۳»
«إن الحماسة الجماعية قد تخدع القادة لو أخذوا بمظهرها. فيجب أن يضعوها على محك التجربة قبل أن يخوضوا بها المعركة الحاسمة، فقد تقدم الملأ من بني إسرائيل- من ذوي الرأي والمكانة فيهم- إلى نبيهم في ذلك الزمان، يطلبون إليه أن يختار لهم ملكًا يقودهم إلى المعركة مع أعداء دينهم الذين سلبوا ملكهم وأموالهم ومعها مخلفات أنبيائهم من آل موسى وآل هارون، فلما أراد نبيهم أن يستوثق من صحة عزيمتهم على القتال، قال لهم: ﴿هَلْ عَسَيْتُمْ إِن كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا﴾ استنكروا عليه هذا القول وارتفعت حماستهم إلى الذروة وهم يقولون له: ﴿وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا﴾ (البقرة: 246)، ولكن هذه الحماسة البالغة ما لبثت أن انطفأت شعلتها، وتهاوت على مراحل الطريق كما تذكر القصة وكما يقول السياق بالإجمال ﴿فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِّنْهُمْ﴾ «٢٤».(البقرة :246).
٣- الزلل بجميع صوره القولية والفعلية.
٤ - الانتصار للنفس..
والانتصار للنفس، ظاهرة تنبيء عن عدم إخلاص لما يحمل من معاني سامية، محاولًا إخفاء الحقيقة في سبيل عدم الوقوع في دائرة الإحراج التي يعتبرها مسًا لكرامته ومكانته بين متبعيه، ومتى ما أحس الأتباع بهذه الصفة في المتبوع، أزالوا ذلك الموصل الذي يوصل الكلمات والمعاني والمشاهدات إلى القلب، وجعلوا للكلمات والمشاهدات مخارج تخرج منها كما دخلت، ويمنعونها أن تستقر في قلوبهم فلا يدخل في القلوب إلا الخالص المخلص.
فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم- قدوتنا جميعًا- «مَرَرْتُ مع رَسولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ بقَوْمٍ علَى رُؤُوسِ النَّخْلِ، فَقالَ: ما يَصْنَعُ هَؤُلَاءِ؟ فَقالوا: يُلَقِّحُونَهُ؛ يَجْعَلُونَ الذَّكَرَ في الأُنْثَى فيَلْقَحُ، فَقالَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ: «ما أَظُنُّ يُغْنِي ذلكَ شيئًا»، قالَ: فَأُخْبِرُوا بذلكَ فَتَرَكُوهُ، فَأُخْبِرَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ بذلكَ، فَقالَ: «إنْ كانَ يَنْفَعُهُمْ ذلكَ فَلْيَصْنَعُوهُ؛ فإنِّي إنَّما ظَنَنْتُ ظَنًّا، فلا تُؤَاخِذُونِي بالظَّنِّ، وَلَكِنْ إذَا حَدَّثْتُكُمْ عَنِ اللهِ شيئًا، فَخُذُوا به؛ فإنِّي لَنْ أَكْذِبَ علَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ» «٢٥» (مسلم:2361)
بهذا التجرد الخالص لله وحده دون إشراك في شيء معه، يكون القدوة ناجحًا في دعوته، وتكون كلماته مؤثرة مليئة بعنصر البناء، فهو معترف بخطئه بأدب جم وتواضع ندر أن تراه بين الناس، فكيف لا يتبع قوم قدوتهم وهو على هذا المستوى من التجرد البين للحق، دون إشراك أي خاطرة للنفس تدعوه للانتصار.
إعداد: جاسم المسلم