العنوان متى يرفع الأذان في طشقند؟
الكاتب عبدالحق حسن
تاريخ النشر الثلاثاء 11-أبريل-1989
مشاهدات 69
نشر في العدد 912
نشر في الصفحة 30
الثلاثاء 11-أبريل-1989
هل يعيد جورباتشوف روسيا إلى كنيسة الرب
مرة أخرى؟
الفاتيكان يجسد شعار الدين والسياسة بكل
أبعاده
تتوقع الأوساط
السياسية في أوروبا أن تؤدي الزيارة التي ينوي الزعيم السوفييتي جورباتشوف القيام
بها في نوفمبر القادم إلى الفاتيكان إلى تحول في السياسة السوفييتية تجاه الديانة
المسيحية وفتح الباب أمامها بهدوء لكي تستعيد مجدها الذي عاشته إبان الإمبراطورية
الروسية ويراود الأمل بعض رجالات الكنيسة في أن تؤدي جهود البروستريكا الإصلاحية
إلى عودة روسيا إلى تبوء مكانتها التاريخية في العالم المسيحي ويقولون: لقد كان البلاشفة
في البدء مسيحيين، فهل يعودون إلى كنيسة الرب مرة أخرى؟
هذا ما ستفسر
عنه التطورات الجارية حاليًا في أوساط الكرملين والتي ستأخذ مسارًا تاريخيًا بعد
هذا المنعطف لا يمكن العودة به إلى عهود القهر وكبت الحريات في العصور الفائتة..
وقد يحاول البعض أن مثل هذه الإجراءات تجاه الانفتاح على تصور المسيحية ما هي إلا
مناورات يجيدها جورباتشوف لمغازلة العالم الصليبي وكسب وده للوقوف بجواره في
سياساته الإصلاحية وفتح عواصم الغرب الأوروبي أمامه لكي ينهل من خبراته
التكنولوجية والاستفادة من عوامل الازدهار.
بيد أن اللعب
بالأيديولوجيات والمساومة عليها مخاطرة لا يمكن التنبؤ بعواقبها خاصة في بلد
كالاتحاد السوفييتي حيث تشكل العقائد هناك النزعات العرقية والقومية رافدًا مازال
حيًا في الصدور رغم مرور سبعين عامًا على الماركسية التي فشلت في اجتثاثها من
الصدور. ثم من يزعم أن جورباتشوف أكثر حنكة وذكاء من دهاقنة السياسة في العالم
الصليبي؟ إنه صاحب حاجة ومحاصر بأزمات حادة جسدت فشل الخط الماركسي داخليًا
ودوليًا. وفي زيارته القادمة إلى الفاتيكان قد لا يخرج من هناك إلا وقد تم تعميده
كواحد من رعايا كنيسة الرب.
تأتي زيارة
الزعيم السوفييتي هذه إلى الفاتيكان بعد أن مهد هو لها شخصيًا منذ شهور طويلة حيث
أفرج عن المسيحيين المعتقلين بسبب العقيدة وأعاد عشرات عن الكنائس التي أعيد
ترميمها وصقل أجراسها التي بدأت تقرع في أجواء موسكو وأعيدت بعض الأديرة إلى
الكهنة لكي يمارسوا نشاطهم الديني بكل حرية.. وأصبح التلفزيون السوفييتي يقدم
برامج دينية مسيحية تطل منها وجوه القساوسة على جماهيرهم الجزلة بهذه العودة
التاريخية إلى المسيحية.
وبدأت الأناجيل
تغزو المكتبات ومعارض الكتب بمختلف الطبعات وبأسعار ميسرة كما شهد الاتحاد السوفييتي
في الآونة الأخيرة مؤتمرات وندوات مسيحية متعددة أبرزها احتفال الاتحاد السوفييتي
بالعيد الألفي لمولد المسيحية على الأرض السوفييتية.. هذا الاحتفال الذي استغرق
الإعداد له شهورًا وحضرته وفود من كل حواضر العالم المسيحي جاءت تبارك هذا
الانفتاح الذي جسد امتزاج السياسة في الدين وتداخل الدين في السياسة وأفرغ شعار
«لا دين في السياسة ولا سياسة في الدين» من مضمونه العلماني وألقي به بعيدًا وراء
الحدود لكي يلتقفه دهاقنة السياسة في الشرق الأوسط والوطن الإسلامي ويلفون به
بضاعة كسد سوقها في الغرب الصليبي وهي فصل الدين عن السياسة.
إن العيد الألفي
لمولد المسيحية كان تظاهرة سياسية حضرها سفراء الولايات المتحدة وبريطانيا وممثلو
السوق الأوروبية المشتركة كما حضرها رئيس المؤتمر اليهودي العالمي إدجار برونجمان
ونائبه أسى لا يبر اللذان شكرا جورباتشوف على الفرص الجديدة المتاحة لليهود السوفييت
لممارسة شعائرهم الدينية وهكذا جاءت هذه التظاهرة الصليبية الصهيونية لتفسر ما
يرمي إليه جورباتشوف من رغبته في الانفتاح على الأيدولوجيات بما يعني قصرها على
هاتين الديانتين فقط.. وإلا لماذا حرم المسلمون من هذا الانفتاح وهم يشكلون 18% من
مجموع سكان الاتحاد السوفييتي؟!
ماذا
يريد الفاتيكان
منذ فترة طويلة
وأثناء طرح منهج البروستاريكا الذي دشنه جور باتشوف قام الفاتيكان بكيل عبارات
الثناء والتشجيع لهذه السياسة حيث دعا المسؤول الرئيس عن سياسة الكنيسة
الكاثوليكية الدولية الكاردينال «كازارولي» إلى الوقوف وراء سياسة جورباتشوف
الإصلاحية التي نالت رضا البابا بولص الثاني بما يوحي أن الطرفين على اتصال مستمر
إزاء قضايا تهم العالم المسيحي وهو العالم الذي يشار إليه بالعالم الحر ولذلك تأتي
زيارة جور باتشوف القادمة إلى الفاتيكان في جو تعمد رجال الكنيسة فيه أن يطووا كل
صحائف البلاشفة السود بما فيها محاولة اغتيال البابا نفسه في 15 مايو ومحاولة
إلصاقها بالمسلمين سنة 1980م على يد أحد أفراد المخابرات السوفييتية (كي جي بي)
والمعارك التي خاضها الفاتيكان وما يزال لإبعاد التأثير الشيوعي وانتشاره عن أماكن
التواجد الكاثوليكي في أمريكا اللاتينية والفليبين بوجه خاص.
واليوم وقد سنحت
الفرصة للفاتيكان لكي يصل إلى أهدافه في وجود ما يسمى بالانفتاح السوفييتي على
الأيديولوجيات وهي بمفهوم سياسة الوفاق -الأيدولوجيتين الصليبية والصهيونية- في
مثل هذه الظروف المواتية لا بد وأن يطلب الفاتيكان من ضيفه السوفييتي البرهنة على
سياسته هذه بإطلاق الحرية الدينية لملايين الكاثوليك في بلدان المعسكر الشيوعي بما
فيها الاتحاد السوفييتي نفسه وتأتي قضية منظمة التضامن البولندية على قائمة تلك
المطالب التي سيطرحها البابا بولص الثاني البولندي الأصل.
وهي منظمة تحظى
برعايته وحمايته الشخصية ودعمه السياسي الذي ينطلق من دوافع دينية بيد أن ما تطمح
إليه المنظمات التبشيرية الكنسية من هذه الزيارة هو أن تتاح لها حرية العمل
التبشيري في الاتحاد السوفييتي في المناطق غير المسيحية والمستهدف هو المناطق
الإسلامية برغم قدرة تلك المنظمات على مواجهة التأثيرات الإسلامية التي بدأت تقلق
السلطات السوفييتية هناك.
وإزاء هذه
المطالب المتواضعة أمام تطلعات جورباتشوف الجامحة للحاق بالركب العالمي في التطور
والازدهار ورغبته في أن يعمل الفاتيكان على تقديمه كشريك مسالم إلى نادي
الأقوياء.. يتطلع المراقبون إلى أن تسفر الزيارة القادمة عن نتائج ملموسة تعود في
مجملها على إعادة روسيا المسيحية إلى مكان الصدارة في العالم المسيحي وذلك في عصر
بدأت الديانات تدخل حلبة الصراع في السياسة الدولية.
أين
مسلمو الاتحاد السوفييتي
أما المسلمون
فلم يسأل عنهم أحد في ولائم الشكر التي أقيمت على طول البلاد وعرضها احتفالًا
بالذكرى الألف لمولد المسيحية على الأرض السوفييتية وأصبحوا يذادون عنها كالأيتام
على موائد اللئام.. وهم الذين قمحهم حصيد ونفطهم يزيد في الجمهوريات الإسلامية..
نسيهم..
وهو يستعد للقاء
البابا في نوفمبر القادم ولم يعر قضاياهم التفاتًا بل راح يتهددهم في أوزبكستان
الإسلامية أثناء زيارته في أغسطس سنة 1986مم وينذرهم بأن إسلامهم سبب تخلف المنطقة
وطالب المنظمات الشيوعية هناك بمحاصرة الصحوة الإسلامية التي سماها ردة، أما فتح
أبواب الاتحاد السوفييتي أمام عودة المسيحية فليست ردة! لكن من المسلمين.. هناك
شيء من الحياء.. أحرام على بلابله الدوح حلال للطير كل جنس! وليقول له: إنك أعدت
مئات الكنائس ورمتها للمسيحيين.
فكم مسجدًا أعدت
بل أبقيت؟! لماذا تشجع المسيحي على أن يجهر بانتمائه الصليبي بكل فخر وتترك المسلم
فريسة للخوف والإرهاب لا يجرؤ على أن يقول: إنني مسلم وإلا كان مصيره العقاب
الأليم؟ لماذا تسمح بنشر الأناجيل وسط كل الطوائف المسيحية وتصادر المصاحف والكتب
الإسلامية بل وتصادر حياة من وجدت عنده؟
إن الماركسية
ترفع الآن الرايات البيض في الأقاليم المسيحية.. لكنها تستأسد في المناطق
الإسلامية وتحوطها بسياج من الإرهاب بقصد تجميد مشاعر المسلمين الدفينة وتجميدها..
في الوقت الذي يتباهى مواطنوهم المسيحيون بالحرية الدينية التي وفرها جورباتشوف
لهم.. ألا ما أشد هذا على المسلمين وأقساه!
وإذا جاز
للمسيحين من باب الإدلاء أن يقولوا للمسلمين هناك إن لنا بابا ولا بابا لكم..
يدافع عنا ويرعى قضايانا..
كان من حق
المسلمين في كل مكان أن يتطلعوا للمؤتمرات الإسلامية التي تنعقد وتنفض في كل حواضر
العالم الإسلامي لكي يتبنوا قضاياهم في الاتحاد السوفييتي ويطلبوا من الدبلوماسية
السوفييت الذين يجوبون الوطن الإسلامي في هذه الأيام ألا يحرم المسلمون هناك من
سياسة الانفتاح على الأديان وأن ترصد ميزانية لدعم إرسال إذاعي موجه يربط المسلمين
هناك بعقيدتهم والبحث عن كيفية لتوثيق الصلات الثقافية والروحية معهم وتيسير الحج
لهم.. وألا تعتبر مثل هذه المطالب تدخلاً في الشئون الداخلية لدولة عظمى يرهبها
الجميع لأنها مطالب تأتي ضمن الإطار الإصلاحي الذي يطرحه جورباتشوف نفسه في
الانفتاح على الأيدولوجيات والأديان ولتكن مع كل الأيدولوجيات.
وإذا كان
الاتحاد السوفييتي يحاول إعادة الاعتبار لدور الكنيسة الأرثوذوكسية والكاثوليكية
ولدور اليهود بعد ما لاقوه من اضطهاد في عصور بلشفية سابقة.. فلن يجد دينًا أولى
بإعادة الاعتبار من الإسلام لأنه هو الذي لاقى كل الاضطهاد والعنت عبر سبعين عامًا
من الماركسية.. فهل آن الأوان أن يرد إلى المسلمين هناك بعضًا من هذا الاعتبار
الذي حظي به المسيحيون وحرم منه المسلمون؟ وهل آن الأوان أن نسمع أذانًا يرفع من طشقند
وسمرقند يتواكب في شيء من العدالة وحقوق الإنسان مع أجراس الكنائس التي تقرع هذه
الأيام في أجواء روسيا؟ أم يا ترى شطح بنا الخيال؟ حينئذ عذرًا لصيحات الجهاد في
أفغانستان فإن حديثنا محض سياسة.