العنوان متي يستيقظ ضمير هؤلاء؟
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 01-مارس-1977
مشاهدات 75
نشر في العدد 339
نشر في الصفحة 48
الثلاثاء 01-مارس-1977
كثيرا ما يصاب الإنسان المخلص بأسى شديد يحز في نفسه عندما يتدبر ويمعن النظر في أوضاع مجتمعاتنا الإسلامية المعاصرة ، ولذلك نجده يصرخ بأعلى صوته يصدع بأمر الله ورسوله لعله يوقظ بصرخته تلك بعض الضمائر التي ران عليها السواد والظلمة بما كسبت والتي نامت وطال سباتها ، فتعود إلى الحق الذي خلفته وراءها وراحت تلهث وراء سراب خادع حتى انحرفت عن طريق الحق والصواب إلى طريق الغرور والخداع والتمزق.
ولعله أيضا يريد بندائه ذاك أن يضع على عاتقه حمل الأمانة الثقيل الذي كلفه الله بالقيام به وأداءه علي خير وجه وأكمله لأنه تحمل الأمانة وكلف نفسه القيام بها، قال تعالى ﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ ۖ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًالِّيُعَذِّبَ ٱللَّهُ ٱلْمُنَٰفِقِينَ وَٱلْمُنَٰفِقَٰتِ وَٱلْمُشْرِكِينَ وَٱلْمُشْرِكَٰتِ وَيَتُوبَ ٱللَّهُ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَٰتِ ۗ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًۢا﴾ (سورة الأحزاب :72،73).
فقد جعل الحق تبارك وتعالى الأمانة مقياسًا يعرف به المنافق والمشرك من المؤمن. ولذلك قال صلى الله عليه وسلم «آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا اؤتمن خان» وزاد مسلم: «وإن صلى وصام وزعم أنه مسلم» متفق عليه.
على أن حمل الأمانة الثقيل لا يقتصر على هذا الإنسان المخلص الذي يحاول إيقاظ أمته من غفلتها. كما أنه لا يقتصر على الرجل الذي يؤدي المال المودع عنده إلى صاحبه، بل إن الأمانة التي حملها جنس الإنسان تشمل جميع حقوق الله عز وجل أو حقوق العباد التي تحملها الإنسان.
فكل فريضة افترضها الله على عباده أمانة ، وكل عضو في الإنسان أمانة عنده، وكل طاعة يقوم بها المسلم هي أمانة عنده. ثم أنه سيسال عن هذه الأمانة حفظ أم ضيع. ولذلك لزم حفظ الأمانة وأداؤها امتثالًا لقول الحق تبارك وتعالى ﴿فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ﴾ وامتثالًا لقول نبيه عليه أفضل الصلاة والتسليم «أد الأمانة لمن ائتمنك ولا تخن من خانك»، ومن هنا يتضح معنى قوله صلى الله عليه وسلم «كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته».
ولعل من أعظم أبواب الأمانة وأشدها ثقلًا مسؤولية (تربية النشء) الذين جعلهم الله أمانة عند المربين ليقوموا بإصلاحهم وإرشادهم إلى ما يعود عليهم بالنفع في دنياهم وآخرتهم ، وتغذية عقولهم بمختلف أنواع العلوم والمعارف لتكون من ضمن الاستعداد الذي أمر الله به المؤمنين لمواجهة أعداء الله وأعـداء دينه.
حيث إن العلماء ورثة الأنبياء، وهم مصابيح الهدى التي تنير طرق الحيرة والشك والضلال.
لذلك فإنني أذكر هؤلاء المربين بقول الله تبارك وتعالى ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا ﴾ (النساء:58) وبقوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (سورة الأنفال: 27).
فغش بعض المربين لطلابهم وإهمالهم تربيتهم والقيام بما يصلحهم خيانة لله ورسوله وللأمانة التي تحملوها : قال صلى الله عليه «من غشنا فليس منا» وقال عليه أفضل الصلاة والسلام «ما من عبد يسترعيه الله عز وجل رعية ثم حين يموت وهو غاش رعيته إلا حرم الله تعالى عليه الجنة»، وفي رواية «فلم يحطها بنصحه لم يرح رائحة الجنة» متفق عليه، كما قال صلى الله عليه وسلم (من ولي من أمر المسلمين شيئًا فغشهم فهو في النار».
مما تقدم من الأدلة يتضح أن غش المربين- ممن انتسب إلى تربية الأبناء وتعليمهم ممن ليس كفؤا لها- لطلابهم من أعظم الظلم الذي سيؤاخذهم الله عليه وسيحاسبهم عليه حسابًا عسيرًا . وهذا مصداق قوله صلى عليه وسلم «إن الله يملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته»، ثم قرأ (وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد).
على أن الأمر لا يقتصر بهؤلاء على غش طلابهم بمختلف أنواع الغش مما ينتج عنه نشء لا يفقه من العلم قليلًا ولا كثيرًا بل داع ينتج عنه نشء يحمل لواء الغش والخديعة والخيانة لدينه وامته كما علمه هؤلاء المربون. أقول: لا يقتصر الأمر بهم إلى هذا الحد بل ربما باع أحدهم دينه وأمانته بعرض زائل من الدنيا أو تملقًا لرئيس أو مسئول ، وإلى هؤلاء أسوق قول النبي صلى الله عليه وسلم «من أرضى الله بسخط الناس رضي الله عنه وأرضى عنه الناس، ومن أرضى الناس بسخط الله سخط الله عليه وأسخط عليه الناس» وبقوله صلى الله عليه وسلم «من أرضى سلطانًا بما يسخط ربه خرج من دين الله» ولذلك كان صلى الله عليه وسلم يكثر في خطبه من قوله «لا إيمان لمن لا أمانة له ولا دين لمن لا عهد له» ولعل هؤلاء من الذين عناهم النبي صلى الله عليه وسلم بقوله «خيركم قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم يكون بعدهم قوم يشهدون ولا يستشهــــــدون ويخونون ولا يؤتمنون وينذرون ولا يوفون ويظهر فيهم السمن».
فليتق الله هؤلاء المربون في رعيتهم فإنهم مسئولون أمام الله عنهم وليضعوا نصب أعينهم قول النبي صلى الله عليه وسلم «ويل للأمراء ويل للعرفاء ويل للأمناء. وليتمنين أقوام يوم القيامة أن ذوائبهم معلقة بالثريا يتذبذبون بين السماء والأرض ولم يكونوا عملوا علي شيء»ـ وفي رواية «وأنهم لم يلوا عملًا»، وليقتدوا بسيرة السلف الصالح من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فقد روي أن عثمان بن عفان أراد أن يقرض بعض الناس من الخزينة العامة، وطلب إلى خازن بيت المال أن ينفذ رغبته في ذلك فأبى عليه الخازن فقال له عثمان أتأبى عليَّ ذلك وأنت موظف عندنا ، فجاء إلى المسجد وقال للناس بصوت يسمعه كل من في المسجد: أيها الناس لقد زعم عثمان أني خازن له، وإنما أنا خازن بيت مالكم لا بيت ماله، وها هي مفاتيح بيت المال أردها إليكم. ثم رمى بالمفاتيح وخرج . وهكذا تكون أمانة الموظف المخلص الذي يأبى أن يتملق لرئيس أو زعيم. ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ (آل عمران 102)
اللهم هل بلغت؟ اللهم فاشهد ولا حول ولا قوة إلا بالله العظيم ، هو مولانا نعم المولى ونعم النصير.
حماد علي محمد التونسي
ص . ب ٤٣٨٩ - جدة
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل