العنوان متى تؤدي الحكومات الإسـلامية واجب النصرة للشيشان؟
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 02-نوفمبر-1999
مشاهدات 63
نشر في العدد 1374
نشر في الصفحة 9
الثلاثاء 02-نوفمبر-1999
تستمر المذابح التي ترتكبها القوات الروسية في جمهورية الشيشان تحت سمع العالم وبصره دون أدني محاولة لردع المعتدي الغاشم، أو مد يد العون للمعتدى عليه المستصرخ المستغيث اللهم إلا بعض عبارات التنديد الجوفاء الخالية من أي روح والصادرة من بعض الدول الغربية لقد التزم الجميع الصمت عما يحدث للشيشان من إبادة لشعب بأكمله تحت زعم أنها قضية داخلية تخص روسيا وحدها، وهي حجة داحضة من أوجه عدة
1. فهذه البلاد كانت مستقلة عن روسيا في الأصل ثم جرى ضمها بالقوة والقهر إلى روسيا ثم الاتحاد السوفييتي، ثم إلى الاتحاد الروسي من جديد دون رغبة من أهلها الذين بقوا متشوقين على الدوام لليوم الذي ينالون فيه حريتهم واستقلالهم، وإذا كانت الحقوق المهضومة لا تسقط بالتقادم، فإن حق الشيشان وبقية جمهوريات القوقاز في نيل الاستقلال الذي حرمتها منه الأطماع التوسعية لروسيا لم ولن يسقط طال الزمان أم قصر.
2- ثم إن هناك اتفاقات وقعت بين روسيا والشيشان في أعقاب الحرب التي دارت بينهما بين عامي ١٩٩٤م و١٩٩٦م وشكلت أساسًا للعلاقة بين الطرفين لكن موسكو خرقت العهود والمواثيق وأخلت بالاتفاقات واختارت أن تلغى الوضع المتفق عليه في التوقيت الذي تحدده، وبالطريقة التي تختارها والتي لا تعدو أن تكون غزوًا عسكريًّا همجيًّا للشيشان.
3- وإذا سلمنا جدلًا بما يزعمه الروس ويبرره الغرب ويرضى به الشرق من أن الحرب في الشيشان شأن روسي داخلي، فهل يجوز الدولة أن تعامل رعاياها على الوجه الذي تفعل روسيا في الشيشان هل يجوز استخدام الطائرات والمدفعية والصواريخ لضرب المدنيين، وقتل الأطفال، والنساء هل يجوز تشريد مئات الآلاف من المواطنين، هل يجوز حصار المدنيين وإغلاق الحدود بوجوههم ومنعهم من النجاة بأنفسهم من المذابح، وهل يجوز منع الأدوية والمعدات الطبية والمواد الإغاثية عنهم؟ هل يبرر وجود بعض الأشخاص الذين تعتبرهم موسكو ظلمًا وزورًا إرهابيين أن يعاقب شعب بكامله بهذه الطريقة الهمجية.
إن القوى المستكبرة الظالمة شرقيها وغربيها لا تكف عن الأخذ بسياسة الكيل بمكيالين، ولذا فإن من واجبنا ألا نعل من محاولة كشف هذه السياسات حتى لا يكون من بيننا من ينخدع بها أو يبررها، لقد كان الضم القسري لتيمور والمذابح الصربية في كوسوفا مبررين لتدخل الأمم المتحدة في الأولى، وحلف شمال الأطلسي في الثانية، فما بالنا وقد اجتمع السبيان في قضية الشيشان لا يتحرك العالم خطوة واحدة، الآن روسيا دولة نووية أم لأنها فتحت أبوابها للغرب ينهب ثرواتها كيف يشاء هل كان الغرب يكافئ روسيا لقاء تخليها عن حليفتها يوغوسلافيا، أم أن الصمت مرده توافق مصالح الطرفين في منع قيام أي كيان مستقل للمسلمين في تلك المنطقة، وإذا رضي الغرب بذلك فلا يجوز أن ترضی به حكومات عربية وإسلامية .
وفيما يعاني أهل الشيشان ما يعانون يخرج الأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان بمفهوم جديد لسيادة الدول يجيز فيه التدخل لحماية الإنسانية متسائلًا: هل من المقبول أن تترك الانتهاكات المنظمة لحقوق الإنسان تستمر بكل تداعياتها المأساوية من دون أن يكبح جماحها، مؤكدًا ألا شيء في ميثاق الأمم المتحدة يعوق الاعتراف بأن هناك حقوقًا وراء الحدود الجغرافية، ويرى عنان أن هدف ميثاق الأمم المتحدة حماية الوجود الإنساني للأفراد لا حماية الذين ينتهكونها وهي الحكومات.
ويضيف عنان أن الدول التي تورطت في سلوك إجرامي إذا ما أدركت أن الحدود لن توفر لها الدفاع المطلق وأن مجلس الأمن سوف يتخذ الفعل المناسب لوقف الجرائم ضد الإنسانية فإنها لن تلجا إلى هذا الأسلوب.
وهذه أفكار جديدة تطرح لأول مرة على مستوى هيئة الأمم المتحدة، ولكن مع قراءة الجملة الأخيرة من كلام عنان ندرك أن كل الكلمات المنطقة المدافعة عن حقوق الإنسان المضطهد لا قيمة لها ولا معنى، إذ يحال الأمر في النهاية إلى مجلس الأمن الذي تتحكم فيه خمس فقط من الدول لكل منها تاريخ وحاضر يدلان على انتهاك حقوق الإنسان وترسيخ القهر في أقطار عدة من العالم.
وبداهة، فإن مجلس الأمن المحكوم في اتخاذ قراراته بحق النقض الفيتو لا يستطيع أن يستصدر قرارًا بالتدخل في الشيشان، فضلًا عن أن يتطرق للموضوع من بابه أو يدين الممارسات الروسية هناك يومًا بعد يوم تتكشف انحيازية النظام العالمي القائم لأصحاب القوة والسلطة، وعمله لتحقيق مصالح القوى الكبرى وليس ذلك بمستغرب، فقد نشا بعيدًا عن القيم والمبادئ والأخلاق التي ينادي بها الإسلام وإلى أن يتحقق نظام أكثر احتراماً للقيم والمبادئ والأخلاق، فإن على الحكومات العربية والإسلامية أن تثبت وجودها في هذا العالم، وتقوم بما يمليه عليها التزامها الإسلامي من نصرة المظلوم، وردع الظالم بكل ما تستطيعه من سبل، وخاصة أن بيدها الكثير من الإمكانات التي تستطيع الضغط بها، إن أحسن توظيفها، ومن غير المقبول أن تترك الدول العربية والإسلامية شعب الشيشان الأعزل يواجه قوة كبرى باغية تعصف بمقدراته كما تشاء دون أن تؤدي له واجب النصرة المأمورة به شرعًا، ثم إنسانية وخلقًا.
نسأل الله تعالى أن يحفظ دماء المسلمين وأرضهم وأموالهم وأعراضهم في الشيشان والقوقاز وفي كل مكان وأن يجعل العبادة المسلمين شوكة في الأرض ترد عنهم كيد الكائدين ومخططات المتآمرين.