العنوان متى تفتح كنوز التجسس؟
الكاتب عمر ديوب
تاريخ النشر الثلاثاء 11-أغسطس-1992
مشاهدات 63
نشر في العدد 1011
نشر في الصفحة 42
الثلاثاء 11-أغسطس-1992
أقمار التجسس
· أقمار التجسس كشفت معلومات مهمة عن الأرض تستطيع أن تساعد في تنمية الدول الفقيرة لو أرادت ذلك الدول التي تمتلك هذه الأقمار.
شهد العالم حربًا باردةً دارت رحاها طوال 45 عامًا بين الشرق والغرب، وقد خاض كلا الطرفين غمارها بوسائل شتى كانت من بين أبرزها نشاطات التجسس. وفي أعقاب اندثار الشيوعية وتفكك الاتحاد السوفيتي، غدت الولايات المتحدة الأمريكية القوة الوحيدة المهيمنة في العالم. غير أن محور حديثنا يتمثل في السؤال الآتي:
هل يمكن الاستفادة من تلك الكمية الهائلة من المعلومات التي تم جمعها طوال هذه الحقبة عن طريق التجسس وترجمتها إلى ما يعود على الإنسانية بالخير والرفاه؟ بالطبع يمكن ذلك إذا عرفنا أن كثيرًا من هذه المعلومات تم الحصول عليها في بعض الأحيان عن طريق الصدفة، وتخص الدول النامية. وقد صرفت الولايات المتحدة الأمريكية ما يقارب من مائة بليون دولار أمريكي منذ أن وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها، وذلك لجمع المعلومات الدقيقة حول النشاطات الصناعية والعسكرية للدول الأخرى. وهكذا توصلت طائرات الاستطلاع المتطورة والأقمار «أو التوابع» الصناعية إلى التقاط الملايين من الصور الواضحة والدقيقة، تبين بجلاء مواقع المصانع والغابات ومخابئ الصواريخ وحركات الجيوش. وحرصًا على مساعدة سفنها وغواصاتها التي تبحر في المحيطات، قامت البحرية الأمريكية بدراسة طبيعة مياه البحار وسرعة التيارات وتقلبات المناخ فيها ودرجات حرارة المياه وتركيبها الكيميائي.
فتح الكنوز
والآن ولم يعد هناك أي خطر يذكر بشأن احتمال حدوث مواجهة بين الكتلتين الشرقية والغربية، وفي الوقت الذي اقتصرت فيه معظم نشاطات التجسس على المجالين الصناعي والتجاري، فما هي الجدوى في الاستمرار في إخفاء هذه المعلومات التي لو تم استغلالها لأنقذت العالم من ويلات الكوارث الطبيعية، مثل حالات الفيضان والجفاف وما ينجم عنها من مجاعة ومشاكل أخرى؟ وكان علماء البيئة سبّاقين إلى الدعوة إلى ضرورة فتح هذه الكنوز أمام الباحثين. وعلى حد قول بعض العلماء والجواسيس، فإن هذا الكم الهائل من المعلومات التي لم يتم بعد تقييمها قد تساعد في إيجاد حلول لكثير من المشاكل البيئية أيضًا. فعلى سبيل المثال، فإن لدى البحرية الأمريكية معلومات خاصة بدرجات حرارة مياه البحار والمحيطات، يمكن استغلالها لمعرفة ما إذا كان الارتفاع الطارئ في هذه الدرجات ناجمًا عن ازدياد انبعاث الغازات المضرة للبيئة. وقد بدأت البحرية الأمريكية في الخمسينات برسم خرائط دقيقة تبين مختلف درجات حرارة المياه السطحية للمحيطات، وكان الهدف من ذلك مساعدة غواصاتها النووية في خوض لعبة القط والفأر التي كانت تجمعها بالغواصات السوفيتية.
الأمن القومي أم إنقاذ العالم الثالث؟
وقد لاحظ الباحثون المدنيون ارتفاعًا في درجة حرارة مياه الجزء الشمالي من المحيط الأطلسي والبحر الأبيض المتوسط إلى عمق 2000 متر تقريبًا، ويمكن الاستفادة من هذه المعلومات لمعرفة ما إذا كانت الزيادة في سخونة المياه ظاهرة إقليمية أو عالمية. ويمكن أيضًا استغلال الصور المهمة التي تم التقاطها بواسطة الأقمار الصناعية للتقليل من حجم المخاوف التي تحيط حاليًا بتغير مناخ العالم. كما يمكن استغلال الأقمار الصناعية المستخدمة لأغراض مدنية مثل: التابعين الصناعيين LANDSAT وSPOT في كشف الملامح الرئيسية لمناطق الغابات لمعرفة تقدم الغابات من عدمه، ومعرفة ما إذا كانت الأشجار تشهد نقلة نوعية أم لا. غير أن الأقمار الصناعية المتطورة والتي تُستخدم لأغراض تجسسية تستطيع أن تلتقط صورًا تبين بدقة فائقة كل المعلومات الخاصة بنمو الأشجار والمناطق النائية في العالم، ويمكن الاستفادة منها للحصول على مزيد من المعلومات التي تخص هطول الأمطار والتقلبات المناخية في العالم. وعلاوة على ذلك، فلو تم استغلال الصور التي التقطتها طائرات التجسس في الخمسينات، وتلك التي تم الحصول عليها بواسطة الأقمار الصناعية منذ الستينات إلى الوقت الراهن؛ لَساهم ذلك في حل المعضلات البيئية في مختلف مناطق العالم. وعلى سبيل المثال، فإن ثمة صورًا مهمة تخص القارة الإفريقية، وتبين مدى تسبب الإفراط في رعي المواشي في المناطق شبه الجافة في زحف الصحراء، وبالتالي اتساع رقعة التصحر في القارة الإفريقية. كما أنه لو تم التوصل إلى الصور المدخرة في بعض وكالات الاستخبارات مثل الـ CIA الأمريكية والتي تخص جبال الهيمالايا لأمكن إيجاد تفسير لمعرفة ما إذا كانت ظاهرة التصحر على سفوح هذه الجبال سببًا مباشرًا في حدوث الفيضانات المأساوية في بنغلاديش بشكل دوري. كما يمكن أيضًا الاستفادة من بعض هذه الصور لمعرفة مدى تأثير سوء استخدام البيئة مثل قطع الأشجار على السحب وهطول الأمطار. واليوم، وفي ظل ما يسمى بالنظام الدولي الجديد، بات لزامًا أن يكون هناك تعاون وثيق بين مختلف وكالات الاستخبارات في العالم والباحثين حول التغييرات البيئية. غير أن معظم الدول تتلكأ وراء مسألة الأمن القومي، ولكي تكون هناك علاقة ناجحة بين أجهزة الاستخبارات والعلماء فلا بد من التخلي عن التكتم ونشر المعلومات التي كانت تعتبر إلى عهد قريب سرية، فضلًا عن أن هناك طرقًا لنشر هذه المعلومات المهمة دون إلحاق أدنى ضرر بالأمن القومي لهذه الدول.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل