; المجتمع تنشر الترجمة الكاملة للكتاب المثير لرجل المخابرات المغربي السابق أحمد بخاري- «مصالح الدول: كل شيء عن قضية بن بركة» الحلقة (٧): مجازر مأساوية.. ومقابر جماعية | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع تنشر الترجمة الكاملة للكتاب المثير لرجل المخابرات المغربي السابق أحمد بخاري- «مصالح الدول: كل شيء عن قضية بن بركة» الحلقة (٧): مجازر مأساوية.. ومقابر جماعية

الكاتب إدريس الكنبوري

تاريخ النشر السبت 31-ديسمبر-2005

مشاهدات 54

نشر في العدد 1683

نشر في الصفحة 44

السبت 31-ديسمبر-2005

الشاحنات ذات الصناديق التي كانت تجمع الجثث لم تكن تتوجه بها إلى ثلاجة الأموات في المستشفى بل كانت تتجه بها إلى حفرة كبيرة وقبور جماعية حفرتها الآلات الضخمة على بعد نحو 22 كيلومترًا من المدينة

أقلع الجنرال أوفقير بنفسه في مروحية تابعة للقوات المسلحة الملكية ليطلق النار على المتظاهرين واستمرت دورات الرمي نحو ثلاث ساعات مخلفة وراءها مجزرة لأنها كانت مجهزة بثلاثة رشاشات وعدد كبير من صناديق الذخيرة!

تم إحصاء 1550 قتيلًا على الأقل وآلاف الجرحى وآلاف المعتقلين.. ولم يكن هذا هو العدد الحقيقي.. وفي يوم 23 مارس وحده أمكن إحصاء 550 قتيلًا في ثلاجة الأموات بمستشفى الدار البيضاء

بن بركة كان محاطًا بعدة جواسيس في المغرب بين مايو 1962 ويوليو 1963 وفي الخارج خلال الفترة التي عاشها في المنفى بين يوليو 1963 وأكتوبر 1965

الملك محمد الخامس فوض إلى خبراء من جهاز المخابرات المركزية الأمريكية مهمة إعادة تنظيم وإصلاح المخابرات وكانوا متمرسين جيدًا في قضايا التجسس والاستعلامات والتوثيق!

خطأ كبير اقترفه بن بركة عندما قلل من أهمية العملاء السريين للكاب معتقدًا أن هؤلاء هم أنفسهم أولئك الهواة وقليلو الخبرة الذين كانوا يملؤون الساحة بين 1956و1960م

كان لـ «الكاب» في عام ١٩٦٥م مكتبان كبيران مختلفان، الأول مركزي في الرباط ومكاتب إقليمية في ست مدن المكتب المركزي 

كان بمقر «الكاب 1» رقم 5 مکرر شارع مولاي إدريس، حي حسان في الرباط، والمكاتب الإقليمية كانت تتكون من ست مفرزات للأمن في الدار البيضاء ومراكش وبني ملال وفاس ووجدة وتطوان، وكانت كل مفرزة عبارة عن فيلا سكنية بها قبو في حي هادئ ومعزول لا يشهد الكثير من المارة والعابرين.

أولًا: المكتب المركزي في الرباط كان مكونًا من ست مصالح مستقلة عن بعضها البعض ولكنها متكاملة في مهماتها: 

1– مصلحة مكافحة الشغب: وهي الأكثر أهمية وبمثابة المفتاح، حيث كانت مهمتها تصفية الأحزاب السياسية والنقابات والطلبة والحرب السرية ضد التخريب وأعمال الاختطاف والتعذيب والإخفاء والاعتقال كان العميد محمد العشعاشي هو الذي يقود هذه المصلحة ومعه مستشاره التقني الكولونيل مارتان الخبير في جهاز المخابرات المركزية الأمريكية، وكان ثلاثين سنة من المعاونين المقربين وهم محمد مسناوي وعبد القادر صاكا وأحمد ادجين وأحمد زيني ومحمد العلمي وأنا، أما المعاونون الآخرون فهم بناصر الكرواني وبوجمعة بوفوس ومحمد الورديغي والزياتي والخمسي علال وزولو ومواك ومرزوق والزراد وعبد السلام البقالي وأحمد أعباب ومولاي إبراهيم أو فقير ومولاي أحمد أوفقير والمعطي ریحان وعبد القادر الوالي والسيدة ثريا السوسي، وكانت مصلحة مكافحة الشغب في العام ١٩٦٥ تتوفر على شبكة واسعة تغطي كامل التراب الوطني.

٢– مصلحة مكافحة التجسس، وتأتي في الصف الثاني، ومهمتها جمع المعلومات والوثائق من السفارات والقنصليات المعتمدة والإعلام والشخصيات الأجنبية والأماكن العامة والأندية والحانات والمراقص والفنادق والمطاعم والبيوت المغلقة... إلخ. 

وكان على رأسها علي بن تاهيلة ومعه مستشاره التقني الكولونيل (سكوت) الخبير في جهاز المخابرات المركزية الأمريكية، وإلى جانبهما ستة معاونين مقربين هم: سفير ومناع وفنيش وبلمنصور ومحمد السوسي والسيدة التونسية ابنة السوسي زوجة ميلود التونسي من مصلحة العمليات التقنية، وشقيقة ثريا السوسي كاتبة مصلحة مكافحة الشغب. 

وكانت تتبع المصلحة مكافحة التجسس في العام ١٩٦٥ شبكة واسعة تغطي جميع التراب الوطني. 

٣- مصلحة العمليات التقنية التي تقع في الصف الثالث من الأهمية، وكانت مهمتها المراقبة السرية والترصد السري والعلني والتنصت على المكالمات الهاتفية وإعداد الطرود البريدية المفخخة وإبطال أنظمة الإنذار وفتح الصناديق القوية للسيارات وزيارة الأماكن بسرية من دون ترك آثار، وكان على رأسها العميد عبد الحميد جسوس ومستشاره التقني الكولونيل ستيف والعميد محمد العلوي المدغري، وكان إلى جانب كل من جسوس وستيف عدد من المعاونين من العملاء السريين يفوق عددهم العشرين منهم ميلود التونسي ومحمد النويمي ومحمد حليم وحسن بنيوسف ومحمد بتيش وعبد القادر الدرفوفي وبادري ومحمد تيهاد والعلمي والمنصوري وبترحو وباعلي ولم تكن هذه المصلحة تتوفر على شبكة للمعلومات.

٤- مصلحة الشؤون العامة التي تأتي في الصف الرابع، وكان دورها هو التنسيق بين الكاب والإدارة العامة للأمن الوطني ووزارة الداخلية والمكاتب الإقليمية للأمن والمصلحة الجهوية للتوثيق العام والتنظيم والمحاكم والدرك الملكي والقوات المسلحة الملكية وجميع الإدارات العامة في البلاد –وكان على رأسها العميد– أحمد بن عبد الله ومحمد غاليت ونحو عشرين معاونًا، ولم يكن بها أي خبير أمريكي كما لم يكن المخبرون فيها يحصلون على ملفات أو يتلقون أجورًا.

٥- مصلحة الأمن التي تأتي في الصف الخامس، وكانت مهمتها القيام بحراسة وأمن مقر الكاب والنقاط الثابتة والسكن الوظيفي لموظفي الكاب، وكان على رأسها العميد بدر الدين بنونة ومحمد بنعلي، ومعهما نحو أربعين معاونًا، ولم يكن بها خبير أمريكي أو مخبرون. 

٦- المصلحة الإدارية والمالية التي تأتي في الصف السادس، وكانت مهمتها تدبير الوسائل البشرية والمادية والمالية الموضوعة رهن إشارة الكاب من طرف الإدارة العامة للأمن الوطني، كما كانت مسؤولة عن الصندوق الأسود رقم 1 الذي كانت تقدر ميزانيته بخمسة مليارات سنتيم في السنة. 

وكان على رأس هذه المصلحة العميد جميل الحسين الذي كان معه نحو عشرين من المعاونين من بينهم السيدة وريث والسيدة الكرواني والعربي وريث والمعطي الشرقاوي وبوبكر الحسوني وعبد الرفيع العلوي وخويا وعبد الله المسناوي والحريشي وفاتح ونجاح ومولاي علي وجناح، ولم يكن بهذه المصلحة خبير أمريكي ولا مخبرون.

 ثانيًا: أما المكاتب الإقليمية، فكان على رأس مفرزة الدار البيضاء العميد محمد عينان ورزيق مع ٧٠ من العملاء السريين، وعلى رأس مفرزة (وجدة) العميد محمد السوسي و٦٠ عميلًا سريًا، وعلى رأس مفرزة (فاس) العميد حميدة بن عبد الله و۱۰ عملاء سريين وعلى رأس مفرزة (تطوان) ضابط الشرطة الشعيبي و١٠ عملاء سريين، وعلى رأس مفرزة (مراکش) ضابط الشرطة حمودة ومساعده الشيفوني و۲۰ عميلًا سريًا، وعلى رأس مفرزة بني ملال الضابط علابوش و۱۰ عملاء سريين.

أما المفرزات الثلاث المختصة بالاختطاف والاعتقال والملاحقة والتعذيب والمطاردة والبحث والمتابعة والإخفاء وإخفاء الجثث فقد كانت تتبع العميد محمد العشعاشي شخصيًا.

وكان على رأس المفرزة الأولى المختصة بالدار البيضاء عبد القادر صاكا وإلى جانبه ستة عملاء من بينهم عبد القادر الوالي وعبد العزيز الغيناوي، وعلى رأس الثانية المختصة بمنطقة الغرب والشمال والشرق وتافيلالت وفاس ومكناس كان هناك بناصر الفيناوي، أما الثالثة التي تغطي منطقة الجنوب وسوس عبدة ودكالة وتادئة والشاوية الكبرى فقد كان على رأسها المعطي ريان.

كان عساكر الكاب عام ١٩٦٥م نحو عشرة أشخاص نقلوا من القوات المسلحة الملكية إلى الكاب بعد إنشائها في بداية الستينيات أو من الإدارة العامة للأمن الوطني، ويتعلق الأمر بـ: 

-الجنرال محمد أوفقير رئيس الكاب ومدير الإدارة العامة للأمن الوطني ووزير الداخلية.

-القائد أحمد الدليمي مساعد رئيس الكاب ومساعد مدير الإدارة العامة للأمن الوطني.

-القائد بلهاشمي مساعد مدير مصلحة محاربة التجسس. 

-القائد علال بن الشيخ مساعد رئيس مصلحة مكافحة الشغب.

-الملازم أول بناصر الكرواني الذي رقي إلى رتبة ضابط رئيس في مصلحة مكافحة الشعب.

-الملازم أول العربي وريث الذي رقي إلى رتبة ضابط رئيس في المصلحة المالية والإدارية.

-السيدة وريث مساعد أول لرئيس الكتابة الخاصة لأوفقير في الكاب.

-السيدة الكرواني مساعد أول لرئيس الكتابة الخاصة للدليمي في الكاب.

-القائد بوسرغين والقائد بوبكيري.

 وكان مجموع العملاء في الكاب لا يتجاوز ۳۰۰ عميل بجميع مراتبهم المهنية، ثلثهم أي نحو ۲۰۰ يوجدون رهن إشارة رئيس مصلحة مكافحة الشغب الذي كان يدير -بدون أي رقابة– الصندوق الأسود رقم ٢ الذي كانت ميزانيته السنوية تقدر بحوالي ملياري سنتيم... لقد كان التخطيط يتم لعمليات الاختطاف داخل مصلحة مكافحة الشغب وبخاصة في الوحدة المختصة بالاتحاد الوطني للقوات الشعبية وبمساعدة عملاء مصلحة العمليات التقنية وعملاء مفرزات الأمن بكل من الدار البيضاء ووجدة وفاس وتطوان ومراكش وبني ملال، وكان العميد عبد الحق العشعاشي مسؤولًا عن مكتب أوفقير في الكاب وفي الإدارة العامة للأمن الوطني، والتنسيق بين الكاب ووزارة الداخلية والإدارة العامة للأمن والإشراف على الصندوق الأسود رقم 1 التابع للدليمي والذي كانت تقدر ميزانيته السنوية بنحو خمسة مليارات سنتيم، كما كان أيضًا الذراع الأيمن لأوفقير ورجل أسراره.

وفي العام ١٩٦٥م كان الكاب يتوفر على عدد من شبكات المعلومات والأخبار تتكون من ۲۰۰۰ مصدر تتعاون مع مصلحتي مكافحة الشعب ومحاربة التجسس، مقابل أجرة شهرية ورخصة بيع الخمور ورخصة نقل وامتيازات أخرى مهمة جدًا.

 وبين هذا العدد كان يتبع لمصلحة محاربة التجسس ۲۰۰ مصدر، والباقي يتبع لمصلحة مكافحة الشغب، أي ۱۸۰۰ مصدر. كان بينهم مسئولون في الأحزاب السياسية والنقابات ومسؤولو الحركة الطلابية من جميع المستويات التعليمية، وهذا على المستوى المركزي في الرباط أو المستويات الإقليمية في المدن الكبرى أو المحلية في المدن الصغيرة. لقد كان عدد كبير من مسؤولي الاتحاد الوطني للقوات الشعبية والاتحاد الوطني لطلبة المغرب يشكل جزءًا من مصادر أخبار الكاب، في المغرب كما في الخارج، وبين هؤلاء المسؤولين كان هناك أعضاء من الكتابة الوطنية أعلى هيئة تقريرية في الرباط مقربون من المهدي بن بركة في المنفى ومسؤولون شباب من الاتحاد الوطني للطلبة يدورون حول زعيم المعارضة المغربية في الجزائر والقاهرة وخاصة في باريس.

في مصلحة مكافحة الشغب كان من عادتنا أن نقدم إحصاءات وتحليلات دورية تهم حصيلة ما تقدمه تلك المصادر من معلومات وأعداد هذه المصادر، مع إجراء مسح لكل القصاصات بشكل سنوي، وتسمح لي هذه الإحصاءات والتحليلات اليوم بالقول إن تل المصادر كانت تشكل نسبة ٧٠% من أعضاء المكاتب السياسية أعلى هيئة تقريرية المنتخبين بشكل ديمقراطي داخل الاتحاد الوطني للقوات الشعبية والاتحاد الوطني لطلبة المغرب هؤلاء كانوا يتعاونون مع الكاب، وأقول ٧٠% من المسؤولين المنتخبين حتى لا يتم الخلط بين هؤلاء وبين الأعضاء الثانويين، أما في الأحزاب السياسية الأخرى، فإن النسبة تتراوح بين ٧٠ إلى ٩٠% بين مسؤوليها – إن هذا يبدو غير قابل للتصديق – ولكن ذلك كان الحقيقة في الحياة السياسية المليئة بالنفاق والوقاحة، وقد حصل هذا قبل ١٩٦٥م وبعدها لأن الغالبية من رجال السياسية قد وقعوا في فخ الكاب بين ١٩٦٠ و ١٩٧٣م.

من هنا يجب أن أقول بأن المهدي بن بركة كان محاطًا – دون أن يعلم! بعدة متعاونين في المغرب بين مايو ١٩٦٢ ويوليو ١٩٦٣م. 

وفي خارج المغرب أيضًا، سواء في فرنسا أو الجزائر أو مصر أو ألمانيا أو إسبانيا أو تونس خلال الفترة التي عاشها في المنفى بين يوليو ١٩٦٣ وأكتوبر ١٩٦٥، لقد اقترف بن بركة خطأ كبيرًا بالتقليل من أهمية العملاء السريين للكاب، معتقدًا أن هؤلاء هم أنفسهم أولئك الهواة وقليلو الخبرة الذين كانوا يملكون الساحة بين ١٩٥٦ و ١٩٦٠م تحت إمرة عميد الشرطة محمد الغزاوي، إنه لم يكن يعرف أن الملك محمد الخامس قد فوض إلى خبراء أمريكيين من جهاز المخابرات المركزية الأمريكية مهمة إعادة تنظيم وإصلاح جهاز المخابرات المغربية، وأن هؤلاء كانوا متمرسين جيدًا في قضايا التجسس والاستعلامات والتوثيق.

الفصل الثامن ۲۳ مارس

خلال أربعين عامًا من الاحتلال الفرنسي كان المغرب يعيش في وضع تخلف كبير جدًا على مستوى التعليم، ولذلك رأى العديد من الأسر البسيطة في استقلال البلاد علامة على ظهور الحق في تعليم أبنائها، وجميع الذين عاشوا تلك الفترة يتذكرون هذا جيدًا، إذ كان الاستقلال وثبة جماعية نحو المدارس، حيث أخذ الآباء والأمهات يندفعون إلى المدارس التعليمية لتسجيل أبنائهم وأحفادهم. 

لقد كان العطش إلى التعلم كبيرًا جدًا إلى حد أن الأسر الفقيرة كانت تفعل كل ما تستطيع التعليم أطفالها، ففي بلد لا تتجاوز فيه نسبة المتعلمين الـ ١٠ كانت معرفة القراءة والكتابة تفتح طريق المستقبل، وأي شهادة مدرسية مهما كانت تضمن حياة مستقرة ووظيفة في الدولة لأن المؤسسات والإدارات العامة كانت تدمج الشباب الحاصل على الشهادة تعليم الابتدائي بدون إجراء مسابقة كانت الدولة في حاجة إلى مضاعفة عدد المدارس الابتدائية الموجودة وبناء مدارس جديدة، لكن الجهود كانت أقل من المطلوب لأن كل سنة كانت تشهد تقدم ٢٠٠ ألف طفل للتسجيل وكانت عملية التسجيل تتطلب من الأسر المعوزة أعباء مالية كبيرة، وأحيانًا كان الآباء والأمهات يقضون في طوابير الساعات الطوال أمام إدارات المدارس للحصول على حقهم في تسجيل أبنائهم، لكن بالرغم من ذلك لم يكن التسجيل يفتح للأطفال طريق الولوج إلى النظام التعليمي، إذ في العام ١٩٦٥م لم يجد ٢ من كل ٣ أطفال في سن التعليم فرصتهم في سلك التعليم. في هذا العام أغلقت الدولة عددًا من المدارس تحت ضغط الأزمة الاقتصادية، ودفع التقشف الدولة إلى وضع قرارات واختيارات مؤلمة بل كارثة.

مظاهرات الطلبة

وفي مارس ١٩٦٥م وقع وزير التربية الوطنية دورية تنص على توجيه التلاميذ الذين تتجاوز أعمارهم الـ ١٨ سنة إلى التعليم التقني بشكل إجباري، استنادًا إلى معايير أوروبية صرف شجعته على اتخاذ هذا القرار الخطير. 

فحسب تلك المعايير الأوروبية يعتبر التلميذ الذي يبلغ عمره ١٨ سنة فما فوق ولم يعبر مرحلة التعليم الابتدائي سيئ التوجيه، إذ بسبب عدم وجود مقاعد شاغرة أصبح من غير الجائز بقاء التلاميذ سنتين أو ثلاثًا في المرحلة الإعدادية التحضيرية، حيث لم يكن التعليم يتم سوى في نصف الوقت، وهذا يعود إلى تأخر المغرب في بدء النظام التعليمي مما فوت على الأطفال والشباب إمكانية إتمام تعليمهم الابتدائي في سن ١٧ سنة من هنا كان رد الفعل العنيف والمبرر تمامًا وغير المتوقع ضد قرار وزير التربية الوطنية.

وفي ٢٣ مارس من تلك السنة انتشر الخبر مثل الفتيل في جميع المدارس الإعدادية والثانوية في الدار البيضاء، فنزل الأطفال بسرعة إلى الشوارع، وحدثت في ثانوية محمد الخامس الواقعة في شارع ٢ مارس مواجهات خطيرة، وتجمع التلاميذ في الساحة الكبيرة وبدأوا في رفع شعارات معادية للنظام قبل أن يغادروا الثانوية متوجهين إلى ثانوية مولاي عبد الله في حي لارميتاج فسار التلاميذ في صفوف منظمة رافعين شعارات منددة بالسلطة، وكان عدد المتظاهرين يتزايد باطراد حتى أصبحوا آلافًا، وما إن حان وقت الظهيرة حتى كان عدد المتظاهرين في الشارع قد وصل إلى مئات الآلاف، حيث التحق بالمظاهرات عشرات الآلاف من الشباب الساخط الذي غادر المدرسة، وتحولت المظاهرات إلى بحر آدمي تدفق في جميع أزقة وشوارع المدينة القديمة وغطى المعابر الحيوية لا يتراجع أمام أي شيء ويسطو على أي شيء يرمز إلى السلطة في طريقه المكاتب العمومية والإدارات والبنوك ومخافر الشرطة ودوائر الأمن في الأحياء كلها تعرضت للنهب أو الهدم أو الحرق كما تعرض المتظاهرون إلى السيارات والحافلات العمومية وأضرموا فيها النيران، وكسروا زجاج المحلات التجارية الراقية لنهب ما فيها.

وبدأ رجال الأمن والشرطة يطلقون الرصاص الحقيقي في الهواء لتخويف المتظاهرين أو الدفاع عن أنفسهم، لكن بلا جدوى. فقد زاد ذلك في غضب المتظاهرين فحاصروا مقر الشرطة في درب الكبير. بشارع أحمد الصباغ وأغلقوا الباب من الخارج وحاولوا إشعال النار في رجال الأمن المتخفين بالداخل فقر رجال الأمن من الخلف بطريقة منظمة للنجاة بأرواحهم من ساحة الإعدام، حتى سجن غبيلة تعرض له المتظاهرون بهدف فتح أبوابه أمام المعتقلين. وتحولت المظاهرات إلى هبة شعبية بالمعنى الصريح للكلمة، بل ثورة دموية، وغطيت ساحات المدينة القديمة بالدماء والنيران، ولم يستطع المئات بل الآلاف من رجال الأمن والشرطة وعناصر القوات المساعدة فعل شيء أمام ذلك السيل البشري الذي تجاوزهم وتدخلت كتيبة القوات المسلحة الملكية بالدار البيضاء لكن دون جدوى، فكان لا بد من الاتصال بكوماندوهات القوات المساعدة ووحدات القوات المسلحة الملكية في الثكنات الواقعة بعين حرودة والرباط والصخيرات وبن سليمان للتدخل سريعًا قبل أن يتحول الوضع إلى كارثة حقيقية.

 وفي النصف الثاني من النهار أقلع الجنرال أوفقير عبر مروحية تابعة للقوات المسلحة الملكية، مرفوقًا باثنين من البارعين في إطلاق النار من الكاب بناصر الكرواني والمعطي ريحان، وعندما أصبحت المروحية فوق ساحة المدينة القديمة بدأ أوفقير ومرافقاه بإطلاق النيران على المتظاهرين استمرت دورات الرمي نحو ثلاث ساعات مخلفة وراءها مجزرة حقيقية، لأن المروحية كانت مجهزة بثلاث رشاشات وعدد كبير من صناديق الذخيرة، وقد استعمل أوفقير نفس تلك المروحية لإطلاق النار على المتظاهرين في الدار البيضاء يومي ٢٤ و ٢٥ التاليين. 

لقد زعزعت تلك المظاهرات التي عمت أيضًا جميع مناطق المملكة النظام المغربي وكادت أن تودي به إلى الحافة وخلال الأيام الثلاثة من ۲۳ إلى ٢٥ مارس، كان الملك الحسن الثاني يتابع من قصر الصخيرات تلك الأحداث الدامية من خلال التقارير التي كانت تصله كل صباح من محمد العشعاشي. وكان هذا الأخير قد أرسل العشرات من العملاء المتابعة التظاهرات وتسجيل الوقائع، وكنت أنا من بين هؤلاء وبعد انتهاء المظاهرات تم إحصاء نحو ١٥٥٠ قتيلًا على الأقل، وآلاف الجرحي وآلاف المعتقلين، وفي يوم ۲۲ مارس وحده أمكن إحصاء ٥٥٠ قتيلًا في ثلاجة الأموات بمستشفى الدار البيضاء.

 وقد فرض أو فقير حظرًا للتجوال طيلة تلك الأيام الثلاثة الحزينة التي بدت بلا نهاية ما بين الساعة السادسة مساء والسادسة صباحًا، وكانت الساعات الاثنا عشرة تلك تسمح بالقيام بالتنظيف لجمع الجثث التي تنتشر في الشوارع في شاحنات صغيرة ذات صناديق تابعة للجماعات المحلية ومخصصة لجمع القمامة.

لقد كان هناك عدد كبير من الأطفال والنساء والشيوخ بين الأموات أصيبوا بعدة رصاصات في الظهر والرأس. 

لكن المعلومات التي تم الحصول عليها في عين المكان تجعلني أؤكد أن عدد القتلى الذي حدد في ١٥٥٠ لم يكن هو الرقم الحقيقي، لأنه لم يشمل عشرات الجثث التي أخطأها إحصاء عملاء الكاب لهذا السبب أو ذاك، فالشاحنات ذات الصناديق التي كانت تجمع الجثث لم تكن تتوجه بها إلى ثلاجة الأموات في المستشفى، بل كانت نتجه بها إلى حفر كبيرة، وقبور جماعية حفرتها الآلات الضخمة على بعد نحو ٢٢ كيلومترًا من المدينة قريبًا من مقلع للأحجار، وكان هذا المقلع في ملكية شركة سيكسكام التي كان يديرها يهود (شركة غرابال بين ۱۹۹۰ و ٢٠٠٠م)، كما كانت الآلات الضخمة للحفر تابعة له، وقد أصدر الجنرال أوفقير أوامره إلى عميد الأمن علي بنقاسم لحجزها، حيث ظلت تعمل ليلًا ونهارًا طيلة أيام الأحداث الدامية لحفر القبور الجماعية ودفن الجثث كما أصدر أوامره المصادرة جميع منتجات معامل الدار البيضاء من الجير والجبس من أجل استعماله في تغطية الجثث بطبقة كبيرة منه قبل الدفن بالتراب ثم تغطية المقابر بطبقة أخرى من الجبس بسمك متر تقريبًا مع التراب.

بعد أيام قليلة من تلك الأحداث ظهر الملك الحسن الثاني على شاشة التلفزيون يوم ۲۹ مارس ١٩٦٥م، حيث توجه إلى الشعب المغربي معبرًا عن حسرته: لقد وضعتني في اختبار شعبي العزيز، وبعد أن قدم عرضًا سوداويًا للوضعية الاقتصادية في البلاد استشهد بتشرشل ولم يعد بغير الدم والعرق والدموع، لكن الدم سال منه الكثير، ثم غمز ناحية الوسطاء السياسيين، أي الأحزاب السياسية والنقابات العمالية مستعملًا مصطلحات لا تترك أي مجال للشك في مسؤوليتها عن تلك الأحداث والوقوف وراءها. كان الحسن الثاني في أقصى حالات الغضب فقد شعر بأنه تعرض للإهانة من طرف هؤلاء الشباب الذين خرجوا للشوارع رافعين شعارات وكلمات معادية لحكمه أمام جميع وسائل الإعلام الدولية، وتعرضوا بالضرر لجميع رموز الدولة من رجال أمن وشرطة وقوات مساعدة وجيش، وحمل المسؤولية في كل ما حصل للشباب ولآبائهم الذين وصفهم بالكلاب التي تستحق الفلقة..

يتبع

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 547

82

الثلاثاء 20-أكتوبر-1981

ماذا لو كان فرعون بلا جنود؟

نشر في العدد 497

93

الثلاثاء 16-سبتمبر-1980

المجتمع المحلي: (497)