; مجاهدون راشدون | مجلة المجتمع

العنوان مجاهدون راشدون

الكاتب د. عيد عبد الحميد

تاريخ النشر السبت 30-مارس-2002

مشاهدات 63

نشر في العدد 1494

نشر في الصفحة 46

السبت 30-مارس-2002

 جملة من الأحكام والتشريعات اعتصم بها النبي صلى الله عليه وسلم وصحبه في حركاتهم وسكناتهم وهي جديرة بتنوير طريقنا في معركة اليوم مع شر الأنام 

ما كشفته الشرعة الحنيفة من حقائق وأتت به من نصائح وتوجيهات، غدا لدى كثير من الناس- بعد طول كبوة وعمق غفوة - من الأمور المسلمات، في حين هو لدى المجاهدين الأفذاذ في طليعة ما ترسخ لديهم من قناعات واستقر في قلوبهم من يقينيات من ذلك ما كشفته الشرعة من حالة غدت سنة من سنن الدعوات، مفادها أنه لن تخمد نيران العداوات، في نفوس أهل النحل الزائفات والملل المحرفات تجاه أهل التوحيد أتباع خاتم النبوات.

فهذا أمر مفهوم ومن قدم الزمان معلوم، وقد أنبأ به بلسان مسدد ورقة بن نوفل بن أسد عندما قال لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم: «إذ يخرجك قومك» فقال صلى الله عليه وسلم: أو مخرجي هم قال: «نعم، لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي» متفق عليه، فهي حجة دامغة تلجم كل من همه أن يعكر لهذا الدين الصفاء، ويميع لدى المسلمين عقيدة الولاء والبراء عبر تشدقه بإلغاء حالة الصراع والعداء يخيل إليه أنه بوسع البشرية جمعاء- أن تلتقي على حالة من الوئام والصفاء، متجاوزًا بذا الحقيقة التي سطرها المولى في كتابه ﴿وَلَن تَرْضَىٰ عَنكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ(البقرة:١٢٠) وما كشفه عزّ وجلّ: ﴿وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا(البقرة:۲۱۷) وما يخالج صدور العدو من قبيح أمنياته ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً(النساء:۸۹)، في ضوء ذلك فما ظن من يريد أن يلغي حالة الصراع بين المسلمين المستضعفين في فلسطين وبين يهود المغتصبين؟!.

إن المصطفى صلى الله عليه وسلم: وبلسان عربي مبين يرسم طريق النجاة لعباد الله المؤمنين، فتراه يجيب من سأله عن الفرقة الناجية بقوله: «ما أنا عليه اليوم وأصحابي»، الإمام أحمد - المسند ٢/322، فلم يدرج المصطفى صلى الله عليه وسلم: الفرقة الناجية تحت مسمى معين تحتكر فيه، إنما أحال السائل إلى المنهج الذي يتوجب الاستمساك به والانخراط فيه ليعصم صاحبه من الضلالة والتيه.

فما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم: وأصـحــابه في شتى أحوالهم وحركاتهم وسكناتهم بعد سبيلًا للإنقاذ لمن لجأ إليه ولاذ، ومما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وصحبه الكرام، جملة من التشريعات والأحكام، تنور طريقنا في خضم معركتنا مع شر الأنام، ونحاج بها من زج نفسه في دائرة الأوهام والأحلام، وكل مقام يواجه اهل فلسطين في غضون نفيرهم وزحفهم، فلنبينا صلى الله عليه وسلم عنده وقفة وله فيه مقال.

ففي مقام استنصاح المشركين قال صلى الله عليه وسلم: «لا تستضيئوا بنار المشركين» أحمد، المسند 2/99 أي «لا تشاوروهم في شيء من أموركم» أحكام القرآن لابن عربي 1/296 فقد «شبه الاسترشاد بالرأي بالاستضاءة بالنار إذ كان فعله كفعلها في تبيين المبهم وتنوير المظلم» النهاية في غريب الحديث لابن الأثير3/105.

وفي مقام التواطؤ معهم قال صلى الله عليه وسلم: «من جاء مع المشرك وسكن معه فإنه مثله» سنن أبي داود والترمذي، قوله: «من جاء مع المشرك» أي «أتى معه مناصرًا وظهيرًا له» «عون المعبود للمباركفوري7/478» سواء أكانت المناصرة أمنية أم مادية أم إعلامية بترويج تطلعاته وتزيين هفواته وتبرير سقطاته وتسويقمخططاته.

وفي مقام استعمال المشركين قال صلى الله عليه وسلم: «إن قومًا كانوا أهل ضعف ومسكنة قاتلهم أهل تجبر وعداء، فأظهر الله أهل الضعف عليهم فعمدوا إلى عدوهم فاستعملوهم وسلطوهم فأسخطوا الله عليهم إلى يوم يلقونه» «الإمام أحمد المسند 5/407» فإذا كانت هذه حال من يستعملهم فكيف تكون حال من استحال أداة طيعة في أيديهم؟.

وفي مقام ترسيخ الولاية بين أهل الإيمان والبراءة من أتباع الشيطان والطغيان قال صلى الله عليه وسلم: «أوثق عرى الإيمان الموالاة في الله والمعاداة في الله» (الطبراني في المعجم الكبير 20/480 وصححه الحاكم).

وفي مقام نصرة المؤمنين وعدم خذلانهم وإسلامهم للمتربصين والباغين قال صلى الله عليه وسلم: «المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه» متفق عليه، وقوله صلى الله عليه وسلم: «وما من امرئ مسلم ينصر مسلمًا في موضع ينتقص فيه من عرضه وينتهك فيه من حرمته إلا نصره الله في موطن يحب فيه نصرته» (أ خرجه أبو داود في سننه(4884:

 وفي مقام حصر المحبة في صفوف المؤمنين واحتجابها عن أعداء الملة والدين قال صلى الله عليه وسلم: «من أحب لله وأبغض لله وأعطى لله ومنع لله فقد استكمل الإيمان» (أخرجه أبو داود في سننه:4681). 

ومن الثلاثة التي أقسم عليها النبي صلى الله عليه وسلم: «ولا يحب رجل قومًا إلا كان معهم أو منهم»، (أخرجه الحاكم في مستدركه:8373).

وفي مقام مكاشفة الظالمين للانتصاف للمظلومين، ككف أيديهم عن ملاحقة الأحرار ومطاردة الأخيار، ومحاصرة المجاهدين قال صلى الله عليه وسلم: «إذا رأيت أمتي تهاب فلا تقول للمظالم يا ظالم فقد تودع منهم»، (الإمام أحمد المسند: 2/ 190).

وفي مقام تحصين الجبهة الداخلية واستدرار تكاتفها وتساندها وتكافلها ورص صفوفها في وجه عدوها قال صلى الله عليه وسلم: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى» متفق عليه، (مسلم:2586، بخاري:6011).

 وفي مقام تعميق الوشائج مع المجاهدين والقيام على حوائج أهليهم وذراريهم ما داموا غائبين قال صلى الله عليه وسلم: «من جهز غازيًا في سبيل الله فقد غزا، ومن خلفه في أهله بخير فقد غزا» متفق عليه، (مسلم:1895، بخاري:2843).

فهذه جملة من الثوابت والمبادئ كان عليها النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فإن نحن تشبثنا بها وعضضنا عليها بالنواجذ، ستظل تهدي خطانا في خضم صراعنا للتي هي أقوم، وتدفع بنا في مواقفنا للتي هي أحكم، وفي آخرتنا تسوقنا بإذن الله مولانا التي هي أسلم وأنعم.

 وإن بدلنا وغيرنا وتثاقلنا أن نخرج على الناس بمثل ما خرج به عليهم نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضوان الله عليهم، بذريعة عدم استفزازهم وإثارة حفيظتهم وإضرام نار عداوتهم فيا حسرة على العباد!، سيكون موقف عدوهم منهم أطغى وأظلم وستمضي بهم السبل للتي هي أسأم.

إذ تقرر ذلك فأي المبادئ أحق أن تتبع، وبها يصدع، وعليها يلتقي ويجتمع؟ تلكم المبادئ التي أعلنها المصطفى الأمين صلى الله عليه وسلم أم «لائحة إعلان مبادئ» تملى علينا بكرة وأصيلًا وفي كل حين تريدنا أن نصافي - فضلًا عن أن نسالم - من طوقت أيديهم أعناقهم أهالي فلسطين بمظالمها؟.

 فهل من إيمان مثل إيمان محمد صلى الله عليه وسلم وصحبه، ليهتدي كل منا فيستقيم في دربه، ويبقى سائرًا في مرضاة ربه مرابطًا في معسكر التوحيد وجزيه، مؤتمنًا على قضايا أمته ودماء شعبه ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنتُم بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوا(البقرة:۱۳۷) اهتدوا في كل ميدان، ومنه ميدان مقارعة الطغيان، ﴿وَّإِن تَوَلَّوْا(البقرة:۱۳۷) عن مثل ما كان عليه نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وصحبه الكرام المجاهدون ﴿فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ ۖ﴾ (البقرة:137) سيشيع بينهم التنازع والشقاق ويحل بساحتهم الانقسام والانشقاق، لتغشاهم مذلة، وترتسم عليهم ذلة تلازمهم في الحياة الدنيا إلى يوم التلاق.

الرابط المختصر :