العنوان مجتمع الاستشهاديين: الشهيدة سناء قديح
الكاتب عبد الرحمن فرحانة
تاريخ النشر الجمعة 21-مايو-2004
مشاهدات 59
نشر في العدد 1601
نشر في الصفحة 39
الجمعة 21-مايو-2004
«لا أخشى الشهادة بل أحبها... حين يريدونني سيجدونني فوق مقعدي المتحرك.... فانا لا أختبئ« الشهيد أحمد ياسين
أنثى غزية تلبست صلابة الرجال، وجددت نماذج نساء السلف الصالح من الصحابيات الجليلات في عصر العولمة الذي يبتغي شياطينه أن يحولوا المرأة فيه إلى إناء جسدي مترع بشبق الجنس ولهيب الشهوة.
سناء.. أنثى استشهادية تسترجع صورة النموذج السلفي، من أمثال أم عمارة والخنساء لتبثها على شاشة المشهد الفلسطيني المجاهد، إنها نموذج مقدسي يثبت أن الأمة لم تمت وغير عاجزة عن إنجاب المرأة القادرة على صناعة المجد كتفًا بكتف مع الرجال الرواحل الذين يمتطون صهوة العز لإنتاج مشروع حياة للأمة مشوب بدم الشهداء وأنفة الكبرياء.
زوجها «باسم قديح».... رفيقها من ثلة القساميين الذين يرابطون في الثغر الأسير.. قائد صلب لا يلين ولا يعرف خنوع الاستسلام.. حاصره القتلة من قريظة في منزله في فجر 21/3/2004م... قال له أخوه عزام قديح أثناء الحصار: لتستسلم يا أخي.. لكن أسود القسام لا يعترفون بهذه الكلمة ولا يقبلون أن يدرجوا كلمة الاستسلام في سيرهم أو في معجم ثقافة المقاومة التي تربوا في مساقات عزتها وعنفوانها.
ضاق الحصار على العرين.. وخرج الجميع من المنزل، وظل الأسد القسامي يقاتل، ولكنه لم يكن وحيدًا، بل كانت المرأة الفولاذية سناء، بجانبه تضغط بأصبعها الرقيق الذي تمرد على ألوان «المناكير» على زناد رشاشها ليحصد من إخوان القردة والخنازير عددًا يخجل رجولتنا المعلبة.
وتحت سحب الدخان وأزيز الرصاص حاول أخو زوجها عزام أن يقنعها بالانسحاب معهم إلى منطقة أمنة لنترك الأسد القسامي وحده.. لكنها في لحظة الوداع التي لا يطيقها حتى الرجال.. احتضنت أطفالها عاصم وعلاء وإسلام ومصعب وقبلتهم واحدًا واحدًا ليخرجوا مع عمهم, ولتقول بعنفوان سلفي فريد متعلق بما عند الله تعالى «وما العيش إلا عيش الآخرة».
بعد ساعات من القتال الضاري ضاق الحصار على العرين أكثر فأكثر. وظل رشاش سناء يزغرد في الأفق المقدسي وسط صمت القبور في عواصم الليل العربي.. وباسم يجندلهم واحدًا تلو الآخر.. ثم قفز عليهم من فوق منزله المحاصر ليفجر جسده الطهور ولتتحول أشلاؤه رسائل موت تمزق أرواحهم الشريرة.
وظل رشاش سناء يزغرد بالرصاص حتى قذفتها مروحية صهيونية لعينة مزقت جسدها لترتفع إلى عليين... فماتا زوجين كما عاشا زوجين، وفي جنة العلا الملتقى بمشيئة الله تعالى عند المليك الأعظم جل شأنه.
لم تنته الحكاية بعد....
فـ «إسلام» ابنتهما ذات الثلاثة عشر ربيعًا تصر أن تكمل مشاهد الرواية.. وفي حفل تأبين الشهيد الشيخ أحمد ياسين في خان يونس في 24/3/2004م تقول بحروف ممزوجة ببراءة الطفولة وعنفوان المقاومة: «يا أبناء حماس.. يا أبناء الياسين.. إن الله اختار والدي ووالدتي إلى جواره فقد أكرمهما الله أحسن تكريم وهو سيتولانا من بعدهم بعد أن هدم القتلة بيتنا»، وبكلمات مغسولة بحر الدموع تابعت: «نعاهد الله وروح أبي والقائد أحمد ياسين على أن نسير على درب الجهاد، والمقاومة، والشهادة، والشهداء».
الحاجة «فتحية قديح» والدة الشهيد» باسم» وحماة الشهيدة «سناء» تختتم آخر مشهد لهذه الحكاية الفلسطينية المتمردة في زمن الانكسار العربي لتقول: «الحمد لله لقد استشهد ابني وزوجته بعدما رفضا الاستسلام».
هذه ليست الحكاية الأخيرة في الرواية الفلسطينية الطويلة فسيتبعها حكايات أخرى ما دام الجرح المقدسي مفتوحًا على ضفتيه, وهذا ليس تخمينًا: فقد أجرى «برنامج غزة للصحة النفسية بين الأطفال» دراسة في قطاع غزة أظهرت أن ٢٥٪ من الأطفال ما بين ٩-١٧سنة يريدون أن يكونوا شهداء, منها نسبة عليا من الفتيات تصل إلى 32.2% بينما وصلت النسبة بين الفتيان إلى 68.8% وتشير الدراسة ذاتها إلى أن أحلام الطفل الفلسطيني غدت خالية من مطالب اعتيادية كبيت جميل أو رحلة ممتعة أو ملابس جميلة لتتحول إلى أحلام قومية ووطنية تتركز على طريقة الانتصار على اليهود القتلة.
وفي بيروت يقول حادي الشهداء المجاهد خالد مشعل لغفاة الليل الطويل: «لن نعفيهم ونسقط عنهم واجبًا، فالمقاومة مشروع رابح وليست خاسرًا... هذه ليست أمتنا إذا قبلت الضغوط الأمريكية وسكتت، فالله يدعوها إلى الجهاد بمالها وقدراتها، وإذا دعتها أمريكا إلى عكس ذلك فلتكفر بأمريكا».
إنه مجتمع الاستشهاد في الوطن وفي الشتات، وعلى الأمة واجب النصرة وإلا فليحضر كل مسلم منذ الآن جوابه لربه حينما يسأله: ماذا فعلت لهم؟