; محاكمة علنية لأداء التيار الإسلامي في نقابات مصر المهنية | مجلة المجتمع

العنوان محاكمة علنية لأداء التيار الإسلامي في نقابات مصر المهنية

الكاتب عبدالحي محمد

تاريخ النشر الثلاثاء 12-نوفمبر-1996

مشاهدات 56

نشر في العدد 1225

نشر في الصفحة 44

الثلاثاء 12-نوفمبر-1996

• د. «أماني قنديل»: النقابات المهنية شهدت ممارسة ديمقراطية إيجابية أثناء تولي الإخوان مسؤوليتها.

• د. «محمد سليم العوا»: احتكار الإخوان للعمل النقابي تهمة باطلة ولا يزايد أحد على موقف الإخوان من الديمقراطية فالإخوان ديمقراطيون في أي مكان حلوا فيه.

• د. «عبد الفتاح شوقي»: مجلس التيار الإسلامي لم يحرم الأقباط من حقوقهم، بل ضم إلى تشكيله قبطیان بارزان لم يحالفهما النجاح في الانتخابات.

• د. «صموئيل الصبغ»: معايشتي للإخوان أكدت أنهم أخلص فئات الشعب وطنية وخدمة لبلادهم.

فيما يشبه المحاكمة العلنية لأداء التيار الإسلامي في نقابة الأطباء بصفة خاصة والنقابات المهنية بصفة عامة عقدت نقابة أطباء القاهرة ندوة لمناقشة دراسة أعدتها د. «أماني قنديل» -الباحثة بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية- حول الدور السياسي لجماعات المصالح في مصر... دراسة حالة لنقابة الأطباء ١٩٨٤- ١٩٩٥، وعلى مدار ٤ ساعات كاملة شهدت الندوة مناقشات ومداخلات مهمة حول موقف التيار الإسلامي من الديمقراطية، وكيفية وأسباب تصاعد المواجهة بينه وبين الحكومة، والمخاطر التي يواجهها العمل النقابي والوطني في مصر.

وقد ازدادت الندوة – التي شارك فيها تيارات نقابية وإسلامية وقبطية وسياسية بارزة- سخونة عندما شن د. «حمدي السيد» نقيب الأطباء هجومًا حادًا على الإخوان المسلمين مناقضًا لمواقفه السابقة، واتهمهم بأنهم السبب الرئيس في تدهور العلاقة بين النقابات المهنية والحكومة، وجاء رد د. «محمد سليم العوا» على اتهامات نقيب الأطباء ليزيد حيوية الندوة، ويفتح الباب لنقاشات مهمة حول ما تروجه بعض القوى السياسية عن تكتيكات الإخوان- التي شارك فيها تيارات للاستيلاء على الحكم، وكذا اضطهاد الأقباط.

المجتمع تابعت الندوة ورصدت أهم وثائقها ومناقشاتها.

استعرضت د. «أماني قنديل» في بداية الندوة كتابها المهم، حيث ذكرت في بداية حديثها أن السبب الرئيس وراء اختيار نقابة الأطباء لدراستها يعود إلى أن تلك النقابة أعطت نموذجًا جيدًا لأهم نقابة مصرية تحركت بحيوية ونشاط في الفترة من ۱۹۸4 - ۱۹۹5، سواء على الصعيد المهني أو القومي، هذا بالإضافة إلى قيادة التيار الإسلامي لمقاليد أمورها في تلك الفترة، ودخولها في علاقات صدام مع السلطة السياسية.

صنفت د. «أماني قنديل» أعضاء نقابة الأطباء من حيث طبيعة عملهم ومدى ارتباطهم بالحكومة إلى عدة كتل أو قطاعات، وهو تصنيف هام يؤثر على مسار التحالفات السياسية داخل النقابة وعلى مسار عملية الانتخابات بهاء القطاع الأول هم أطباء وزارة الصحة، والذين يمثلون أحد أهم آليات الحكومة والحزب الوطني داخل النقابة خاصة فترة الانتخابات، وإلى جانبهم القطاع الثاني الهام وهم أطباء القوات المسلحة، ويشكل القطاعان معًا غالبية أعضاء النقابة الذي يصل عددهم إلى مائة ألف ومائتي عضو، أما القطاع الثالث فهم الأطباء أساتذة الجامعات الذين يعملون في الوقت نفسه خارج دائرة الحكومة، سواء في عياداتهم الخاصة أو في مستشفيات خاصة، أما القطاع الرابع والأخير فيضم الأطباء الذين يعملون في دائرة الخدمة الصحية الخاصة.

وبعد كل قطاع من القطاعات الأربعة السابقة كتلة تصويتية ضخمة برزت خلال فترات الانتخابات خاصة منذ انتخابات نقابة الأطباء عام ١٩٨٤، والتي نجح فيها بعض عناصر التيار الإسلامي، وعلى أي حال فإن تلك الفترة شهدت بروز ثلاث جبهات متنافسة الجبهة الأولى وهي جبهة التيار الإسلامي التي حازت ثقة غالبية أطباء القطاع الخاص والأطباء الشبان، أما الجبهة الثانية فهي جبهة الحكومة والحزب الوطني والتي تستند في الأساس على كتلة أطباء وزارة الصحة وأطباء القوات المسلحة، والجبهة الثالثة وهي الجبهة الليبرالية، وتتشكل من الأطباء الشبان بشكل أساسي، وتضم أطباء مسلمين وأقباطًا وتطرح شعار «نقابة لكل الأطباء«، وقد ساعدت الحكومة تلك الجبهة في تأسيس عدة جمعيات أو منظمات أهلية تحت مسميات مختلفة استهدفت الحد من قوة وفاعلية التيار الإسلامي بنقابة الأطباء من أبرزها جمعية نهضة مصر والجمعية المصرية للأطباء الشبان بالقاهرة، وجمعية أطباء مصر بالإسكندرية واتحاد أطباء الإسكندرية، وقد استخدمت الحكومة تلك التنظيمات كأليات لمواجهة وحصار التيار الإسلامي بنقابة الأطباء، وظهر ذلك واضحًا وجليًا في بياناتها بتأييد قانون النقابات المهنية الموحد رقم ١٠٠ لعام ۱۹۹۳ وتعديلاته عام ١٩٩٥ والتي استهدفت الحد بصورة كبيرة من حركة التيار الإسلامي داخل النقابة المهنية.

صعود التيار الإسلامي

وتساءلت الباحثة: لماذا نجح التيار الإسلامي في نقابة الأطباء خاصة والنقابات المهنية بصفة عامة؟ أرجعت الباحثة هذا النجاح المجموعتين من العوامل المجموعة الأولى ترتبط بطبيعة التعددية السياسية المقيدة في النظام السياسي المصري ووجود قوى سياسية محجوبة عن الشرعية من ناحية والفاعلية المحدودة للحياة الحزبية من ناحية أخرى، وهي سمات عامة مهدت الأرضية الصعود التيار الإسلامي إلى مجالس النقابات المهنية، وتحول ساحات هذه النقابات للعمل السياسي المجموعة الثانية ترتبط بنقابة الأطباء، حيث تزايد عدد أعضائها من الشباب بدرجة كبيرة احتدمت مشكلاتهم الاقتصادية والاجتماعية، وزاد اقتناعهم بفشل الحكومة في حلها.

وذكرت د. «أماني قنديل» أن هناك عوامل خاصة بأبناء التيار الإسلامي ساعدتهم على النجاح، أولها تمثل في الاستراتيجية التي اتبعها التيار الإسلامي في النقابة والقائمة على زيادة قاعدة المستفيدين من الخدمات التي تقدمها النقابة وثانيهما قيام الإسلاميين بدور سياسي نشط ومستقل يتوجه إلى القضايا القومية وقضايا السياسة الداخلية والخارجية للتعبير عن رؤية شاملة للحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، هذا بالإضافة إلى القدرات والمهارات التنظيمية العالية التي يتمتع بها أبناء التيار الإسلامي وإدراكهم لطبيعة دورهم باعتبار المهنيين هم الطبقة الفاعلة والمؤثرة في المجتمع، وكذا وجود ترابط قوي في رؤاهم بين الدور المهني للنقابة، والدور السياسي لها في إطار المتغيرات الإقليمية والدولية.

خمس إشكاليات

وذكرت الباحثة أن دراسة نقابة الأطباء خلال تولي التيار الإسلامي لقيادتها تطرح خمس إشكاليات وقضايا مهمة وهي:

إشكالية التوازن بين الدور السياسي القومي والدور الخدمي المهني إزاء أعضاء النقابة فالواضح أن هناك إنجازات كبيرة تحققت الأعضاء النقابة: على صعيد المهنة، فقد زادت أصول النقابة الثابتة من ٧٨ ألفًا و ٤٧٦ جنيهًا عام ١٩٨٥ لتصل إلى 3 ملايين و ٦٧٨ ألفًا و ٣٠٨ جنيهات عام ١٩٩٥، وأنشأ الإسلاميون مشروعًا كبيرًا لعلاج الأطباء اشترك فيه ٤٣ ألف طبيب واستفاد منه ۲۰۰ ألف مشارك، مما ارتفعت معاشات الأطباء والإعانات المقدمة لهم بنسبة ٦٠٠، وتم إقرار مشروع للتكافل شارك فيه ١٢ ألف طبيب، وزاد بدل العدوى من 3 جنيهات عام ۱۹۸5 إلى ۲۰ جنيهًا عام ١٩٩٥، ورغم تلك الإنجازات فهناك تحديات كبيرة تتعلق بالأداء المهني أهمها محدودية دور النقابة في التأثير على نوعية الخدمات الصحية المقدمة للمواطن، وكذا محدودية دور النقابة في السيطرة على المغالاة في أسعار الخدمات الصحية، وإن كانت تلك المشكلات تتخطى حدود النقابة وتمتد إلى توجهات السياسة الصحية من ناحية والقيم التي أفرزتها سياسة الانفتاح الاقتصادي من ناحية أخرى، وخلصت الباحثة إلى القول إن النقابة لعبت دورًا سياسيًا كبيرًا وهذا الدور لم يكن على حساب الدور المهني.

إشكالية آليات عملية التعبير عن المصالح والمطالب في مواجهة آليات السلطة: لجأت نقابة الأطباء إلى الآليات الشرعية التي يسمح بها القانون للتعبير عن مصالحها ومطالبها فلجأت إلى مخاطبة الرأي العام، والضغط على السلطة التشريعية، والحوار مع السلطة التنفيذية والإضراب عن العمل، وفي الغالبية العظمى لم تخرج تلك الآليات عن أسوار النقابة، إلا أن الحكومة في مواجهة ذلك لم تكن راضية عن الدور السياسي للنقابة ولا عن بعض الآليات التي تستند عليها النقابة واستخدمت في مواجهة أليات النقابة الشرعية سلطة القهر أي قوات الأمن والاعتقال بالإضافة إلى وضع تشريعات كان واضحًا منها تصفية القوى الإسلامية في النقابة.

إشكالية عدم التوازن بين التيارات والقوى السياسية والاجتماعية داخل النقابة: نجح التيار الإسلامي في نقابة الأطباء استنادًا على قنوات ديمقراطية وانتخابات نزيهة ظهر فيها جليًا أن الحكم النهائي لاختيار الإخوان القيادة النقابة هو صندوق الانتخابات وبيانات وأرقام عدد المستفيدين من مشروعات وبرامج نقابة الأطباء التي تشير إلى أن المسلمين والأقباط بالنقابة استفادوا من خدمات النقابة على حد سواء، وهنا فقد أكدت الباحثة أن اختيار الناخبين للإخوان الذين شكلوا غالبية مجلس النقابة »۲۰عضوًا من ٢٥ عضوًا «مثل عدم توازن واضح في القوى والتيارات السياسية والاجتماعية داخل النقابة، الأمر الذي دعا المعارضين لهم بالقول إن هذا المجلس لا يعبر عن القاعدة العريضة من الأطباء، هذا مع العلم أن نسبة مشاركة الأطباء في انتخابات النقابة قد ارتفعت من ٦٠٠٠ طبيب عام ١٩٨٤ إلى ۳۰۰ الف طبيب عام ۱۹۹۲ غالبيتهم اختاروا الإخوان.

إشكالية الإخوان والديمقراطية: من الواضح منذ تشكيل مجلس النقابة عام ١٩٨٤ بدأت تطرح قضية الديمقراطية والإصلاح السياسي والدستوري، وإنهاء حالة الطواري بقوة على جدول أعمال مجلس النقابة، ولا شك أن هذا مؤثر إيجابي اتسم به أداء نقابة الأطباء رغم الاتهامات الضعيفة التي تم توجيهها لإخوان النقابة، منها أن الإخوان لا يقبلون الحوار ولا يؤمنون بالديمقراطية، وإذا قارنا هذا الوضع والمطلب الديمقراطي في أي نقابة أخرى نجد أن المحصلة النهائية ستكون أفضل في حالة نقابة الأطباء، إلا أن الباحثة شككت في نهاية حديثها بقبول جماعة الإخوان للتعددية السياسية والفكرية وإيمانها بالديمقراطية.

إشكالية مشروعية العمل السياسي وصراع القوى السياسية داخل النقابات المهنية: التعددية السياسية التي يشهدها المجتمع المصري مقيدة، وطبيعة النظام الحزبي لا تسمح بظهور القوى المحجوبة عن الشرعية، كما تشهد التعددية عدم توازن في قوى الأحزاب لصالح الحزب الحكومي المهيمن، ومن ثم تصبح النقابات المهنية بديلًا أو مكملًا لساحة العمل السياسي خاصة أنها توفر فرص المشاركة لكثير من القوى والجماعات والأفراد الذين يسعون للمشاركة السياسية.

واختتمت د. «أماني قنديل» دراستها وحديثها بتساؤل مهم وهو: هل ينتهي الصراع الدائر حاليًا- بين نقابة الأطباء والحكومة بالوسائل الديمقراطية؟

وأجابت متشككة في ذلك حيث رأت أن الحكومة تستخدم أدوات القهر لتصفية قيادات الإخوان الحاكمة للنقابة بصفة خاصة والنقابات المهنية بصفة عامة، الأمر الذي يؤكد أن مصر تشهد حاليًا تراجعًا لمسارها الديمقراطي وميلًا من الدولة الاستخدام أدوات القهر في مواجهة بعض مؤسسات المجتمع العربي، وقد تنجح الدولة في ذلك لوقت محدود، إلا أنها لن تنجح على المدى الطويل لأن غالبية المهنيين، بل والشعب دفع الديمقراطية إلى الأمام وليس تراجعها.

خطأ حكومي

وعقب د. «حمدي السيد» -نقيب الأطباء- على حديث د. «أماني قنديل» فأبدى إعجابه الشديد بدراستها وأثنى على موضوعيتها وحياديتها، وذكر نقيب الأطباء أن الباحثة لم تعط أهمية كبرى لسبب الأزمة الحقيقية المحتدمة بين الحكومة والنقابات المهنية، وقال: السبب الحقيقي هو أن النقابات أصبحت بالفعل منظمات ضغط حقيقية على الحكومة وسياستها، وهو ما خالف الهدف الرئيسي للحكومة من وراء إنشاء النقابات المهنية، فعندما نشأت النقابات المهنية في الستينيات نشأت كجزء وأداة لتنظيم الإتحاد الاشتراكي، ولذلك أعطى لها صلاحيات ضخمة، لكي تساند الحاكم في كل تصرفاته، ولم تأخذ الدولة في اعتبارها حينذاك أن مصر قد تعيش تعددية سياسية وحزبية، وأن جماعات معارضة قد تسيطر على تلك النقابات، ولهذا فعندما أدخلت الدولة في التسعينيات تعديلات على قوانين النقابات المهنية التحد من سيطرة التيار الإسلامي الذي فاز بغالبية مجالس إدارتها بانتخابات حرة ونزيهة، كانت تلك التعديلات فجة، الأمر الذي أدى بالدولة إلى تعطيل الانتخابات في النقابات المهنية كحل وحيد أمامها دون استمرار سيطرة التيار الإسلامي عليها، هذا بالإضافة إلى اتخاذها إجراءات غير ديمقراطية ضد قيادات النقابات المهنية الإسلامية.

وذكر نقيب الأطباء أن الوضع الحالي بالنقابات المهنية ازداد سوءًا، ففي نقابة الأطباء تجمد النشاط النقابي وأصبح نصف أعضاء مجلس النقابة في السجن بعد أن صدرت ضدهم أحكامًا عسكرية، والنصف الباقي بلا شرعية، مما أضطر النقابة الرفع دعوى قضائية للمطالبة بإجراء الانتخابات ورغم أن النقابة كسبت الدعوة إلا أن إجراء الانتخابات شيء قريب من الخيال.

هجوم على الإخوان

وفاجأ نقيب الأطباء أعضاء الندوة حين شن هجومًا حادًا على الإخوان المسلمين، واتهمهم بأنهم السبب الرئيسي وراء تدهور العلاقة بين النقابات المهنية والحكومة المصرية، قال د. «حمدي السيد» الخطأ الكبير الذي وقع فيه التيار الإسلامي في نقابة الأطباء بصفة خاصة والنقابات المهنية بصفة عامة، أنه حول النقابات المهنية إلى حزب له، كما أنه استعجل النجاح الذي حصل عليه في النقابات وظن أن هذا النجاح قد يوصله إلى حكم البلاد، ولم يأخذ في اعتباره أن النقابات لا يمكن أن توصله لحكم البلاد، بل الأحزاب هي الطريق الوحيد لذلك، وأضاف للأسف التيار الإسلامي لم يأخذ في اعتباره دروس الماضي، فالحكومة لن تسمح له إطلاقًا بالوصول إلى الحكم عبر النقابات ومن هنا فأعتقد أن إجراءات الحكومة الحصار العمل النقابي كان سببه خوفها من أن يقفز التيار الإسلامي من النقابات إلى الحكم بطريق شرعي.

وأكد د. «حمدي السيد» أن التيار الإسلامي في النقابات المهنية لم ينجح في أن يقيم علاقة طيبة مع الحكومة، ولم يفهم أنه من المستحيل عليه القيام بدور مواز للحكومة في النقابات، بل كان عليه أن يتعاون مع الحكومة، لأن مصالح أعضاء النقابات تحتاج دائمًا لقرارات تنفيذية تصدرها الحكومة.

وقال: كيف أنجح كنقابة في التعاون مع الحكومة لحل مصالح أعضائي والتيار الإسلامي في النقابة يدعو غلاة الحزبيين للتحدث في ندوات ولقاءات النقابة، ولا يوجه دعوة لكل الرموز القومية، وأنا كنقيب كنت أحرص على دعوة كل الرموز والشخصيات القومية، إلا أن التيار الإسلامي بالنقابة كان يعارضني بشدة، ويدعو رموزه فقط وتتحول ندوات ولقاءات النقابة إلى مظاهرة موجهة ضد الحكومة تردد شعارات وهتافات تستفزها.

وأضاف د. «حمدي السيد»قائلًا: لقد تسبب التيار الإسلامي في تدهور العلاقة بين النقابة والحكومة، لدرجة أن وزير الصحة لم يكن يجرؤ على الدخول إلى مبنى النقابة أو السير في شارع قصر العيني الذي تقع النقابة به، وبالتالي لم يكن مستبعدًا أن تتعمد الحكومة تجاهل النقابة ونقيبها في سن قوانينها أو المشاركة في السياسة الصحية لمصر.

نقابة مستقلة

واختتم نقيب الأطباء حديثه قائلًا: إنني أتمنى أن يكون لنا كنقابة دور في الدفاع عن مهنة الطب التي تتعرض للخطر الشديد بعد افتتاح كليات الطب الخاصة، ولكنني أعتقد أن هذا الدور لن يتم إلا إذا انتفت الصفة الحزبية عن النقابة، فأنا لا أريد أي سيطرة حكومية أو حزبية على النقابة وعلى من يرشح نفسه لعضوية مجلس النقابة أن يخلع رداء جماعته أو حزبه ويلبس رداء المهنة فور نجاحه، وإذا حققنا ذلك نكون قد حققنا الكثير لنقابتنا، أما من يريد الحكم فعليه بالأحزاب.

وقد كهربت كلمة نقيب الأطباء جو الندوة وطلب د. «محمد سليم العوا» -الفقيه الدستوري والأستاذ بحقوق الزقازيق- الكلمة، فأشار إلى أن الإخوان المسلمين ليسوا السبب في اغتيال الديمقراطية في النقابات المهنية، بل السبب الرئيسي في ذلك هو الحكومة التي فرضت قانونين القانون ۱۰۰ والقانون 5 لعام ١٩٩٥ الاغتيال العمل النقابي، وأعرب د. «العوا» عن شعوره بالألم واليأس بسبب وقوف القوى الوطنية والسياسية عاجزة أمام انهيار التجربة الديمقراطية في النقابات المهنية، سواء بفرض الحراسة القضائية على أكبر نقابتين في مصر »المهندسين والمحامين»، أو التعطيل الحكومي المتعمد لإجراء انتخابات النقابات الأخرى.

وقال د. «العوا»: إنني لست كادرًا إخوانيًا، ولكني أختلف اختلافًا جذريًا مع كل ما قاله نقيب الأطباء، فكل الوقائع تشهد أن التيار الإسلامي في النقابات المهنية قدم أداء نقابيًا وسياسيًا متوازنًا ومتميزًا، فلم يتم حرمان أي نقابي أي حق له، وكل ما يقال حول احتكار الإخوان للعمل النقابي اتهامات باطلة لا أساس لها، فالإسلاميون في نقابة الأطباء لم يكن يدعون فقط للتحدث في لقاءات وندوات النقابة، بل كانوا يدعون كل القوى الوطنية، هذا بالإضافة إلى أن إخوان النقابات كانوا يعلمون جيدًا أنه من المحال الوصول للحكم عن طريق النقابات.

المهنيون اختاروا الإسلاميين

وتناول د. «العوا» في حديثه ما طالب به بعض قيادات الأطباء والنقابات المهنية الإخوان بتكوين مجالس ائتلافية من كافة التيارات الوطنية إبان حكمهم للنقابات قائلًا: إذا أجريت الانتخابات بحرية وفاز بها الإخوان، فلا يجوز لأي أحد أن يطالبهم بمجالس ائتلافيه، لأن النقابات ليست حكومة أو مجلس شعب يعبر عن جميع فئات الشعب، وإذا كان الإخوان قد فازوا بغالبية مجالس النقابات فتلك إرادة ومطلب المهنيين، ولا يجوز لهم أن يفرضوا على المهنيين الذين اختاروهم وحدهم مجلسًا ائتلافيًا.

وذكر د. «العوا» أنه ليس خطأ ولا جريمة أن يصطبغ الدور السياسي لنقابة الأطباء بالصبغة الإخوانية أثناء توليهم مقاليد النقابة، وقال: لو كان حزب الوفد أو حزب العمل أو الحزب الوطني حاكمًا للنقابة كان سيصطبغ دورها السياسي بلونهم، وهذا ليس عيبًا، فمادام مجلس النقابة منتخبًا بصورة شرعية وسليمة فلا يلوم أحد إلا نفسه، ومن يريد إزاحة هؤلاء فليتقدم ببرنامج ومرشحين آخرين، ويخوض انتخابات نزيهة ويتولى الحكم، والحكم هنا هو المهنينون.

مجالس الإخوان الأفضل

واختتم د. «العوا» حديثه قائلًا: المحصلة النهائية لأداء الإخوان المسلمين في النقابات المهنية تؤكد أن مجالس الإخوان كانت أفضل مجالس النقابات على الإطلاق منذ إنشائها، ولا يستطيع أي كائن من كان أن يزايد على موقف الإخوان المسلمين من الديمقراطية، فالإخوان كانوا ومازالوا ديمقراطيين في كل مكان دخولا فيه سواء كان النقابات المهنية أو مجلس الشعب أو نوادي هيئات التدريس، فأنا شخصيًا لا أخاف على النقابات من الإخوان بل أعتقد أن مستقبل النقابات المهنية مظلم للغاية في ظل الإجراءات الحكومية الحالية لتكبيلها، وأعتقد أن هذا المناخ السيئ الذي تعيشه النقابات حاليًا هو الذي دفع بنقيب الأطباء ليقول ما قاله معبرًا عن حالة يأسه في بلد تهدر فيه يوميًا كل صور الديمقراطية الحية.

الإسلاميون صادقون مع الديمقراطية

وبدأ المهندس «أبو العلا ماضي» -مقرر لجنة التنسيق بين النقابات المهنية- حديثه متسائلًا: إلى متى نظل كإسلاميين متهمين بالنفاق السياسي من جانب الآخرين، ونظل ندافع عن أنفسنا وأجاب قائلًا: نحن صادقون مع الديمقراطية الحقيقية وفق قيم وثوابت الأمة، وعندما خسرنا انتخابات نقابة الأطباء البيطريين بالديمقراطية لم نرفض ذلك، ولم نتشبث بالنقابة، بل سلمنا النقابة بهدوء بدون أي ضجة للمجلس الحكومي الجديد الذي فاز بالانتخابات، وأعتقد أن هذا نموذج رائد يثبت صحة مقولاتنا ومواقفنا.

وذكر «أبو العلا ماضي» أنه يختلف مع نقيب الأطباء حول ما قاله عن التيار الإسلامي بنقابة الأطباء أو النقابات المهنية، مشيرًا إلى أن النقيب قال كلامًا غير منطقي يخالف مواقفه السابقة، وقال: عندما دخلنا النقابات المهنية خلعنا ردامنا الإسلامي وارتدينا رداء المهنة، ولذلك قدمنا إنجازات كبيرة وضخمة لم تشهدها النقابات طوال تاريخها، ويا ليت نقيب الأطباء قدم وقائع تثبت صحة قوله.

وكشف «أبو العلا» لأول مرة عن واقعة تشير إلى مدى اهتمام التيار الإسلامي البالغ لضم الأقباط إليهم في إدارة مجالس النقابات المهنية حيث قال: كنا قد اتفقنا مع مجموعة من الأطباء والمهندسين الأقباط على خوض انتخابات النقابتين مع التيار الإسلامي في قائمة واحدة، وبعد أن وافق المرشحون المسيحيون صدرت تعليمات من البابا شنودة لهم بفض هذا التنسيق معنا، وعندما سمعت ذلك اصطحبت الدكتور «عبد المنعم أبو الفتوح أمين» اتحاد الأطباء العرب وعضو مجلس نقابة الأطباء المصرية إلى البابا شنودة وعاتبناه، وأنكر الرجل أنه أصدر أي تعليمات إلى المرشحين المسيحيين، وعندما طالبناه بأن يعلن هذا في الصحف رفض.

وأكد م. «أبو العلا» أن الحكومة عازمة على إقصاء التيار الإسلامي من النقابات المهنية وعندما طرحت القانون رقم 5 لعام ١٩٩٥، وجريته على نقابة الزراعيين تأكد لها فوز الإخوان بثلث مجلس النقابة فقامت بتأجيل الانتخابات في النقابات الباقية إلى موعد غير مسمى.

الإخوان لم يحتكروا العمل النقابي

واختتم م. «أبو العلا» حديثه قائلًا: لقد قدم الإسلاميون في النقابات المهنية أداء مميزًا ووازنوا بين دور النقابات الخدمي والوطني، بيد أن الإعلام سواء كان حكوميًا أو معارضًا لم ينصفنا، حيث قدم إنجازاتنا بشكل مبتور لتخدم توجهاته السياسية وتشعل النيران بيننا وبين الحكومة، ونتحدى أن يقول لنا أحد إننا احتكرنا العمل النقابي، أو يقدم لنا وقائع تثبت صحة قوله، فالواقع يقول إننا لم نحتكر العمل النقابي، بل أتاح الإسلاميون الفرصة للآخرين للتعبير عن وجهة نظرهم.

توازن بين الدور المهني والوطني

وأعرب د. «عمر شاهين» -وكيل نقابة الأطباء وأستاذ الطب النفسي بجامعة القاهرة- عن قلقه البالغ إزاء تجميد الحكومة لنشاط النقابات المهنية وتعطيل الانتخابات بها، مشيرًا إلى أن التيار الإسلامي بنقابة الأطباء قد وأزن بين العمل المهني والوطني بالنقابة، وقال: لم يكن غريبًا أن يتقدم الآلاف من شباب المهنيين ليعبروا عن آرائهم السياسية والوطنية من خلال نقابتهم، بعد أن أضمحلت الأحزاب وهشت بصورة كبيرة، فهذا ليس عيبًا، بل هو المطلوب، فأين سيقول أعضاء النقابات وغالبيتهم من الشباب أراهم السياسية؟

وذكر د. «عمر شاهين» أن مجلس نقابة الأطباء الذي حاز الإسلاميون على غالبية مقاعده لم يحتكروا العمل النقابي، بل العكس هو الصحيح، لقد كونوا لجانًا بالنقابة ضمت إليها الشخصيات الطبية الوطنية المتميزة ليدلوا بدلوهم في كل قضايا المهنة والوطن وليسترشد مجلس النقابة بآرائها، الأمر الذي أكد للجميع أن نقابة الأطباء نقابة ذات مجلس ونشاط متميز حاز رضا أغلبية الأطباء، بل والمواطنين المصريين.

وأكد د. «عبد الفتاح شوقي» -عضو مجلس نقابة الأطباء- أن مجالس النقابة منذ عام ٨٤ وحتى ١٩٩٢ لم تكن جميعها من الإخوان المسلمين، بل إن المجلس الأخير يضم عددًا كبيرًا من أعضاء الحزب الوطني خاضوا الانتخابات مع قائمة الإسلاميين بسبب جديتهم ونشاطهم وخدماتهم الكبيرة للأطباء وذكر أن مجلس النقابة في ظل التواجد الإسلامي لم يحرم الأقباط من حقوقهم، بل ضم إلى تشكيله ٣ أطباء أصحاب خبرات عالية منهم قبطيان الأول د. «رفعت كامل» والثاني د. «حيدر غالب»، وأكد أن الإسلاميين فازوا في انتخابات النقابة بفرق هائل عن منافسيهم قد يصل في بعض الأحيان إلى أكثر من 8 آلاف صوت!!، وقال: أعتقد أن هذه الثقة للإسلاميين بسبب تغير أدائهم النقابي، هذا بالإضافة إلى أن مجلس النقابة الحالي رفع أسم مصر عاليًا في العالم عن طريق لجنة الإغاثة الإنسانية التي أنشأتها النقابة لإغاثة المنكوبين في داخل وخارج مصر، واختتم د. «شوقي» حديثه معربًا عن تفاؤله بغد مشرق ترفرف فيه راية الحرية على النقابات المهنية مرة أخرى.

مطلوب حوار جاد

وتحدث د. «حلمي الجزار» -الأمين العام المساعد النقابة أطباء الجيزة- فأشار إلى أن إصرار الحكومة على تعطيل الديمقراطية في النقابات المهنية سيؤدي إلى إصابة ملايين المهنيين والشعب المصري بالإحباط الأمر الذي يدفع الشباب للعمل السري العنيف وطالب د حلمي الجزار بضرورة إجراء حوار عاجل بين النقابات والقوى السياسية من جهة والحكومة من جهة أخرى للخروج من مأزق الديمقراطية المصرية الحالي، وقال: بدون الحوار بيننا وبين الحكومة فلا أمل مشرق لبلادنا.

وذكر د. «بدر الدين غازي» -رئيس المكتب الدائم النوادي هيئات التدريس بالجامعات المصرية- أن أزمة الديمقراطية في النقابات المهنية والمجتمع المصري ترجع إلى عدم استجابة هياكل المجتمع الحركة أبنائه، ومشيرًا إلى أن أعداد السكان تتزايد بصورة ضخمة، كما تتزايد طموحات الشعب وأماله، هذا في الوقت الذي أصيبت فيه هياكل المجتمع بالشلل وقال: هياكل المجتمع السياسية هي المسؤولة عن عزوف المواطنين عن المشاركة في حكم بلادهم، فالأحزاب الحقيقية غير موجودة والأحزاب الموجودة حاليا ديكور حزبي فقط، كما أن عجز هياكل المجتمع الاقتصادية والاجتماعية أدت إلى هروب أكثر من ١٦٥ مليار دولار إلى الخارج وتفشي الأمراض والجرائم الاجتماعية وأختتم د. «غازي» حديثه مؤكدًا أنه لا حل أمام مصر للخروج من أزمتها الحالية إلا بتوسيع هياكل المجتمع السياسية والاقتصادية والاجتماعية لتستطيع التعبير عن هموم وتطلعات الشعب.

واتفق د. «عبد المنعم سعيد» -مدير مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية- مع تحليل د. «بدر غازي» لأزمة الديمقراطية في مصر حيث شدد على ضرورة إحداث تغيرات جذرية في هياكل المجتمع لتستوعب كل قواه، وذكر د. «عبد المنعم» أن التيار الإسلامي في مصر سواء كان بالجامعات أو النقابات أو بالمؤسسات الشعبية يواجه أزمة عدم تكيف مع هياكل المجتمع المصري الحالية التي قامت على أساس تزاوج بين المسلمين والمسيحيين المصريين بينما ينادي التيار الإسلامي بفكرة الأممية الإسلامية، ويعطي لأبناء العقيدة كل اهتمامه، وقال د. «عبد المنعم سعيد» صدام التيار الإسلامي مع السلطة يرجع بصفة رئيسية إلى مطالبته بإنشاء هياكل جديدة مختلفة عن هياكل المجتمع الرئيسية يمارس فيها عمله بحرية، هذا بالإضافة إلى أن الظروف الدولية تساعد على هذا الصدام.

وشدد د. «عبد المنعم سعيد» على أن اعتراف الحكومة المصرية بالتيار الإسلامي جزء من حل مشكلة تكيف هياكل المجتمع معه، مشيرًا إلى أن اتخاذ إجراءات غير ديمقراطية ضد التيار الإسلامي مثل إحالة قياداته للمحاكم العسكرية لن يفيد ولن يحل مأزق الديمقراطية في مصر، وأشار د. «عبد المنعم» إلى ضرورة قيام حوار جاد بين السلطة والإسلاميين. مؤكدًا أن غياب هذا الحوار سيجر مصر إلى مشكلات كثيرة هي في غنى عنها.

الإخوان وطنيون ومخلصون لبلادهم

وتحدث في نهاية الندوة د. «صموئيل الصبغ» القطب القبطي البارز عضو مجلس نقابة أطباء الإسكندرية، فأشار إلى أن تجربته مع تيار الإخوان في نقابة الأطباء كانت مثمرة للغاية، وقال كنت أسمع عنهم أشياء سيئة كثيرة، وعندما رشحت نفسي معهم هاجمني إخواني الأقباط والمسلمين وحذروني أن الإخوان سيقتلونني عن طريق جناحهم العسكري، ولكن عندما عاشرتهم وجدتهم أخلص المصريين، وأعتقد أن كل ما يقال عنهم من اتهامات باطلة تهدف إلى تشويه صورتهم، ولهذا فهم بحاجة ملحة إلى أجهزة إعلامية تشرح دعوتهم وعملهم بصورة دقيقة وأمينة.

واختتم حديثه قائلًا: لقد قدم الإخوان للأطباء إنجازات ضخمة، ولم يفضلوا طبيبًا مسلمًا على طبيب مسيحي، بل عاملوا الجميع بمساواة كاملة وأنا أرفض أن تتدخل الكنيسة أو الحكومة في انتخاباتنا رفضًا مطلقًا، بل لابد أن يفسحوا المجال أمام الديمقراطية في النقابات لتترعرع.

ممارسة ديمقراطية إيجابية

واختتمت د. «أماني قنديل» الندوة بكلمة أعربت فيها عن سعادتها للنقاشات المثمرة التي أثارتها دراستها، وذكرت أن كل المؤشرات أكدت لها أن النقابات المهنية شهدت ممارسة ديمقراطية حقيقية إيجابية أثناء تولي التيار الإسلامي لقياداتها وقالت: إن كانت تلك الممارسة قد توقفت الآن بسبب تعطيل إجراء الانتخابات النقابية، فإنني أعتقد أن النقابات المهنية ستعود مرة أخرى لتلعب أدوارًا وطنية وسياسية ومهنية رائدة وحيوية كما كانت فهذا درس من دروس كفاحها ونضالها تؤكده قراءة التاريخ بعين فاحصة ومتعمقة.

الرابط المختصر :