العنوان أدب (العدد 595)
الكاتب المحرر الثقافي
تاريخ النشر الثلاثاء 16-نوفمبر-1982
مشاهدات 77
نشر في العدد 595
نشر في الصفحة 40
الثلاثاء 16-نوفمبر-1982
محطة
لا شيء على عينيه الهادئتين!
أرأيتم كيف تكون البسمة في شفتي المقتول المظلوم؟
شيء قدسي تملؤه الأسرار!!
ترفع في طبق من ذهب في كفي ملاك!
توضع قدام الرب المنتقم الجبار
في خجل ترتعش الشفتان
وتبوح بحشرجة مبهمة من خجل:
يا الله!
على موعد مع مهرجان الأصالة
بين السادس عشر من أكتوبر والثاني والعشرين منه أقيم في القاهرة مهرجان ضخم بمناسبة مرور خمسين عامًا على وفاة كل من الشاعرين الكبيرين أحمد شوقي وحافظ إبراهيم رحمهما الله.
ولقد كان الاحتفال ضخمًا إلى درجة شارك فيها ثلاثمائة باحث وشاعر وأديب من ثمان وعشرين دولة عربية وأوربية وأمريكية!!
وفي الحقيقة كان المهرجان تكريمًا للأصالة التي استند إليها الشاعران في فنيهما «الشعري والنثري» على حد سواء، كما أنه كان تكريمًا للمعاصرة التي جاء بها الشاعران في زمانهما ذاك.
وسنحاول في العدد القادم الكلام تفصيلًا حول المهرجان بإذن الله، فإلى اللقاء.
قصة قصيرة
تقرير (١)
كتبها أبو مالك
عندما غابت عن الدكتور «سالم» وجوه زوجته وأولاده الثلاثة وأهله وأصحابه راح يتلفت كالمأخوذ، يغمض عينيه ويفتحهما كمن صحا لتوه من حلم عزيز حاول جاهدًا ألّا ينتهي.. ارتمى في أقرب مقعد بصالة الانتظار، وراح يحدق في وجوه المسافرين، وحين انتبه إلى بطاقة السفر في يده أيقن أنه راحل لا محالة..
تحسس جواز السفر في جيبه فأخذته تنهيدة عميقة، ورثى لحال البلد وهو يتذكر ما عاناه حتى حصل على الجواز بعد دفع ما فيه النصيب!
إيه.. يا أم مصطفى.. كم قلت لك إنني لا أطيق فراق الشام وإن أحوالنا سوف تتحسن؟
ولكن آه لرأسك العنيد! فها أنذا ذاهب إلى الخليج لألقي نفسي فيه وأنا الذي لا أجيد السباحة!
ثم أخذته هزة وهو يستعيد كلمات زوجته منذ يومين، حين ذكرته بزميليه محمود وعبد الله اللذين اختطفهما زوار الفجر منذ عام وانقطعت أخبارهما بعد ذلك، فقال لها: «ولكن ما دخلي بمحمود وعبد الله يا أم مصطفى؟ أنت تعلمين أنه لا علاقة لي بهما إطلاقًا، وها قد مضت سنة على اعتقالهما، ولو كان لي أية علاقة بالأمر لاستدعتني المخابرات».
صحا من شروده فوجد نفسه يتحرك بلا وعي في طابور طويل نحو بوابة المغادرة، ثم اجتاز الطريق الطويلة إلى الطائرة سائرًا على قدميه وهو يتلفت في كل اتجاه يريد أن تعي ذاكرته مزيدًا من مشاهد الشام النابضة بالحب والحنان، حتى صعد إلى الطائرة وارتمى في أقرب مقعد، وبدأ يحدق عبر النافذة، وتحسر ملء القلب حين فكر أنه لم يكن سوى غصن يابس أفلت من الشجرة عند أول نسمة!
وعندما أحس بعجلات الطائرة تغادر الأرض أيقن أن كل شيء قد انتهى، فترقرقت دمعتان دافئتان في عينيه.
مشى أيامًا طويلة في المدينة المسترخية على شاطئ الخليج، وتاه مرات عديدة في شوارع عريضة لا أسماء لها، وفي اليوم العاشر للبحث عن مأوى يضم جسده المتهدم كاد يسقط مغشيًّا عليه، ولكنه تماسك رغم أنفه، فقد فكر لو سقط لبقي أيامًا لا يلتفت إليه أحد في هذه المدينة التي تعج بالغرباء أمثاله.
ومع الأيام بدأت صحته تسوء وأحس أن السكري الذي يعاني منه قد اشتدت وطأته، وغدا تنفسه عسيرًا بسبب رطوبة المدينة وهوائها المشبع بالغاز المحترق في آبار البترول القريبة، ولازمه شوق عارم للأهل والأولاد فضاقت عليه الدنيا وتذكر وهو يعبر السوق المركزي عند المساء كلمات «عم عبده» الفراش في المستشفى حين سأله «لمَ لا تعود يا عم عبده إلى مصر ما دمت لا تجني شيئًا هنا؟»، فأجابه «يا بني إن العادة تأكل الإنسان، وأنا أكلتني العادة، وصرت أفتقد الهمة لكي أعود، كما أنني لم أعد أحتمل المفاجآت، فقد جرجروني هناك إلى التحقيق شهورًا طويلة، وأودعوني السجن مرتين، مرة لأن اسمي كان مصنفًا مع الشيوعيين، ومرة لأنهم ضبطوني أصلي مع جماعة عند بعض العمال أصحابي، ولا أدري لو بقيت بعد ذلك ما تكون تهمتي!
توقف في ركن الطريق وأخرج ورقة وقلمًا وراح يخط خطابًا إلى زوجته يسألها فيها عن أحوالها وأحوال الأولاد والأهل، وبعد أن كتب صفحة هدأت نفسه وأحس بصحوة حلوة حين خطرت له فكرة العودة إلى الشام فورًا.
في المساء صارح زميله المصري «محمد مرسي» بالأمر، فقابله بالعتاب وقال له «أبعد عنك هذه الوساوس يا عزيزي، وإياك أن تحلم برؤية الشام قبل عام على الأقل»؛ فهب من سريره وطار النعاس من عينيه وصرخ كالمجنون: «ماذا تقول يا محمد؟!» فقال «هذه هي الحقيقة يا سالم، ولكن لم تخبرني إلى الآن لماذا جئت إلى هذه البلاد؟ فتنهد قائلًا إنها زوجتي!!
ضحك محمد وقال: والسياسة؟!
-ماذا تعني؟
-أعرف أن كثيرين من أطبائكم قد غادروا البلد لأسباب سياسية!
-أولئك الذين يحبون المصائب ووجع الرأس يا محمد، أما أنا فالحمد لله لم تستهوني هذه الأمور طوال عمري.. هل تصدق يا محمد؟
-ماذا؟
-لقد ظللت أعمل في تصليح بوابير الجاز مع والدي رحمه الله حتى بعد انتهاء فحص الدكتوراه، فأية سياسة هذه التي سأفكر فيها؟ يا عم دعنا من وجع الرأس وقل لي كيف أتخلص من هذه الورطة.. لم أعد أحتمل يا محمد.. اشتقت للأولاد والبلد!!
خواطر
من يرثى كل الضحايا؟
استوقفني في الأمسية الشعرية التي أقامها معهد التربية للمعلمين في ١١/١ أبيات للشاعر الدكتور رجا سمرين، قالها في رثاء ولده محمد الذي قتله الصهاينة مع بعض رفاقه وهم يقاومون اجتياح لبنان الأخير.
في هذه الأبيات يحس القارئ بلوعة الأب الثاكل، وحرقة الإنسان الذي لا يملك أن يفعل شيئًا حيال الأحداث الضخمة، كما يحس بخفقة الفن خلال خفقات الفؤاد الشاعر الذي قال هذه الأبيات:
محمد يا ولدي!
يا لسعة النار التي يشوي لظاها كبدي!!
يا صرخة الحق الذي جرح صمت الأبد.
ماذا أقول حينما أرثيك؟ ماذا في يدي؟
يخذلني شعري
تفر من يدي القوافي
أصير في مهب ريح الحزن ريشة!
تلهو بها السوافي
محمد يا ولدي
يا نهر حزن دائم المد
ينضح بالعطر وبالند
أنت قتيل الخلف والتناحر
ضحية الصمود والتصدي!
ضحية الخنوع والتردي!!
ولا نقول إلا رحم الله الفقيد فقد وجد من يرثيه، ولكن من يرثى عشرات آلاف الضحايا الذين وقعوا ويقعون على امتداد الساحات العالمية قربانًا للمطامع وشهوات التسلط الخسيسة؟! عزاؤنا للشاعر الفاقد، ولكل من أحس فقدًا ولا حول ولا قوة إلا بالله.
إسلام لا كفر
عم رعب يشبه الظلما
ودمار يهلك الأمما
و تعامت أعين وعمت
عن وميض كالشهاب سما
عن علاج لو تناوله
أحد ما كابد السقما
يا أخا الإسلام أنت سنا
يملأ الآفاق والأكما
طارد الكفر الدخيل ولا
تبقه مهما بذلت دمًا
وابن صرحًا للسلام أخي
وارفع القرآن والعلما
بعد جهد يا أخي سترى
فجره الوضاء مبتسمًا!
واقع خطير
جل المصاب وعمت الأخطار
واستوثقت بربوعنا الأشرار
وتكاثرت فوق الورى أعداؤنا
فبكل صوب ظالم غدار
قم للجهاد أخا العقيدة لا تنم
فالنوم لا تمحى به الأكدار
لا يغسلن العار عن أوطاننا
صمت ولا يجلي العدى استنكار
درب التحرر من براثن «بيغن»
درب ترابط فوقه الفجار!
حلف ثلاثي على إسلامنا
لم يبقَ منه على الطغاة ستار
لم يبقَ فينا ما نقول وإنما
أين السيوف تهزها الأحرار
أين الحمية في عقيدة خالد
يغشى الوغى في كفه البتار
لن يستجيب العالمون لحقنا
أبدًا وفينا للضلال ديار
صبرًا لما عاثوا فإن أمامهم
يومًا تزيغ لهوله الأبصار
فالعز في قرآننا وجهادنا
والنصر من نبع الهدى مدرار
شاعر المحنة: نذير مسلم
نداء من القدس
لمن الزواجر والعظات تساق
ما دام يدفعنا هوى ونفاق
في قبضة الغي الذي لا ينتهي
سيان عندي القول والإطراق
قلنا ولم نفعل فهد كثيرنا
وهن وعم ربوعنا إخفاق
المسجد الأقصى ينادي أمة
ركنت فنال قيادها الفساق
فإلى متى نرجو صلاحًا قادمًا
والحاضر المنكوب ليس يطاق
دفعت عن القدس الشريف حجارة
وسلاحنا ما تقذف الأشداق
أتظل وحدتنا شعارًا فارغًا
والمسلمون تحزب وشقاق
هذا نداء الحق يدعو إخوة
في القدس ما هدأت لهم أشواق
لا ترقبوا مددًا ففي أرجائنا
أيضًا تذل وتكسر الأعناق
في كل قطر للعدو منافذ
وبكل أرض للطغاة وثاق
لكن دعاة الله رغم قليلهم
علم الجهاد يظلهم خفاق
فاسعوا إلى ساح الجهاد ورابطوا
فالخير من نفحاته دفاق
و به يباد الظالمون وإن بغوا
وتحطم الظلمات والأطواق
الله أكبر من عدو غاصب
ضاقت بسود فعاله الآفاق
وغدًا بإذن الله يأتي فتحه
ويزيل ظلمة ليلنا الإشراق
محمد عبد القادر الفادني
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل