العنوان أدب (العدد 684)
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 18-سبتمبر-1984
مشاهدات 76
نشر في العدد684
نشر في الصفحة 42
الثلاثاء 18-سبتمبر-1984
محطة
يا صاحبي سجني:
نداء الموت منتشر
وهذا الليل معتكر
وصوت الفجر منتظر
ففيم تراكما تستفتيان؟
لا تذكراني عند ربكما ولكن
بلغا الأصحاب عني:
ما يبتغي الجلاد مني؟
ما يبتغي الجلاد من سجني
ومن نفيي وقتلي؟
إن سجني خلوة،
وسياحة نفيي،
وفي قتلي ... الشهادة!! الأمراني.
متابعات
نظرات في حقيقة التعبير الشعري
للأستاذ: صالح جيتاوي.
• في إطار الحوار حول الشكل الفني في التعبير الأدبي لدى الكاتب المسلم -الشاعر خاصة- نعرض متابعة الأخ الشاعر صالح جيتاوي من الأردن، لما طرحته الصفحة من أفكار حول الموضوع، ولما أورده الأخ إسماعيل عيسى في العدد الماضي، ولما في هذه المقالة من إثراء للحوار، قائم على الدليل والبرهان، آثرنا إثباتها كاملة.
أود أن أبدأ كلمتي بالعنصر الأكثر إثارة وخطأ في مقال الأخ القارئ الذي أثار الموضوع، وهو قوله إن هناك عدة سور -ذكرها- من القرآن الكريم يمكن تصنيفها ضمن بحر الرجز أو المتدارك، وإطلاق مثل هذا القول العاري من الحقيقة يثير من الشبهة أضعاف ما يثيره دعاة ما يسمى -بالشعر المنثور- كما سنرى بعد قليل؛ لأنه يصدر عن شخص يزعم أنه يدافع عن القرآن الكريم، وأنه عليم بالشعر وقواعده، ونحن لا نشك في غيرة الأخ على القرآن، وحبه له كما يبدو من مقاله، إلا أن الصواب جانبه من ناحية عروضية في هذا الزعم، ولربما يقرأ مقاله قارئ لا علم له بقواعد الشعر فيصدقه، أو يترسب في ذهنه شيء منه، ولو كان قليلًا مما يعطي المجال للشيطان ليفعل فعله المخرب؛ لأن من الخراب ما يبدأ خفيًا كدبيب النملة، ثم يكبر حتى يصبح كقصف الرعود، لذلك فإنني أسارع قبل الحديث في أي شيء إلى القول إنه لا يوجد في القرآن الكريم ولو سورة واحدة يمكن تصنيفها ضمن أي بحر من بحور الشعر مهما قصرت، ومهما تجاوزنا في قبول (الزحاف والعلل) الشعرية؛ لأن البحور لا تقوم على رص عدد من التفاعيل كيفما اتفق، وإنما تخضع لأسس وضوابط مسجلة في الكتب، وقبل أن تكون مسجلة فهي تشكل بناء موسيقيًا خارجيًا سليمًا، لا تخطئه الأذن الحساسة، مما تعارف عليه العرب قديمًا، ووجده من بعدهم صحيحًا، واستمر العمل به إلى يومنا هذا، أما إذا اعتبر الأخ أن مجرد تقسيم كلمات سورة من السور إلى أجزاء يناظر كل جزء منها تفعيلة من تفاعيل العروض كيفما اتفق، فهذا لا يعني على الإطلاق أن هذه السورة يمكن أن تقاس بمقاييس الشعر؛ لأن جميع كلام البشر المكتوب والمحكي يمكن أن ينطبق عليه نفس الشيء، وإذا شك الأخ في قولي فليجرب أن يتلفظ بأية عبارة حتى لو لم يكن لها أي معنى، ثم يسجلها على الورق، وسيجد أنه بالإمكان تقسيمها على النحو المذكور دون أن يتطرق العقل من قريب أو بعيد لاعتبارها شعرًا، صحيح أن آيات القرآن الكريم لا تخلو من موسيقى داخلية في التعبير، ولكنها أبعد ما تكون عن دوائر الشعر بقيودها وشروطها، حتى بالحد الأدنى منها الذي يقر شعراء ونقاد الشعر الحديث باستثناء ما يسمى بالشعر المنثور كما سنرى، فالكلام لكي يسمى شعرًا لا بد أن يندرج تحت دائرة من دوائر الشعر وبحر من بحوره، وكل بحر من البحور يتكون من عدد محدد من التفاعيل مرتبة بشكل معين، وحتى لو تساهلنا بأنه من الممكن اشتقاق بحر جديد -كما زعم البعض مما لا مجال لذكره هنا- فإن البحر الجديد له أيضًا نظام ثابت من التفاعيل لا يمكن الخروج عنها، والشعر الحر ينطبق عليه نفس المفهوم، وهنا أدخل في المسألة الثانية وهي مسألة مهمة؛ لأن هناك كثيرًا من الناس لا يفرقون بين أصناف الشعر الحديث، وأين يقع الشعر الحر بالنسبة لها.
أقول -وبالله التوفيق- إن الشعر الحديث الذي يختلف شكله ومبناه عن الشعر التقليدي ينقسم إلى عدة أقسام، ولكل قسم منها مصطلح خاص به، وهي على النحو الآتي:
1- الشعر الحر، وهو لا يختلف عن الشعر العمودي في شيء سوى في تفاوت عدد تفعيلات الأبيات؛ بحيث يمكن أن يتكون البيت من تفعيلة واحدة أو أكثر حسبما يراه الشاعر مناسبًا له، كما أنه لا يوجد به نظام الشطرين، أما فيما يتعلق بتغير القافية خلال القصيدة وعدم ثباتها من البداية إلى النهاية فهو أمر معروف منذ القديم في الموشحات مما لا يختلف عليه أحد، والقاعدة المتبعة حتى الآن في هذا الشعر هو ثبات التفعيلة في القصيدة كلها، بعبارة أخرى فإن هذا الشعر لا يقال على البحور التي تتكون أبياتها من أكثر من نوع من أنواع التفاعيل كالطويل مثلًا (فعولن، مفاعيلن)، ولكنه يقال على الرمل مثلًا (فاعلاتن)، وأول من وضع لهذا الشعر قواعد هي الشاعرة (نازك الملائكة)، ولكنها عادت بعد سنوات وغيرت فيها على ضوء واقع الشعر الحر الذي طرحه عامة الشعراء، وأعتقد أن قواعد هذا الشعر ستبقى عرضة للتغير عددًا غير قليل من السنوات، إلى أن يستقر على أصول وقواعد نهائية، والواقع أن الغالبية العظمى من الشعراء المعاصرين يتقبلون هذا الشعر، وربما يتحمس له بعضهم أكثر من بعض، حتى الإسلاميون منهم من يتحمس له، وغالبيتهم يقرونه وربما وجد بينهم من يرفضه، ربما لعدم تمثله هذه التجربة الجديدة بشكل تام، والحقيقة أن هذا الشعر يمكن أن يستوعب جيده أجمل التعابير، وأصدق العواطف، وأروع الصور، وأبعد الإيحاءات، ويستطيع أن يخدم بعض الأغراض بشكل ممتاز، كالشعر المسرحي مثلًا، ولكنه ربما قصر دون بعض الأغراض الأخرى خاصة الحماسية الخطابية، وقد اقترح الدكتور إحسان عباس تسمية هذا النوع من الشعر باسم (المغصن)؛ تشبيهًا له بأغصان الشجرة، فمنها الطويل، ومنها القصير، وأنا أعتقد أن هذه التسمية موفقة إلى حد كبير جدًا، إلا أنني لا أعتقد أنه من الإنصاف للشعر التقليدي أن يقال عن قصيدة من الشعر الحر إنها من الشعر المغصن؛ لأن هذا يوحي بأن الشعر الحر مستقل عن الشعر التقليدي، وبعض الأدباء يرى ذلك، ومنهم الشاعرة نازك الملائكة؛ حيث ترى أن الشعر الحر توأم للشعر التقليدي، وهناك من هم أكثر تعصبًا منها للشعر الحديث، حيث يعتبرونه بديلًا وتطويرًا للشعر التقليدي، وهذان الرأيان في اعتقادي بعيدان عن الصواب؛ لأنهما يعطيان الشعر الحر وزنًا وقيمة أكثر مما يستحق، كما أنه ليس من الصواب أيضًا إنكار قيمة هذا الشعر وعدم الاعتراف به، كما يريد البعض ومنهم الأخ القارئ الذي أثار الموضوع، وإنني أطرح هنا اقتراحًا بنيته على فكرة الدكتور إحسان عباس سالفة الذكر، ولكن بشيء من التعديل، فصفة المغصن في رأيي لو أطلقناها على نوع البيت لأعطت هذا الشعر حقه بدون زيادة ولا نقصان، فكما أنه يوجد في علم الصروف والشعر (بيت تام) وهو ما استوفى كل أجزائه، (وبيت مجزوء) وهو ما حذف نصفه، (وبيت منهوك) وهو ما حذف ثلثا شطريه وبقي الثلث، والأمثلة على كل نوع من هذه الأنواع في الشعر العربي أكثر من أن تحصى، فإنني أقترح إضافة صنف جديد لهذه الأصناف يسمى (البيت المغصن) وعندئذ يقال مثلًا إن القصيدة الفلانية من (مغصن الرمل)، أو (مغصن المتدارك)، وبذلك نكون قد حافظنا على نوع البحر، ووصفنا البيت بشكل دقيق، وأنزلنا الشعر الحر في مكانه الصحيح ضمن بنيان الشعر العربي، وأصبح جزءًا داخليًا منه، وإنني أرجو إخواني من الشعراء والنقاد تمحيص هذا الاقتراح لإمكانية تعميمه والاصطلاح عليه؛ لينتشر ويترسخ إذا كان مناسبًا.
2- الشعر المرسل:
وهو يختلف عن الشعر السابق -الحر- بعدم وجود قافية فيه، أما موسيقى الشعر (الوزن) فهو يحتفظ بها كالشعر الحر تمامًا، وليس هناك من كبير خلاف على أن هذا الشعر أيضًا مقبول، ويمكن إدراجه في رأيي تحت صنف (المغصن) الوارد ذكره بدون تفريق بينه وبين الشعر الحر، لا سيما وأن القافية في الشعر الحر ليست بارزة تمامًا، بل تكاد تختفي معالمها في بعض أجزاء القصيدة أحيانًا مما يجعل النوعين نوعًا واحدًا.
3- ما يسمى بالشعر المنثور:
ظهرت في بيروت منذ سنوات ظاهرة تخريبية أطلقت على نفسها (مدرسة الحداثة) في الشعر، ومن روادها (أدونيس)، و(يوسف الخال) وغيرهم، وقد ابتدع هؤلاء مزية أسموها الشعر المنثور أو القصيدة النثرية، جردوا فيها الشعر من جميع مقوماته وأسسه، وهم يدعون أن (نبرة) الكلمات الشعرية تعطي المبنى موسيقى داخلية مما يبرر تسمية هرائهم شعرًا، وقد فضح دعوتهم وفندها كثيرون بمن فيهم رواد الشعر الحر كالشاعرة نازك الملائكة، ولا مجال هنا للتوسع في تفنيد دعواهم؛ لأن العقل السليم لا يتقبل حتى مجرد هذه التسمية، ناهيك عن المضمون الذي لا يعبر إلا عن الخراب الفكري والحسي، وأقل ما يقال عن هذه التسمية هو إنها تستخف بالعقول، فكيف يمكن أن يكون الشيء معادلًا لنقيضه، فالشعر نقيض النثر، ولن يكون الشعر نثرًا، أو النثر شعرًا، إلا إذا أصبح الأبيض أسود، والأسود أبيض، واحتاج النهار إلى دليل، وعندها لن يصح في الإفهام شيء كما يقول الشاعر الحكيم.
يا حبذا لو أن هجوم الأخ القارئ اقتصر على هذا النوع مما يزعم بعضهم أنه شعر، إذًا لكان معه الحق كل الحق في كل ما قاله، ولأيدناه وشددنا على يده، والمجتهد مأجور على كل حال، وحسبه فضلًا غيرته على تراث أمته ودينه والله الموفق.
صالح الجيتاوي.
غياب المجتمع:
شعر سعد العوفي
| أين يا قراء غاب المجتمع؟ | ساحق الأوهام مجتث البدع! | |||
| قد فقدنا في السرى مصباحه | بعد أن سرنا به منذ سطع ... | |||
| كضياء الصبح في إشراقه | شق في الجهلاء ليلًا فانصدع | |||
| وتطلعتم إلى ملحقه | تابع كالغيث إن وافى نفع | |||
| ينشر الآداب زهرًا يانعًا | من أقاصيها ربيعًا ينتجع | |||
| في زمان صوحت آدابه | روضها ذاو، به الجدب شرع | |||
| وإذا بالأصل يخبو نجعه | فجأة عنا جميعًا قد قطع | |||
| سألونا، وسألنا، ما به؟ | وتولتنا تباريح الجزع
| |||
| أتراها جملة زلت به؟ | حيث نال القيد منه ما وسع | |||
| وبعنف قلمت أظفاره | وجناح في سما الفصحى ارتفع | |||
| يا زمانًا كثرت آفاته | ما علمنا بلسمًا فيها نجع | |||
| فيك رايات العلوم ارتفعت | كيف من أفضالها لا ننتفع؟ | |||
| أين هذا العلم؟ ما أوصافه؟ | كلما قلنا انتفى الجهل رجع | |||
| الإصلاح إن فاه بها | ربها عن جفنه النوم امتنع | |||
| الذرات قوم غيرنا | وعلينا نافع القول منع | |||
| رب قول هادف ضقتم به | لم يكن إلا على خير طبع | |||
| أرض أجدادي وديني كيف لا | نبتغي أمجادها أن ترتجع | |||
| نحن بالأرواح نعلي شأنها | إن يكن من شأنها البعض يضع | |||
* المجتمع: نشكر الأخ الشاعر على عواطفه النبيلة، ونأمل من الله -سبحانه وتعالى- أن نكون عند حسن ظن القراء جميعًا ... والسلام.