; محمد ولد فال لـ «المجتمع»: فرنسا تحاول « أفغنة» المنطقة.. وتداعيات الحرب خطيرة | مجلة المجتمع

العنوان محمد ولد فال لـ «المجتمع»: فرنسا تحاول « أفغنة» المنطقة.. وتداعيات الحرب خطيرة

الكاتب سيد أحمد ولد باب

تاريخ النشر الجمعة 01-فبراير-2013

مشاهدات 70

نشر في العدد 2037

نشر في الصفحة 18

الجمعة 01-فبراير-2013

الحركات الإسلامية المسلحة شمال مالي استطاعت أن تستدرج الفرنسيين إلى المستنقع.

القوات الفرنسية تنتظر بوضوح نشر الأفارقة لقواتهم البرية للدفع بهم إلى واجهة القتال.

العالم يتّحد ويتحرك بُغية عدم المساس بالحوزة الترابية المالية ولا يتحرك إزاء المطالب المشروعة للسكان.

قال الباحث الموريتاني، أستاذ علم الاجتماع السياسي بجامعة نواكشوط، ورئيس المركز الموريتاني للبحوث والدراسات محمد ولد سيد أحمد فال «بوياتي»: إن التدخل الفرنسي شمال مالي من شأنه «أفغنة»، المنطقة، وزيادة العنف، وتعقيد الأزمة السياسية بالبلد الإفريقي المضطرب منذ شهور تمهيدًا لمشروع «زودستان».

وقال ولد سيد أحمد فال، في مقابلة خاصة مع مراسل مجلة «المجتمع» بموريتانيا: إن الوجود الغربي بالمنطقة سيحولها إلى ميدان يستقطب كل الناقمين على الغرب، وبكثرة عدد الفاعلين تتعدد أوجه المشكلة وتتعقد، وسيدفع بدول جديدة إلى دائرة العنف بفعل المواقف الغربية الداعية إلى توريط أكبر قدر ممكن من دول الساحل في حربها ضد القاعدة وبعض الجماعات الأزوادية المسلحة بالشمال المالي.

وفيما يلي نَص المقابلة:

● في البداية، كيف تنظرون إلى التدخل الفرنسي بمالي؟

- عمومًا التدخل العسكري المباشر لفرنسا وبعض الأطراف الغربية في الأزمة المالية وسرعته كان مفاجئًا لأغلب المراقبين وبرغم الطابع الإفريقي في الحرب، فإن الجميع تقريبًا يدرك أن الحرب حرب فرنسية في الأساس.

واعتقد أن الحركات الإسلامية المسلحة شمال مالي استطاعت أن تستدرج الفرنسيين إلى المستنقع المالي والمواجهة المباشرة على الأرض، بعد أن تأكدت من نوايا الحكومة الفرنسية، وتملص الإدارة المالية من الحوار الدائر بوساطة بعض الدول كالجزائر ،كما أن التدخل العسكري الفرنسي أحرج الكثير من الدول والمجموعات السياسية التي كانت تساند حل الأزمة المالية ضمن الإطار الإفريقي، وكانت بصدد تقديم الدعم العسكري أو اللوجستي للقوات المالية في حربها ضد الجماعات الإسلامية المسلحة أو الطوارق، حيث باتت أغلب شعوب هذه الدول وقواها الحية تنظر إليها باعتبارها حربًا فرنسية ضد مجموعات إسلامية من سكان إقليم أزواد، طالبوا بحقوقهم السياسية والثقافية بعد سنوات من التجاهل والحرمان منذ الاستقلال، وخاضت هذه المجموعات عدة نضالات، وأسقطت عدة رؤساء لمالي كان آخرهم «آمادو توماني توري».

● كيف ترى سير العمليات العسكرية بمالي؟

- أعتقد أن القوات الفرنسية تحركت بسرعة لوقف زحف الإسلاميين باتجاه «باماكو»، وقد استطاعت نسبيًا أن تعرقل سيطرتهم السريعة على المدن الرئيسة، لكنها بالمقابل عجزت عن المواجه على الأرض في قتالها بمالي، خوفًا من خسائر مشابهة لتلك التي عاشها الأمريكيون بالصومال أو أفغانستان، وهو ما يفسر تمركز قوات الفرنسيين عند مدينة «سفاري»، الواقعة وسط البلاد «٥٠٠  كلم من باماكو»، وتمركز قوات «أنصار الدين» بالعديد من القرى المحيطة بها دون أن تحدث اشتباكات برية بين الطرفين، رغم مضي عدة أيام على بدء العمليات العسكرية بشمال مالي.

وينبغي أن نعي أن طبيعة الأرض الأزوادية مكشوفة، مما يسهل عمليات المطاردة بالطائرات، ويسهل عمليات الاستهداف عكس الحالة الأفغانية والمناطق الجبلية التي يمكن التخندق والتمترس فيها، حيث البقاء فيها لا يشكل خطرًا كبيرًا، نظرًا لبعدها من المدن والمنشآت، كما أن الكثافة السكانية في الشمال المالي قليلة «سكان الشمال المالي يبلغون مليون ونصف مليون تقريبًا، مليون من الطوارق، والباقون من العرب والسونقاي وآفلان»، مما يصعب احتضان الجماعات هنالك مثلما احتمت الجماعات المسلحة في العراق بالمدن.

وهذه الصعوبات تعيها الجماعات بشكل جيد، فاتجهت إلى الخطوط الأمامية واحتمت بالسكان، وهو أمر سيربك الفرنسيين، ويصعب من مهمتهم، وسيغير من سير وسرعة العمليات التي يبدو أنها ستطول.

● ما الذي ينتظره الفرنسيون قبل الحرب البرية؟

- القوات الفرنسية تنتظر بوضوح نشر الأفارقة لقواتهم البرية بمالي من أجل الدفع بهم إلى واجهة القتال، رغم معرفتها أن الجيوش الإفريقية المدربة على الحروب في الغابات لا تستطيع الصمود في حرب الرمال المتحركة، إضافة إلى فقدانها لعقيدة قتالية تبرر الزج بها في أتون حرب بالوكالة، وهذا أمر يقلل من نسبة حظوظهم في الصمود، وستؤمن فرنسا غطاء جويًّا للقوات المشاركة في العملية، مع اكتفاء القوات الفرنسية بتأمين المدن الرئيسة والمطارات العسكرية. وتقديم الإسناد في المعارك أو التحرك على شكل مجموعات خفيفة لاغتيال بعض القادة البارزين، أو تحرير الرهائن، إذا تحدد المكان الذي يوجدون فيه، مع أن الأوضاع الأمنية قد تفرض على الفرنسيين التدخل مباشرة إلى جانب القوات الإفريقية إذا أتضح أن الأخيرة غير جاهزة للقتال أو انهارت أمام ضربات المقاتلين الإسلاميين العارفين بخارطة المنطقة جيدًا، والمدفوعين بقوة العزيمة والخوف من تصفيات عرقية قد تنفذها القوات الإفريقية الغازية أو المالية.

● ما انعكاسات الحرب برأيك على المنطقة؟

- انعكاسات الحرب الفرنسية على الإسلاميين شمال مالي بالغة الخطورة، ولعل

أبرز تداعياتها المحتملة، هي: 

- إجهاض ثورة شعب اضطر لحمل السلاح من أجل استعادة حقوقه المسلوبة بعد سنوات من الظلم والتهميش، وإخضاعه لإرادة الدولة المالية، ومصادرة حقه في اختيار المنهج الذي يدير به حياته وشأنه، مع مصادرة حقه في العيش الكريم. 

- تدمير المدن الواقعة شمالي البلاد من خلال قصف كل المنشآت الحيوية -على قلتها- وتعريض حياة الأمنين للخطر من خلال الاستهداف الأعمى لكل ساكني الإقليم.

- التكلفة البشرية من خلال ارتفاع عدد الضحايا في صفوف المدنيين والمقاتلين، وتشريد الآلاف من ساكني المدن والقرى الواقعة في الشمال، والتي بدأت بالفعل مغادرة أراضيها خوفًا من تصفيات عرقية قد تنفذها القوات المالية أو الإفريقية، وهي تدخل المنطقة الواقعة تحت سيطرة «أنصار الدين»، سابقًا. 

- تعريض السلم الأهلي المالي لهزات عنيفة، فالجراح القائمة من شأنها تعميق الشعور بالغين والاستهداف على أساس الدين واللون والجهة، وهو ما يعني استحالة المصالحة الوطنية في الأمد المنظور بعد أن غاب صوت العقل والحكمة والدعوة للحوار، أو غيب لصالح الطائرات والمجنزرات القادمة من باريس.

- تعريض أمن الساحل لهزة عنيفة وإعادة التحكم الفرنسي في دول المنطقة التي تنظر الآن إلى باريس كمنقذ من المد الإسلامي القادم، سواء عن طريق الانتخابات في دول الربيع العربي أو عن طريق السلاح بفعل تراكم المظالم التاريخية، وغياب أي أفق لحل الأزمات الداخلية المستحكمة داخل أكثر من دولة وإقليم.

- ازدياد الأزمة الإنسانية بفعل هجرة الأرامل والأطفال والثكلى، ومما يلفت الانتباه إلى أن العالم يتّحد ويتحرك بغية عدم المساس بالحوزة الترابية المالية، ولا يتحرك إزاء المطالب المشروعة للسكان قبل الحرب، ولا تجاه الأزمة الإنسانية الخانقة التي يعيشها السكان في الشمال المالي.

- كما أن الحرب قد يقرؤها البعض على إنها حرب عنصرية تقودها دول السود بدعم فرنسي ضد الشمال ذي الغالبية الطارقية والعربية، وهو أمر قد يدفع ببعض السكان في النيجر وليبيا والجزائر وموريتانيا للتحرك ضد هذه الحرب بذريعة وقف التصفية العرقية، وهذا بدوره يفتح الحرب على مسارات لم تكن متوقعة.

● ما الخيار المتاح لتخفيف آثار الحرب القائمة حاليًا؟

 - الخيار الوحيد هو أن تدرك الأطراف مجتمعة أن الحرب خيار خاسر، وسلوك مرفوض، وأن تعود القوات الفرنسية إلى قواعدها وتنسى فكرة الوصاية على الدول الإفريقية.

ينبغي أن يفتح باب للحل السياسي بوساطة إفريقية «بوركينا فاسو» أو غيرها، وأن يتحول دور القوة الإفريقية من قوة عدائية البعض الأطراف إلى قوة راعية لاتفاقية سلام بين الأطراف المتحاربة وضامن لتنفيذ بنودها، وأن يعترف بحقوق الأزواديين كاملة، مع احترام وحدة وسيادة الدولة المالية على كامل أراضيها.

وأعتقد أن أي حل آخر هو معاناة و«أفغنة» للمنطقة وإطالة لأمد الصراع، وتكريس للظلم، ونشر للفوضى والدفع بالمنطقة عمومًا إلى أتون حرب استنزاف طويلة الأمد لا تبقي ولا تذر، وقد تدفع إلى أن تشارك فيها أطراف إقليمية ودولية، مما يزيد الحرب اشتعالًا. 

الرابط المختصر :