; مخاطر الشراكة الأوروبية – المتوسطية | مجلة المجتمع

العنوان مخاطر الشراكة الأوروبية – المتوسطية

الكاتب عبدالحي محمد

تاريخ النشر الثلاثاء 04-مارس-1997

مشاهدات 83

نشر في العدد 1240

نشر في الصفحة 30

الثلاثاء 04-مارس-1997

  • الشراكة تهدف لمواجهة الأصولية الإسلامية وتكريس شرعية الكيان الصهيوني وربط أمنه بالأمن العربي
  • الشراكة مشروع استعماري أوروبي يمنع انتقال التكنولوجيا الغربية إلى البلدان العربية ويهدف إلى نهب ثرواتها المادية والاقتصادية وتمزيق وحدتها

دشنت عواقب أزمة الخليج الثانية من ناحية، وانهيار المعسكر الاشتراكي وتنازع العملاقين الأمريكي والأوروبي على قيادة العالم من ناحية أخرى، المنطقة العربية لعملية إعادة تشكيل تلعب فيها القوى الكبرى الاستعمارية دورًا أساسيًا وكبيرًا. فمنذ بداية التسعينيات يتصارع مشروعان استعماريان لكل منهما أبعاده الاقتصادية والسياسية والامنية والثقافية للهيمنة على المنطقة العربية، الأول هو المشروع الشرق أوسطي الذي تقوده الولايات المتحدة الأمريكية وتقع إسرائيل في قلبه، والمشروع الثاني هو المشروع المتوسطي الذي يقوده الاتحاد الأوروبي وتقع إسرائيل أيضًا في قلبه، وكلا المشروعين مخطط استعماري ذو جذور تاريخية وثقافية من جانب القوى الغربية سواء كانت أمريكية أو أوروبية تجاه المنطقة العربية الإسلامية.

وإذا كانت سياسة رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو قد أجلت ضخ الدماء في مؤسسات السوق الشرق أوسطية التي أقرتها مؤتمرات القمة الاقتصادية الثلاثة لبلدان الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في الدار البيضاء وعمان والقاهرة، وهي مؤسسات بنك الشرق الأوسط، ومؤسسة الشرق الأوسط للسفر والسياحة، ومجلس الأعمال الإقليمي والأمانة التنفيذية لمؤتمرات الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، بسبب ربط البلدان العربية إنشاء السوق الشرق أوسطية بالتقدم نحو عملية السلام وإعطاء الفلسطينيين جزءًا صغيرًا من حقوقهم، فإن المشروع المتوسطي أو ما يسمى بالشراكة الأوروبية المتوسطية ينطلق بقوة إلى الأمام للسيطرة على المنطقة العربية اقتصاديًا وثقافيًا وربط أمنها بالأمن الأوروبي تحت زعم مواجهة الأصولية الإسلامية التي تهدد الاتحاد الأوروبي كما تؤكد وثائق المشروع. 

ولا تقل خطورة المشروع المتوسطي عن مشروع الشرق أوسطية إن لم تزد، فالاستعمار الأوروبي الجديد يتجه إلى المنطقة العربية متخفيًا وراء الشريك الاقتصادي المخلص المنادي بتحقيق تسوية عادلة للصراع العربي الإسرائيلي والراغب في إقامة حوار ثقافي وحضاري بين الشرق والغرب رصد لنجاحه 10.6 مليار دولار للدول التي تسير في ركابه الفكرية والثقافية على هيئة منح ومعونات ثقافية.

مشروع أوروبي خالص

والمشروع المتوسطي هو مشروع الجماعة الأوروبية لحمًا وشحمًا يبلور ويبرز رغبة الأوروبيين في إعادة تأكيد التواجد الأوروبي على الساحة الدولية كمنافس قوي وفعال ضد أمريكا، وهو مشروع ذو دوافع تتصل بما يثور أمام الأمن الأوروبي من تحديات تنبثق من دول جنوب حوض البحر المتوسط والتي تنتشر فيها الأصولية الإسلامية بقوة.

ولأن المشروع المتوسطي في المنشأ والتوجه هو مشروع أوروبي بحث فقد استبعدت منه أوروبا دولًا متوسطية «ليبيا»، وأضافت إليه دولًا غير متوسطية «الأردن» ومزقت من خلاله المنطقة العربية حيث استبعدت بلدان الخليج وفصلتها عن البلدان العربية في شرق وجنوب البحر المتوسط، ويضم المشروع بالإضافة إلى بلدان الاتحاد الأوروبي 12 دولة وهي المغرب وتونس والجزائر ولبنان وسوريا والأردن وإسرائيل وتركيا ومالطا وقبرص والسلطة الفلسطينية، والمشروع المتوسطي لم يبدأ مع مؤتمر برشلونة «نوفمبر 1995م»، والتي وضعت فيه أسس الشراكة الأوروبية المتوسطية، ولن ينهي مؤتمر الشراكة الثاني، المقرر أن يعقد في إبريل القادم بالأردن، الخلافات الكبيرة الناشبة بين الدول المتوسطية وأوروبا، وهي خلافات أمنية اقتصادية في المقام الأول، حيث ترفض البلدان العربية الانضمام إلى بنك معلومات عسكري لكل الدول المشاركة في المشروع، كما تطالب بأفضليات لصناعاتها سواء في الأسواق الأوروبية أو أسواقها ذاتها بعد تدفق المنتجات الأوروبية إليها، والشراكة ليست إلا جزءًا من عملية مرت بحلقات سابقة متتالية بدأت منذ بداية السبعينيات بما أعلن عن السياسة المتوسطية الشاملة «1972 – 1989م»، والحوار العربي الأوروبي «1974م – 1992م»، والدعوة إلى السياسة المتوسطية الجديدة «1989م – 1995م»، ومبادرة مؤتمر الأمن والتعاون في المتوسط 1991 – 1992 م، وحـوار 5 + 5 والشراكة الأوروبية المتوسطية «1995م».

وهناك أبعاد سياسية وثقافية واقتصادية عديدة يمكن أن تفسر لنا ذلك الاهتمام الأوروبي الكبير بالمتوسطية كمشروع سياسي واستراتيجي وصل إلى حد الإعلان عن مشروع الشراكة الأوروبية المتوسطية في نوفمبر 1995م. 

لقد جاءت الدعوة للمشروع الأوروبي استجابة لمتغيرات مهمة وجوهرية في مجموعتين من المتغيرات هي المتغيرات الأوروبية والعالمية من ناحية والمتغيرات الإقليمية، أي مصادر التحديات للأمن الأوروبي، من ناحية أخرى.

فعلى صعيد المتغيرات العالمية فمنذ تراجع فكرة التهديد السوفييتي والشيوعي للأمن الأوروبي تصاعدت حدة الخلافات الأوروبية الأمريكية حول القضايا الخارجية والنقدية العالمية وحول قضايا الدفاع والأمن، فقد أضحى مصير «الناتو» في صميم الخلافات الأمنية حول أركان نظام أمن أوروبا الجديد ودور الولايات المتحدة فيه، وكذلك وضع دول حلف وارسو السابق، وسعي الاتحاد الأوروبي لتطوير ركيزة أوروبية لحلف الأطلنطي إلى جانب الركيزة الأمريكية، ومن جانب آخر أضحى مستقبل الجات في صميم الخلافات التجارية بين أمريكا وأوروبا، حيث إن تحرير التجارة العالمية وفق المنظور الأوروبي كان لهدف حماية التفوق الأمريكي في النطاق الاقتصادي العالمي، وبالطبع كان لهذه الاختلافات الأمنية والاقتصادية بين أمريكا وأوروبا أصداؤها على المواجهة بينهما على حوض المتوسط، حيث ترسخت فكرة المشروع المتوسطي في نظر الاتحاد الأوروبي وبصفة خاصة بعد وصول الديجوليين للسلطة في فرنسا من جديد، لقد كانت المتوسطية طرحًا أوروبيًا ردًا على إصرار الولايات المتحدة الأمريكية على أن تنفرد بمقدرات الشرق الأوسط وهو الإصرار الذي يتجلى باستمرار على الأصعدة السياسية والاقتصادية والعسكرية وبوضوح شديد منذ أزمة الخليج الثانية، وبالرغم من أن إسرائيل عامل مشترك بين المتوسطية والشرق أوسطية، إلا أنهما كطرحين متزامنين يعدان مؤشرًا على تصاعد المنافسة الأمريكية الأوروبية على حوض البحر المتوسط، وإذا كانت إسرائيل والولايات المتحدة ما زالتا تصران منذ مؤتمر مدريد على استبعاد دور أوروبي من عملية السلام في المنطقة، والانفراد بإعادة تشكيل هياكل التعاون الإقليمي الجديدة، فإن أوروبا اختارت طرحًا أكثر شمولًا يحقق أهدافها السياسية في المنطقة من خلال التحرك على الصعيد الاقتصادي وعلى الصعيد الأمني بمعناه الشامل وليس التقليدي، فقد أعلنت أوروبا في قمة عمان الاقتصادية «1995م» رفضها لإنشاء بنك الشرق الأوسط الجديد وأعلنت أنها لن تكون مجرد بیت تمويل للسياسة الأمريكية، وبعد مؤتمر برشلونة دعا الاتحاد الأوروبي لعقد قمة أوروبية آسيوية جمعت بين دول الاتحاد ومجموعة الآسيان، تلك المجموعة التي تنشط تجاهها حاليًا أمريكا، مما يعني أن مـؤتمر برشلونة الذي دشن فكرة المتوسطية كفكرة سياسية ليس إلا حلقة بين حلقات أخرى من سياسة استقلالية أوروبية يحاول من خلالها الاتحاد الأوروبي أن يكون كيانًا ذا سياسة خارجية مشتركة وليس كيانًا اقتصاديًا فقط، وبالرغم من هذه الخلافات على الصعيد الاقتصادي تظل الخلافات الأوروبية الأمريكية حول قضايا الأمن التقليدي وفي جوهرة أمن إسرائيل في المنطقة، تظل حتى الآن مجالًا لقدر أكبر من التوافق والتراخي بين جانبي الأطلنطي، حيث تظل السياسة الأوروبية على هذا الصعيد جزءًا من سياسات حلف الأطلنطي.

متغيرات أوروبية

أما على صعيد المتغيرات فقد شهدت أوروبا خلال السنوات القليلة الماضية وما زالت تشهد صحوة أوروبية جديدة لتدعيم الهوية الأوروبية والكيان الجماعي الأوروبي وإنشاء السوق الأوروبية الموحدة كسبيل لمواجهة التحديات الداخلية «تباطؤ معدلات النمو والعجز عن اللحاق بمعدلات النمو اليابانية، تزايد معدلات البطالة، القصور في التسابق التكنولوجي»، والتحديات الخارجية أيضًا «ضعف القدرة التنافسية على الاقتصاد العالمي»، ولم تقتصر تلك الصحوة على المطالبة بالتوحد الاقتصادي، بل طالبت بربط السياسة الخارجية لدول الاتحاد بالسياسة الدفاعية والأمنية المشتركة، وبالفعل عكست معاهدة ماستريخت هذا الربط في الوقت الذي نجحت فيه أوروبا في حل معضلة مهمة كانت تواجهها وهي تجاذب اهتمام دول الاتحاد الأوروبي بين منطقتي شرق أوروبا وجنوب المتوسط، فقد كانت دول أوروبا تعطي لإحدى هاتين المنطقتين اهتمامًا خاصًا ينبع من اعتبارات تاريخية واستراتيجية ومصلحة مباشرة، وقد ازدادت أهمية ذلك التجاذب نظرًا للظروف الخاصة التي تمر بها كل من المنطقتين ونظرًا لانعكاساتها على أمن أوروبا ومصالحها، وقد قادت فرنسا وإيطاليا والبرتغال وإسبانيا واليونان تيار الدعوة نحو جنوب المتوسط، وذلك تحت مقتضيات المرحلة الراهنة التي تشهد تغيرات جذرية وخطيرة على حوض المتوسط قد تعيد له أهميته المفقودة وتكسبه طابعًا جديدًا، ولعبت الرئاسة المتوسطية للاتحاد «فرنسا، إسبانيا، إيطاليا»، دورًا كبيرًا لتعميق التوجه المتوسطي في السياسة الأوروبية وإظهاره وإبرازه وإعطائه قوة الدفع اللازمة لضبط ميزان القوى داخل الاتحاد بين ألمانيا والتي تؤيد الانضمام لمنطقة شرق أوروبا من جانب، وبلدان التيار المتوسطي من جانب آخر. 

وعلى صعيد المتغيرات الإقليمية والتي تتعلق بتحديات الأمن الأوروبي النابعة من جنوب المتوسط، فقد ذكرت عدة وثائق أوروبية أبرزها وثيقة اللجنة الأوروبية إلى المجلس الأوروبي حول السياسة المتوسطية الجديدة، وكذلك الوثيقة الإسبانية الإيطالية في اجتماع مؤتمر الأمن والتعاون الأوروبي في «مايوركا»، أن الأصولية الإسلامية في دول جنوب المتوسط هي أخطر التحديات التي تواجه بلدان الاتحاد، خاصة وأن سوء الأحوال المعيشية في دول جنوب المتوسط يسهل – كما ذكرت الوثائق – من تقدم الحركات الأصولية الإسلامية التي تعتبرها قواعد عريضة من شعوب هذه الدول بمثابة قوى التقدم نحو المستقبل، في حين تنظر إليها أوروبا والغرب وحكامه بعيون الشك، وقد زادت خطورة الأصولية الإسلامية على بلدان الاتحاد – كما تقول الوثائق - بعد أن هاجرت أعداد ضخمة من أبناء دول جنوب المتوسط إلى أوروبا وشكلت هناك تجمعات إسلامية لدرجة أن الدين الإسلامي أصبح هو الدين الثاني في أوروبا المسيحية، وبالإضافة إلى تهديد الأصولية الإسلامية لأوروبا، فهناك تخوف أوروبي من إنفاق دول جنوب المتوسط على التسليح بصورة هائلة لا تتفق مع المخاطر التي تواجهها وقد تتحول تلك الأسلحة في يوم ما ضد أوروبا، خاصة وأن مشاعر شعوب دول جنوب المتوسط تجاه أوروبا متأججة بالرفض والغضب لتأييدها ودعمها للأنظمة الديكتاتورية التي تحكمها، فضلًا عن تأييدها للاحتلال الإسرائيلي للقدس.

ويرجع اهتمام أوروبا بالمشروع المتوسطي من الناحية الاقتصادية لكونه يحقق لها الهيمنة الاقتصادية على بلدان جنوب وشرق المتوسط، حيث يتيح لها الانفتاح الشامل على أسواق تلك الدول وحيازة وضع التجمع الاقتصادي المتمتع بالميزات الخاصة في أسواق دول جنوب وشرق المتوسط التي استوعبت أسواقها واردات بلغت قيمتها نحو 132.2 مليار دولار عام 1995م، وتواجه دول بلدان جنوب وشرق المتوسط في شراكتها مع الاتحاد الأوروبي ضغوطًا عنيفة ستعرض صناعاتها الوليدة والتي تنتج بتكلفة أعلى من نظيرتها في أوروبا للخسارة، كما أن توجه تحرير التجارة بين دول الاتحاد الأوروبي وبلدان جنوب وشرق المتوسط سيؤدي تدريجيًا إلى حدوث انخفاض كبير في الإيرادات العامة لدول جنوب وشرق المتوسط بسبب انخفاض ثم إلغاء الضرائب الجمركية.

ملاحظات مهمة

وعلى أي حال فإن هناك ثلاث ملاحظات رئيسية ومهمة على مشروع الشراكة الأوروبية المتوسطية من الناحية الاقتصادية وهي:

الملاحظة الأولى: مشروع الشراكة الذي يطرحه الاتحاد الأوروبي يتجاهل إزالة الحواجز أمام انتقال التكنولوجيا الأوروبية إلى الدول العربية ودول جنوب وشرق المتوسط، وهو أمر لا يستقيم مع اتجاه الطرفين لإقامة شراكة استراتيجية حتى وإن كانت ستقف عند حدود تحرير التجارة بين الطرفين. 

الملاحظة الثانية: وهي تتعلق بقضية حركة عنصر العمل، حيث وافقت دول الاتحاد الأوروبي على تحرير حركة التجارة وتحرير حركة رأس المال، في حين قيدت حركة عنصر العمل حتى لا يهاجر إليها عرب أصوليون، فيشكلون لها أي تهديد الأمر الذي يؤكد أن الشراكة لن تخدم إلا أوروبا فقط، حيث ستجلب إليها الاستثمارات العربية وتنتج بها سلعًا توردها للعرب بأسعار مضاعفة. 

الملاحظة الثالثة: وتتعلق بقواعد المنشأ المتشددة التي أقرتها الشراكة بشأن المكون الوطني في صادرات دول جنوب وشرق المتوسط التي تتمتع بالإعفاء في أسواق الاتحاد الأوروبي، وهي قواعد لن تسمح بمرور غالبية سلع دول جنوب وشرق المتوسط إلى أوروبا، كما أنها لم تراع حداثة صناعات تلك الدول، وحاجتها لفترة لإعادة هيكلة نفسها وزيادة اعتمادها على الذات للوصول إلى أعلى نسبة من المكون الوطني في السلطة.

تحذيرات غربية

ويحذر خبراء صندوق النقد الدولي من الآثار السلبية التي ستتعرض لها اقتصاديات دول جنوب وشرق المتوسط لدى تطبيق اتفاقات الشراكة الأوروبية المتوسطة، حيث أشار بول شابربيه رئيس إدارة الشرق الأوسط في صندوق النقد الدولي، إلى أن دول جنوب وشرق المتوسط ستتعرض لخسائر مالية بسبب الشراكة مع أوروبا من جراء ما سيترتب عليها من خفض إيرادات الرسوم الجمركية والتكاليف الكبيرة لتعديل هياكلها العمالية والاستثمارية ودعم صناعاتها، في حين أن تدفق الاستثمارات الأوروبية إليها بسبب اتفاقيات الشراكة غير مؤكد خاصة إذا بقيت الحواجز بين دول جنوب وشرق المتوسط، لأن السلع المنتجة في أوروبا سوف تتمتع في هذه الحالة بمعاملة تفضيلية في أسواق كل الدول الموقعة على اتفاق الشراكة، وهي معاملة قد لا تتمتع بها لو كانت منتجة من استثمارات متوطنة في إحدى دول الشرق الأوسط التي توجد حواجز بينها وبين الدول الأخرى، كما دعا برنارد هوكمان كبير الاقتصاديين في إدارة شمال إفريقيا وأوروبا وآسيا الوسطى في البنك الدولي، إلى خفض التعريفات الجمركية بين الدول الشرق أوسطية الموقعة على اتفاقات الشراكة مع أوروبا لتلافي تركز الاستثمارات في أوروبا وانتقالها إليها من

الدول الأخرى.

الأبعاد الثقافية

تمثل دراسة د. صموئيل هنتجتون «صراع الحضارات»، أساسًا نظريًا وفكريًا للمشروع المتوسطي حيث ينطلق من أن العالم سيشهد خلال السنوات القادمة حربًا بين الحضارة الإسلامية من جانب والحضارات الغربية من جانب آخر، فالحروب السابقة كانت تقع في معظمها داخل الحضارة الغربية بمعنى أنها كانت حروبًا أهلية غربية وقد انطبق ذلك على الحرب الباردة أو الحربين العالميتين، وبانتهاء الحرب الباردة خرجت السياسة الغربية من مرحلة الضعف إلى مرحلة القوة والسيطرة والنفوذ على حضارات العالم وهي في هذا الوقت لا تواجه حضارة ناهضة أخرى سوى الحضارة الإسلامية. 

وتحظى إسرائيل في تلك المعركة الحضارية المتربصة والتي تهيئ لها الساحة الدولية حاليًا بوضع استراتيجي حاسم بين عالمين: عالم غربي وعالم غير غربي، وعلى الرغم من أن الطابع الصهيوني العنصري للدولة اليهودية يشكل عائقًا بالفعل في وجه التعاون المتوسطي، إلا أن أوروبا تصر على استمرارها كعضو قوي في الشراكة، هذا بالإضافة إلى أنها لا تتخذ خطوات جدية نحو تصحيح صورة الإسلام في الغرب، تلك الصورة التي يدفع بها دفعًا نحو المواجهة والصراع على أساس أن الإسلام ومن يمثلونه هم العدو الأساسي للغرب، والملاحظ هنا أن وسائل الإعلام الغربية دأبت على اعتبار الأصولية كمصطلح سياسي ديني لصيق بالإسلامية إلى حد أن مجرد ذكر الأصولية في حوض البحر المتوسط ينصرف بالأساس على أنها أصولية إسلامية، وأوروبا بهذا تخفي ظهور أخطر أصولية تشكل تهديدًا على أمن الشرق الأوسط وهي الأصولية اليهودية التي تتخفى بقشرة علمانية ديمقراطية، بل وتقويها على حساب دول المنطقة العربية، وهذا الموقف الأوروبي يؤكد مسؤولية أوروبا المباشرة في زرع حماية إسرائيل في المنطقة باعتبارها ممثلًا لأوروبا والحضارة الغربية، حيث إن الصهيونية رافد من روافد مشروع الحداثة الأوروبية. 

آراء الخبراء

ويتفق خبراء وأساتذة العلوم السياسية والاقتصاد والثقافة على أن المشروع المتوسطي لا يحقق إلا رغبات ومصالح أوروبا فقط، ويؤكدون أن هذا المشروع لن يكتب له النجاح لعوامل عديدة منها سياسية واقتصادية وثقافية حضارية. 

تستبعد د. نادية محمود مصطفى - أستاذ العلوم السياسية بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة – أن تتحول الشراكة الأوروبية المتوسطية إلى تعاون حقيقي استراتيجي لصالح كلا الطرفين، حيث إن جوهر العلاقة التاريخية بينهما كانت علاقة صراع، وإن اختلفت أدواته من مرحلة إلى أخرى ما بين أدوات عنف وأدوات سلم، والمرحلة الراهنة لا تقدم فرصًا متساوية للطرفين، فطبقًا لأوضاع القوى وموازينها الحالية يصبح المشروع المتوسطي هو مشروع أوروبا وتصبح بلدان جنوب وشرق المتوسط هي الهدف.

وتلفت د. نادية مصطفى انتباهنا إلى أن أخطر مخاطر المشروع المتوسطي هي فصله للكيان العربي عن بعضه، حيث إن هناك دولًا عربية تقع في جنوب وشرق المتوسط تدخل في المشروع المتوسطي، بينما هناك دول أخرى مثل دول الخليج والسودان وليبيا تم إهمالها، وبالتالي لا يؤدي هذا الفصل إلى قيام سوق عربية مشتركة، هذا بالإضافة إلى أن المشروع المتوسطي لن يساعد المنطقة العربية على تقديم مشروع جديد للنهضة يستند إلى نموذج حضاري مخالف للنموذج الغربي أو مستقل عن رافده الأوروبي، حيث يعترف بإسرائيل والتعامل معها، وبالتالي يكرس شرعية إسرائيل واندماجها في المنطقة العربية ولن يقدم فرصًا للعرب ضد إسرائيل.

وتضيف د. نادية قائلة: المشروع المتوسطي يستجيب فقط للتحديات والتهديدات التي تواجه الأمن الأوروبي، ولذا فقد ركز على جملة التحديات والتهديدات النابعة من الأوضاع الداخلية في الدول العربية، وهو ما يتفق والمنظور الإسرائيلي عن عدم الاستقرار في المنطقة، حيث كان هذا المنظور وما زال يرفض الاعتراف بأن الصراع العربي الإسرائيلي هو المصدر الأساسي لعدم الاستقرار في المنطقة، بل إن الحديث عن ترتيبات أمنية وإجراءات بناء ثقة في حوض البحر المتوسط يهدف إلى إعطاء إسرائيل دورًا في حفظ هذا الأمن والاستقرار من المنظور الأوروبي حتى ولو في ظل استمرار الاحتلال الإسرائيلي للأرض العربية. وتخلص د. نادية مصطفى إلى أن خبرات الماضي والحاضر تؤكد أن هناك سمة ثابتة للاستراتيجية الغربية الأوروبية منذ نشأتها هي العداء الواضح لتوحيد المشرق العربي الإسلامي ولتحديث مصر وقوتها، وأن الدوافع والمصالح والأدوات الاقتصادية التي تستخدمها أوروبا حاليًا تجاه بلدان المتوسط وخاصة مصر لها أهداف سياسية واضحة تؤكد هيمنة أوروبا على البلدان العربية الواقعة على البحر المتوسط.

مشروع استعماري

أما د. محمود عبد الفضيل – أستاذ الاقتصاد بالجامعة الأمريكية - فيرى أن المشروع المتوسطي هو مشروع استعماري أوروبي جديد للسيطرة على المنطقة العربية ونهب ثرواتها المالية والاقتصادية، ويقول: المشروع المتوسطي خطير للغاية فهو مشروع غير متكافئ من الناحية الاقتصادية، حيث يعطي لسلع الدول الأوروبية أفضليات في بلادنا ويضع عوائق كثيرة على طرح الأسواق الأوروبية، ناهيك أنه يحرم بلداننا من التكنولوجيا الغربية المتقدمة. 

ويعلن د. محمود عبد الفضيل رفضه لمنطقة التجارة الحرة المزمع إنشاؤها بين بلدان شمال وجنوب شرق المتوسط مع حلول عام 2010 ويقول: لا بد أن نسعى بقوتنا إلى إنشاء السوق العربية المشتركة ومنطقة التجارة العربية الحرة، حيث إنها ستعزز دورنا الاقتصادي الإقليمي والدولي، أما شراكتنا مع أوروبا فستتيح للأوروبيين القوة والنفوذ والهيمنة وسنظل نحن في إطار التبعية. 

ويختتم د. عبد الفضيل حديثه قائلًا: لماذا لا تفكر دولنا في إقامة علاقات قوية مع العملاق الآسيوي الذي يصعد نجمه بقوة خاصة وأن هناك عوامل مشتركة كثيرة بيننا وبينه على رأسها الإسلام الذي تدين به شعوب كثيرة من آسيا؟

صراع حضاري

وتؤكد د. نيفين عبد الخالق – أستاذة العلوم السياسية وعضو المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية - أن المشروع المتوسطي لن ينجح إلا إذا اتخذت أوروبا موقفًا حياديًا وليس عدائيًا ضد الإسلام والمسلمين، وكذا اتخاذ موقف قوي وحاسم ضد الأصولية اليهودية المتطرفة التي أصبحت تشكل نسفًا لكافة أشكال التعاون الإقليمي التي تضم بلدان البحر المتوسط. 

وتضيف قائلة: إذا كانت إسرائيل تبغي بالمضي منفردة في تنفيذ مشروعها الخاص بإسرائيل الكبرى، وتتبع أسلوب فرض الأمر الواقع وبناء المزيد من المستوطنات في ظل ثقافة دينية عنصرية تنفي الآخر وتنعته بأبشع الصور المعنوية والمادية، فإنه ليس أمام العرب إلا أن يبدؤوا اليوم قبل الغد عمليًا وبالفعل في ضخ الحيوية والحياة في مشروعات التعاون والتكامل الإقليمي العربي في إطار منظمتهم الجامعة في منطقتهم قسرًا وعدوانًا من قبل الغرب، هو صراع طويل المدى، ومن الخطأ كل الخطأ تصور أن مواجهته ممكنة فقط في إطار قطري أو قومي عربي يبلور القضية في شكل صراع بين القومية العربية والصهيونية كقومية يهودية، فالدولة اليهودية تركيب فريد من مزيج قومي علماني وديني، وهي شكل من أشكال الاستعمار الغربي في بلادنا، ولا يمكن مواجهة الاستعمار الغربي الصهيوني المفروض على منطقتنا إلا بمثله، أي بالتضافر القومي والعربي والإسلامي الحضاري لمواجهته.

الرابط المختصر :