العنوان مختارات من كتب ابن قيم الجوزية
الكاتب أبو عبد الله
تاريخ النشر الثلاثاء 04-مايو-1976
مشاهدات 61
نشر في العدد 298
نشر في الصفحة 24
الثلاثاء 04-مايو-1976
هذه الرسالة عظيمة النفع للأخ الداعية يمكنه إزالتها، فإن أصعب ما على الطبيعة يوصله عن قريب ويسيره بأخلاقه إلى الإنسانية: تغيير الأخلاق التي طبعت النفوس عليها وأصحاب الرياضات الصعبة والمجاهدات الشاقة إنما عملوا عليها، ولم يظفر أكثرهم بتبديلها، لكن النفس اشتغلت بتلك الرياضات عن ظهور سلطانها، فإذا جاء سلطان تلك الأخلاق وبرز، كسر الرياضة وشتتها واستولي على مملكة الطبع.
وهذه الرسالة أخي العزيز يصل بها الداعية مع تلك الأخلاق ولا يحتاج إلى علاجها وإزالتها ويكون سيره أقوى وأجل وأسرع وأقدم قبل هذا مثلًا أضربه مطابقًا لما أريد وهو:
نهر جار في صببه ومنحدره ومنته إلى تغريق أرض وعران ودور.. وأصحابها يعلمون أنه لا ينتهي حتى يخرب دورهم ويتلف أراضيهم وأموالهم فانقسموا ثلاث فرق فرقة صرفت قواها وقوى أعمالها إلى حبسه وإيقافه فلا تصنع هذه الفرقة كبير أمر. فإنه يوشك أن يجتمع ثم يحمل على السكر، فيكون إفساده وتخريبه أعظم، وفرقة رأت هذه الحالة وعلمت أنه لا يغني عنها شيئًا فقالت: لا خلاص من محذوره إلا بقطعه من أصل الينبوع فرامت قطعه من أصله، فتعذر عليها ذلك غاية التعذر وأبت الطبيعة القهرية عليهم ذلك أشد الإباء، فهم دائمًا في قطع الينبوع، وكلما سدوه من موضع نبع من موضع آخر فاشتغل هؤلاء بشأن هذا النهر عن الزراعات والعمارات وغرس الأشجار.
فجاءت فرقة ثالثة، خالفت رأى الفرقتين وعلموا أنهم قد ضاع عليهم كثير من مصالحهم. فأخذوا في صرف ذلك النهر عن مجراه المنتهي إلى العمران، فصرفوه إلى موضع ينتفعون بوصوله إليه ولا يتضررون به. فصرفوه إلى أرض قابلة للنبات وسقوها به فأنبتت أنواع العشب والكلأ والثمار المختلفة الأصناف، فكانت هذه الفرقة هم أصوب الفرق في شأن النهر.
أخي المجاهد/
فإذا تبين هذا المثل. فالله- سبحانه- قد اقتضت حكمته: أن ركب الإنسان على طبيعة محمولة على قوتين: غضبية وشهوانية وهي الإرادية؛ وهاتان القوتان هما الحاملتان لأخلاق النفس وصفاتها. وهما مرکوزتان في جبلة كل حيوان فبقوة الشهوة والإرادة: يجذب المنافع إلى نفسه وبقوة الغضب: يدفع المضار عنها. فإذا استعمل الشهوة في طلبه ما يحتاج إليه: تولد منها الحرص وإذا استعمل الغضب في دفع المضرة عن نفسه: تولد منه القوة والغيرة فإذا عجز عن ذلك الضار: أورثه قوة الحقد وإن أعجزه وصول ما يحتاج إليه ورأي غيره مستبدًا به: أورثه الحسد. فإن ظفر به: أورثته شدة شهوته وإرادته: خلق البخل والشح وإن اشتد حرصه وشهوته على الشيء، ولم يمكنه تحصيله إلا بالقوة الغضبية فاستعملها فيه: أورثه ذلك العدوان والبغي والظلم. ومنه يتولد الكبر والتمرد والخيلاء فإنها أخلاق متوالدة من بين قوتي الشهوة والغضب فإذا تبين هذا: فالنهر مثال هاتين القوتين وهو منصب في جدول الطبيعة ومجراها إلى دور القلب وعمرانه وحواصله، يخربها ويتلفها ولا بد فالنفوس الجاهلة الظالمة تركته ومجراه فخرب ديار الإيمان وقلع آثاره وهدم عمرانه وأنبت موضعها كل شجرة خبيثة من حنظل وضريع وشوك وزقوم وهو الذي يأكله أهل النار يوم القيامة. وأما النفوس الزكية الفاضلة: فإنها رأت ما يؤول إليه أمر هذا النهر فافترقوا ثلاث فرق، فأصحاب الرياضات والمجاهدات: راموا قطعة من ينبوعه فأبت عليهم ذلك حكمة الله تعالى، وما طبع عليه الجبلة البشرية ولم تنقد له الطبيعة فاشتد القتال ودام الحرب وحمي الوطيس وصارت الحرب دولًا وسجالًا. وهؤلاء صرفوا قواهم إلى مجاهد النفس على إزالة تلك الصفات.
وفرقة أعرضوا عنها وشغلوا نفوسهم بالأعمال، ولم يجيبوا دواعي تلك الصفات مع تخليتهم إياها على مجراها، لكن لم يمكنوا نهرها من إفساد عمرانهم. بل اشتغلوا بتحصين العمران، وإحكام بنائه وأساسه ورأوا أن ذلك النهر لا بد أن يصل إليه فإذا وصل، وصل إلى بناء محكم فلم يهدمه، بل أخذ عنه يمينًا وشمالًا. فهؤلاء صرفوا قوة عزيمتهم وإرادتهم في العمارة وأحكام البناء. وأولئك صرفوها في قطع المادة الفاسدة من أصلها، خوفًا من هدم البناء.
وسألت يومًا شيخ الإسلام ابن تیمیة- رحمه الله- عن هذه المسألة وقطع الآفات؟
فقال: النفس مثل الباطوس- وهو جب القذر- كلما نبشته ظهر وخرج ولكن إن أمكنك أن تسقف عليه. وتعبره وتجوزه فافعل، ولا تشتغل بنبشه، فإنك لن تصل إلى قراره. وكلما نبشت شيئًا ظهر غيره.
إذا تبين هذا. فهذه الفرقة الثالثة: رأت أن هذه الصفات ما خلقت سدى ولا عبثًا وأنها بمنزلة ماء يسقى به الورد والشوك والثمار.
أخي المجاهد نفسه
هل يمكن أن يقع الخلق كسبيًّا أو هو أمر خارج عن الكسب؟.. الخلق يمكن أن يقع كسبيًّا والتكلف.. حتى يصير سجيه وعادة وملكه وقد قال النبي- صلى الله عليه وسلم- لأشج عبد القيس- رضي الله عنه: «إن فيك لخلقين يحبهما الله: الحلم والأناة فقال: أخلقين تخلقت بهما. أم جبلني الله عليهما؟ فقال: بل جبلك الله عليهما فقال: الحمد لله الذي جبلني على خلقين يحبهما الله ورسوله.
وختامًا أخي الفاضل أتوجه بالدعاء إلى ملك الملوك- سبحانه وتعالى- أن يرزقنا الأخلاق الفاضلة ويعيننا على طاعته، وينصرنا على أنفسنا.
وإلى رسالة قادمة- إن شاء الله تعالى.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل