العنوان مختارات من كتب ابن قيم الجوزية
الكاتب أبو عبد الله
تاريخ النشر الثلاثاء 11-مايو-1976
مشاهدات 96
نشر في العدد 299
نشر في الصفحة 16
الثلاثاء 11-مايو-1976
ومن منازل إياك نعبد وإياك نستعين منزلة الذكر، وهي منزلة القوم الكبرى التي منها يتزودون، وفيها يتجرون.. وإليها دائمًا يترددون، والذكر منشور الولاية الذي من أعطيه اتصل، ومن منعه عزل، وهو قوت القلوب، الذي متى فارقها صارت الأجساد لها قبورًا. وعمارة ديارهم. التي إذا تعطلت عنه صارت بورًا، وهو سلاحهم الذي يقاتلون به قطاع الطريق، وماؤهم الذي يطفئون به التهاب الطريق ودواء أقسامهم الذي متى فارقهم انتكست منهم القلوب، والسبب الواصل والعلاقة التي كانت بينهم وبين علام الغيوب.
إذا مرضنا تداوينا بذكركم
فنترك الذكر أحيانا فتنتكس به ستدفعون الآفات، ويستكشفون الكربات، وتهون عليهم به المصيبات. إذا أظلهم البلاء. فإليه ملجؤهم، وإذا نزلت بهم النوازل فإليه مفزعهم. فهو رياض جنتهم التي فيها يتقلبون ورؤوس أموال سعادتهم التي بها يتجرون. يدع القلب الحزين ضاحكًا مسرورًا ويوصل الذاكر إلى المذكور، بل يدع الذاكر مذكورًا.
أخي الذاكر لله كثيرًا.
وفي كل جارحة من الجوارح عبودية مؤقتة والذكر عبودية القلب واللسان وهي غير مؤقتة. بل هم يأمرون بذكر معبودهم ومحبوبهم في كل حال: قيامًا وقعودًا وعلى جنوبهم. فكما أن الجنة قيعان، وهو غراسها. فكذلك القلوب بور خراب وهو عمارتها وأساسها وهو جلاء القلوب وصقلها ودواؤها إذا غشيها اعتلالها وكلما ازداد الذاكر في ذكره استغراقًا: ازداد المذكور محبة إلى لقائه واشتياقًا.
وإذا وطأ في ذكره قلبه للسانه: نسي في جنب ذكره كل شيء، وحفظ الله عليه كل شيء، وكان له عوضًا من كل شيء به- أخي العزيز- يزول الوقر عن الأسماع، والبكم عن الألسن، وتنقشع الظلمة عن الأبصار. زين الله به ألسنة الذاكرين.
كما زين بالنور أبصار الناظرين فاللسان الغافل: كالعين العمياء والأذن الصماء واليد الشلاء وهو باب الله الأعظم المفتوح بينه وبين عبده، ما لم يغلقه العبد بغفلته. قال الحسن البصري رحمه الله: تفقدوا الحلاوة في ثلاثة أشياء: في الصلاة وفي الذكر وقراءة القرآن فإن وجدتم..
وإلا فاعلموا أن الباب مغلق.
وبالذكر: يصرع العبد الشيطان. كما يصرع الشيطان أهل الغفلة والنسيان قال بعض السلف:
إذا تمكن الذكر من القلب، فإن دنا منه الشيطان صرعه كما يصرع الإنسان إذا دنا منه الشيطان. فيجتمع عليه الشياطين. فيقولون: ما لهذا؟ فيقال: قد مسه الإنسي، وهو روح الأعمال الصالحة فإذا خلا العمل عن الذكر كان كالجسد الذي لا روح فيه.
أخي الداعية إلى الله.
ويكفي في شرف الذكر: إن الله يباهي ملائكته بأهله كما في صحيح مسلم عن معاوية رضي الله عنه: إن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- «خرج على حلقة من أصحابه. فقال: ما أجلسكم؟ قالوا: جلسنا نذكر الله، ونحمده على ما هدانا للإسلام، ومن به علينا، قال: الله ما أجلسكم إلا ذلك، قالوا: الله ما أجلسنا إلا ذلك، قال: أما إني لم أستحلفكم تهمة لكم، ولكن أتاني جبريل فأخبرني أن الله يباهي بكم الملائكة.
وسأل أعرابي رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: أي الأعمال أفضل؟ فقال: إن تفارق الدنيا ولسانك رطب من ذكر الله، وقال: أغدوا وروحوا واذكروا، من كان يحب أن يعلم منزلته عند الله: فلينظر كيف منزلة الله عنده؟ فإن الله لن ينزل العبد من حيث أنزله من نفسه.
وقال الشاعر:
فنسيان ذكر الله موت قلوبهم*** وأجسامهم قبل القبور قبور
وأرواحهم في وحشة من جسومهم*** وليس لهم حتى النشور نشور
جعلني الله وإياك- من الذاكرين الله كثيرًا، اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك ونسألك الدرجات العلى والفوز بالجنة والنجاة من النار.
وإلى رسالة قادمة إن شاء الله تعالى.
المدارج- ۲ ص ٤٢٣، ص ٤٣١
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل