العنوان مخططات الأعداء.. لها شواهد وعليها علامات
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر الجمعة 01-فبراير-2013
مشاهدات 73
نشر في العدد 2037
نشر في الصفحة 43
الجمعة 01-فبراير-2013
«ما أسرّ أحد سريرة إلا أبداها الله على صفحات وجهه وفلتات لسانه» «عثمان بن عفان رضي الله عنه».. دائمًا أبدًا يعرف الخير بالاستقامة والحب والإخاء والمعروف، ويعرف الشر بالخبث والخديعة والمكر والإضرار، فقد رأينا دعوة الأنبياء والرسل ومن قاموا بها وحملوها دعاة خير ورحمة وبر وأخوة، ورأينا جنود إبليس من الإنس والجن في مواجهتهم أهل خديعة وإضرار ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا ۖ وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ (سورة الأنعام 123).
وهكذا لا تهدأ نفوس الظالمين في صراعها مع الحق، ﴿كَذَٰلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ ۚ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً ۖ وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾ (سورة الرعد: ۱۷)، وأهل الحق دائمًا في يقظة وإنتباه وحذر، لأن الله لفتهم إلى هذا الصراع، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ (سورة النساء: ۷۱).
والمسلمون حملة رسالة ودعاة هداية، ما عرف عنهم على مر التاريخ إلا الحب والعطف والمروءة، عاش الناس في جوارهم، لهم ما لهم وعليهم ما عليهم، مع اختلاف الأديان والملل والنحل، ورغم ذلك لم تبرأ النفوس الشريرة من عللها، ولا القلوب المريضة من أمراضها، ولم تهدأ العقول الحقودة من الخيانة أو الكراهية من طبيعة الفساد الذي أخبرنا الله عنه وحذرنا منه فقال: ﴿وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾ (سورة البقرة: ۲۱۷)
ولم تتغير جبلة الضلال الذي لا يهدأ من الخديعة أو التخطيط أو الضغن الذي جبل عليه، وقد حذرنا الحق سبحانه منه، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تُطِيعُوا فَرِيقًا مِّنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ﴾(سورة آل عمران: 100)، ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا﴾ (سورة البقرة: ١٠٩).
وهكذا فالمؤمن لا بد أن يكون قوي الملاحظة شديد الفراسة، واسع المعرفة، يقظ الإحساس ينظر بنور الله ليعرف الحق ويتجنب الشر ويفرز الخبيث من الطيب والصواب من الخطأ، بالدليل والبرهان وشواهد الحال، فقد أخبرنا الله بذلك: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُم بِسِيمَاهُمْ ۚ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ ۚ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ﴾(سورة محمد: 30).
وقد تعرض المسلمون وما زالوا يتعرضون اليوم لمخططات رهيبة وكثيرة ومتلاحقة تحتاج إلى يقظة وعقل وفكر لكشفها، فلها شواهد وعليها دلالات وعلامات، وقد قال عثمان بن عفان رضي الله عنه: «ما أسر أحد سريرة إلا أبداها الله على صفحات وجهه وفلتات لسانه»، وفي الأثر: «ما أسر أحد سريرة إلا كساه الله جلبابها إن خيرًا فخير وإن شرًا فشر».
وقد فضحت هذه المخططات وظهر عوارها وبغيها وتدميرها، وكشف ستر من يدعون الحضارة ويدافعون عن الحريات ويخدعون بحقوق الإنسان، كشف أصدقاء السوء وخلان الرذيلة، فما دور المسلمين؟ وما موقفهم وهم أصحاب الحق وحملة الرسالة والمنهج؟ وصدق الله، ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّىٰ نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ (سورة محمد: 31)، هل يصدقون وينتفضون؟
هذا وقد ظهر في العالم وتجلى عندنا في هذه الأيام صناعة الرأي العام، وإعادة تشكيل الاتجاهات، وغسيل الدماغ في عالمنا اليوم همش التفكير ورد الإنسان إلى سذاجته الأولى، وقهر فيه قدرته على الاستقلال الذاتي والذهني، والتلاعب بالعقول أصبح -هذه الأيام- حرفة يحترفها الكثيرون من الذين نصبوا أنفسهم سدنة لآلهة الهوى والمطامع لخدمة قوى تريد تطويع الجماهير لأهدافها الخاصة، حيث يجد الإنسان نفسه يحب شيئًا لا يحبه ويكره شيئًا لا يكرهه، ويسارع إلى شيء ليس فيه منفعة ويحجم عن شيء فيه كل الخير، وهو ذاهل العقل، مخدر الفكر، مسلوب الإرادة ،كأنه طفل أو دمية تحركها الأصابع، تنظر إلى الجمادات فيخيل إليك من سحرهم أنها تسعى، وتطالع الحياة الدافئة فتحسبها من إيحاءاتهم أنها جامدة وهي تمر مر السحاب، وعلى هذا فقد ينقلب العدو إلى صديق، والصديق إلى عدو بغير إرادة منك أو رغبة فيك، وهذا قد أدى إلى اهتزاز القيم وزعزعة الثوابت، وأرجحة المعايير في قلوب الكثيرين مثقفين وغير مثقفين والتبس الحق بالباطل والضلال بالهداية، وعلى هذا قد يفاجئك كثير من الظواهر المحيرة التي يعجب لها الإنسان فتلفته إلى هذا التلاعب بالأفكار والعقول.
هذا وقد استغلت القوى العالمية ذلك الصرف الناس إلى أعداء أو أصدقاء وهميين غير حقيقيين، فمثلًا «إسرائيل» التي كانت عدوًا حقيقيًّا أزليًّا، مغتصبة لديارنا وقاتلة لأبنائنا ومشردة لشعبنا، قد أصبحت اليوم وبتعويذة سحرية جارة، وربما تصبح غدًا شقيقة، وتجتهد اليوم بعض الشعوب العربية والإسلامية وبسرعة باستخدام هذه التعويذة حتى تمتص زخم الشعوب وتضع اللمسات المرادة للفت الأمم إلى أساطير جديدة، وأوضاع أخرى يتطلبها الموقف المراد إلى تشكيل الرأي العام إليه.
ويتجرع العلماء فتاواهم الدينية، وتتحول الأقلام إلى لغة أخرى، ونبرة مختلفة وأسلوب آخر، وتمزق أشرطة الأهازيج والترانيم العدائية، ويمحو التاريخ ذاكرته اللعينة التي لا ترحم، وتستعد الأكف للتصفيق، والسواعد للتحية، والأرجل للسعي نحو المقامات والزعامات الجديدة.. إلخ، كل ذلك شيء لا يسأل فيه عن منطق، ولا عن أسباب مقنعة ولا عن خطأ أو صواب ولا حتى عن مستقبل أو حاضر.
وقد استغلت بعض السلطات هذا الأمر الخطير لصرف الناس عن قضايا جوهرية لا يراد للأمة أن تفكر فيها أو تلتفت إليها، كقضايا الحريات والدساتير والكفاءات المهدرة والفساد والتأخر العلمي والتقني فتعتمد الزعامات إلى اختراع أوهام تلفت الناس إليها، أو صياغة شعارات تشغل الناس بها، أو استحداث خصومات تفرغ فيها القوى وترضي بها الغرور، فهل تتيقظ الأمة لذلك؟ نسأل الله العون والسلامة.