; مداخل الشيطان.. المزاح على ضربين: مزاح محمود ومزاح مذموم | مجلة المجتمع

العنوان مداخل الشيطان.. المزاح على ضربين: مزاح محمود ومزاح مذموم

الكاتب د.عبدالحميد البلالي

تاريخ النشر الثلاثاء 15-يناير-1980

مشاهدات 62

نشر في العدد 465

نشر في الصفحة 52

الثلاثاء 15-يناير-1980

إن الشيطان يغرى المتناجين ليحزنوا نفوس إخوانهم

خير للدعاة إلى الله أن يتركوا الظنون السيئة كلها

الانهماك بالمزاح: ولعل المزاح من أكبر الوسائل التي يستخدمها إبليس في التفريق بين الأحبة وتفكيك الصفوف.

والمزاح على ضربين فمزاح محمود ومزاح مذموم

فالمزاح المحمود ما كان (لا أذى فيه ولا ضرر ولا قذف ولا غيبة ولا شيء في عرض ودين ولا استخفاف بأحد منهم).

ومن أمثلة هذا المزاح ما قاله رسول الله -صلى الله عليه وسلم- للرجل الذي جاء إليه يطلبه أن يحمله حمولة فقال له: «أنا حاملك على ولد ناقة، قال يا رسول الله وما أصنع بولد ناقة فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهل تلد الإبل إلا النوق»

ويكون المزاح مذمومًا إذا تحقق فيه أحد شرطين (الانهماك فيه والفحش فيه يورث الضغينة ويحرك الحقود الكمينة لأنه يجر حينئذ إلى ترك التحرز والاحتياط من الهجر) فيتم الهجر بين – إخوة بالله يعلمون أنه لا يجوز هجر المسلم فوق ثلاث 

وكان من الأولى الأخذ بكلام الشاعر الذي قال:

أکرم جليسك لا تمازح بالأذى         إن المزاح ترى به الأضغان

كم من مزاح جذ حبل قرينه           فتجذمت من أجله الأقران

وأي شيء يريد إبليس أكثر من غرس الضغينة بين القلوب وتفكيك العلاقات الوثيقة وخاصة تلك التي قامت على منهج الحق على الحب بالله.

ولئن كان الداعية من النوع الحذر الذي يعرف حق المعرفة ما يؤول إليه الانهماك بالمزاح فإن إبليس يدخل له من مداخل أخرى عله يزل بأحدها ومن هذه المداخل إغراؤه بالنجوى.

النجوى

النجوى نوعان نوع يكون بين اثنين دون ثالث ونوع يكون بين جزء من الجماعة دون الجماعة أو دون القيادة. 

الأول ما أشار إليه الرسول -صلى الله عليه وسلم- حين قال (إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون صاحبهما فإن ذلك يحزنه). 

والنوع الثاني ذكره القرآن الكريم (ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أين ما كانوا ثم ينبئهم بما عملوا يوم القيامة إن الله بكل شيء عليم) 

وقوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلَا تَتَنَاجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ﴾ (المجادلة: 9)

والهدف الرئيسي من كلا النوعين هو إحزان المؤمنين كما قال تعالى ﴿إِنَّمَا النَّجْوَىٰ مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ۚ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (المجادلة: 10)

وهو مدخل له خطورته على الجماعة الاسلامية ولقد اختاره عدو الله بخبث ليفكك الجماعة الإسلامية يقول صاحب الظلال معلقًا حول النوع الثاني من النجوى و يبدو بعض المسلمين ممن لم تنطبع نفوسهم بعد بحاسة التنظيم الإسلامي كانوا يتجمعون عندما تحزب الأمور ليتناجوا فيما بينهم ويتشاوروا بعيدًا عن قيادتهم – الأمر الذي لا تقره طبيعة الجماعة الإسلامية وروح التنظيم الإسلامي التي تقتضي عرض كل رأي وفكرة وكل اقتراح على القيادة ابتداء وعدم التجمعات الجانبية في الجماعة كما يبدو أن بعض هذه التجمعات كان يدور فيها ما قد يؤدي إلى البلبلة وما يؤذي الجماعة المسلمة ولو لم يكن قصد الإيذاء قائمًا في نفوس المتناجين – ولكن مجرد إثارتهم للمسائل الجارية وإبداء الآراء فيها على غير علم ما قد يؤدي إلى الإيذاء وإلى عدم الطاعة.

إن رؤية المسلمين للوسوسة والهمس والانعزال بالحديث تبث في قلوبهم الحزن والتوجس وتخلق جوًا من عدم الثقة وإن الشيطان يغري المتناجين ليحزنوا نفوس إخوانهم ويدخلوا إليها الوساوس والهموم ويطمئن المؤمنين بأن الشيطان لن يبلغ فيهم ما يريد (فإما حيث تكون هناك مصلحة في کتمان سر أو ستر عورة من شأن عام أو خاص فلا مانع من التشاور في سر وتكتم وهذا عادة بين القادة المسؤولين عن الجماعة).

وهذا ما عناه القرآن (وتناجوا بالبر والتقوى) والذي يدعو هؤلاء إلى النجوى هو ظن السوء بمن يتناجون حوله وعلى ذلك فإن الشيطان يستزلهم فيوقعهم في مرض قلب كريه ألا وهو ظن السوء بالمسلمين.

ظن السوء:

ومن المسلمين من يتلذذ بسوء الظن بأخيه فيتهمه بما ليس فيه اتباعًا لما يلقى ولا يتبين ولا يتثبت وإنما يطلق الحبل على غاربه للشيطان يلعب به كيفما يشاء وهذا المرض من أخطر الأمراض في الجماعة المسلمة إذ إنه إذا تفشى نشأ عنه الأحقاد والنفاق والكراهية بين صفوف الجماعة الواحدة ولذلك شدد القرآن الكريم في إزالة هذا المرض الفتاك فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ ۖ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا ۚ أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ (الحجرات: 12) وثبت في الصحيحين عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال (إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث ولا تحسسوا ولا تناجشوا ولا تحاسدوا ولا تباغضوا ولا تدابروا وكونوا عباد الله إخوانًا). 

فالظن هنا وفي الآية هو التهمة ومحل التحذير والنهي إنما هو تهمة لا سبب لها يوجبها كمن يتهم بالفاحشة أو بشرب الخمر مثلًا ولم يظهر عليه ذلك ودليل كون الظن هنا بمعنى التهمة قوله تعالى (ولا تجسسوا) وذلك أنه قد يقع له خاطر التهمة ابتداء و يريد أن يتجسس ليتبين خير ذلك ويبحث عنه ويتبصر و يستمع لتحقيق ما وقع له من تلك التهمة فنهى النبي -صلى الله عليه وسلم- عن ذلك وإن شئت قلت والذي يميز الظنون التي يجب اجتنابها عما سواها أن كل ما لم تعرف له أمارة صحيحة وسبب ظاهر كان حرامًا واجب الاجتناب وذلك إذا كان المظنون به ممن شوهد منه الستر والصلاح وأونست منه الأمانة في الظاهر فظن الفساد به والخيانة محرم بخلاف من اشتهره الناس يتعاطى الريب والمجاهر بالخبائث. 

ولقد أنكر الحسن البصري على قوم أباحوا الظن في زمانه فقال كنا في زمن الظن بالناس فيه حرام وأنت اليوم في زمن اعمل واسكت وظن في الناس ما شئت.

للظن حالتان: حالة تعرف وتقوى بوجه من وجوه الأدلة فيجوز الحكم بها وأكثر أحكام الشريعة مبنية على غلبة الظن كالقياس وخبر الواحد وغير ذلك من قيم المتلفات وأروش الجنايات.

والحالة الثانية: أن يقع في النفس شيء في غير دلالة فلا يكون ذلك أولى من ضده فهذا هو الشك فلا يجوز الحكم به وهو المنهى عنه على ما قررنا آنفًا. 

وخير للدعاة إلى الله أن يتركوا الظنون السيئة كلها ويشتغلوا بما يعود عليهم بالخير في دينهم ودنياهم وآخرتهم وألا يضيعوا أي دقيقة هباء لئلًا يندموا عليها يوم الحساب عندما تعرض الأعمال فلا يتركوا نفوسهم تهيأ لكل ما يهجس فيها حول الآخرين من ظنون وشبهات وشكوك وتعلل هذا الأمر (إن بعض الظن إثم) وما دام النهي منصبًا على أكثر الظن والقاعدة أن بعض الظن إثم فإن إيحاء هذا التعبير للضمير هو اجتناب الظن السيء أصلًا لأنه لا يدري أي ظنونه تكون آثمًا.

بهذا يظهر القرآن الضمير من داخله أن يتلوث بالظن السيء فيقع في الإثم ويدعه نقيًا بريئًا من الهواجس والشكوك أبيض يكن لإخوانه المودة التي لا يخدشها ظن السوء والبراءة التي لا تلوثها الريب والشكوك والطمأنينة التي لا يعكرها القلق والتوقع. وما أروع الحياة في مجتمع بريء من الظنون. 

ومن التزم طريق الظن وأبى أن يزكي نفسه منه فإن ذلك يوصله حتمًا إلى طريق أظلم منه ويفتح عليه مداخل جديدة سنتعرض لها في حلقات قادمة إن شاء الله.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل