العنوان مداد القلم.. هكذا هم، وهكذا نحن
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر الأحد 26-أبريل-1992
مشاهدات 89
نشر في العدد 998
نشر في الصفحة 50
الأحد 26-أبريل-1992
هكذا هم، وهكذا نحن
أرسلت
الدولة اليابانية في بدء حضارتها بعوثا دراسية إلى ألمانيا كما بعثت الأمة العربية
البعوث، ورجعت بعوث اليابان لتحضر أمتها، ورجعت بعوثنا خاوية الوفاض!! فما هو
السر؟ لنقرأ هذه القصة حتى نتعرف على الإجابة.
يقول
الطالب الياباني «أوساهير» الذي بعثته حكومته للدراسة في ألمانيا: لو أنني اتبعت
نصائح أستاذي الألماني الذي ذهبت لأدرس عليه في جامعة هامبورج، لما وصلت إلى شيء،
كانت حكومتي قد أرسلتني لأدرس أصول الميكانيكا العلمية، كنت أحلم بأن أتعلم كيف
أصنع محركًا صغيرًا؟ كنت أعرف أن لكل صناعة وحدة أساسية أو ما يسمى «موديل»، هو
أساس الصناعة كلها، فإذا عرفت كيف تصنعه وضعت يدك على سر هذه الصناعة كلها، وبدلًا
من أن يأخذني الأساتذة إلى معمل، أو مركز تدريب عملي، أخذوا يعطونني كتبًا لأقرأها
وقرأت حتى عرفت نظريات الميكانيكا كلها ولكنني ظللت أمام المحرك أيًا كانت قوته،
وكأنني أقف أمام لغز لا يُحل، وفي ذات يوم قرأت عن معرض محركات إيطالية الصنع، كان
ذلك أول الشهر، وكان معي راتبي، وجدت في المعرض محركًا، قوة حصانين ثمنه يعادل
مرتبي كله فأخرجت الراتب ودفعته وحملت المحرك وكان ثقيلًا جدًا وذهبت إلى حجرتي،
ووضعته على المنضدة وجعلت أنظر إليه، كأنني أنظر إلى تاج من الجوهر، وقلت لنفسي:
هذا هو سر قوة أوروبا، لو استطعت أن أصنع محركًا كهذا لغيرت تاريخ اليابان، وطاف
بذهني خاطر يقول: إن هذا المحرك يتألف من قطع ذات أشكال وطبائع شتى، مغناطيس كحذوة
الحصان وأسلاك، وأذرع دافعة، وعجلات وتروس وما إلى ذلك، لو أنني استطعت أن أفكك
قطع هذا المحرك وأعيد تركيبها بالطريقة نفسها التي ركبوها بها، ثم شغلته فاشتغل
أكون قد خطوت خطوة نحو سر «موديل» الصناعة الأوروبية وبحثت في رفوف الكتب التي
عندي حتى عثرت على الرسوم الخاصة بالمحركات وأخذت ورقًا كثيرًا، وأتيت بصندوق
أدوات العمل، ومضيت أعمل رسمت المحرك، بعد أن رفعت الغطاء الذي يحمل أجزاء، ثم
جعلت أفككه قطعة قطعة، وكلما فككت قطعة رسمتها على الورقة بغاية الدقة وأعطيتها رقمًا،
وشيئًا فشيئًا فككته كله، ثم أعدت تركيبه، وشغلته فاشتغل كاد قلبي يقف من الفرح،
استغرقت العملية ثلاثة أيام كنت آكل في اليوم وجبة واحدة، ولا أصيب من النوم إلا
ما يمكنني من مواصلة العمل.
وحملت
النبأ إلى رئيس بعثتنا فقال: حسنًا ما فعلت، الآن لا بد أن أختبرك، سآتيك بمحرك
متعطل، وعليك أن تفككه، وتكشف موضع الخطأ، وتصححه، وتجعل هذا المحرك العاطل يعمل
وكلفتني هذه العملية عشرة أيام عرفت أثناءها مواضع الخلل فقد كانت ثلاثًا من قطع
المحرك بالية متآكلة صنعت غيرها بيدي صنعتها بالمطرقة والمبرد.. إنني بوذي على
مذهب رن ومذهبي هذا يقدس العمل ويعتبره عبادة.
بعد
ذلك قال رئيس البعثة.. وكان بمثابة الكاهن يتولى قيادتي روحيًا.. قال: عليك الآن
أن تصنع القطع بنفسك، ثم تركبها محركًا لكي أستطيع أن أفعل ذلك التحقت بمصانع صهر
الحديد، وصهر النحاس والألومنيوم، بدلًا من أن أعد رسالة الدكتوراه، كما أراد مني
أساتذتي الألمان، تحولت إلى عامل ألبس بذلة زرقاء، وأقف صاغرًا إلى جانب عامل صهر
معادن كنت أطيع أوامره كأنه سيد عظيم حتى كنت أخدمه وقت الأكل مع أنني من أسرة
ساموراي، ولكنني كنت أخدم اليابان. وفي سبيل اليابان يهون كل شيء قضيت في هذه
الدراسات والتدريبات ثماني سنوات، كنت أعمل خلالها ما بين عشر وخمس عشرة ساعة في
اليوم بعد انتهاء يوم العمل، كنت آخذ نوبة حراسة، وخلال الليل كنت أراجع قواعد كل
صناعة على الطبيعة.
وعلم
«الميكادو» «الحاكم الياباني» بأمري فأرسل لي من ماله الخاص 5 آلاف جنيه إنجليزي
ذهب اشتريت بها أدوات مصنع محركات كاملة، وأدوات وآلات، وعندما أردت شحنها إلى
اليابان كانت النقود قد فرغت فوضعت راتبي وكل ما ادخرته.. وعندما وصلنا إلى ناجازاكي،
قيل لي: إن «الميكادو» يريد أن يراني.. قلت: لن استحق مقابلته إلا بعد أن أُنشئ
مصنع محركات كاملًا استغرق ذلك 9 سنوات وفي يوم من الأيام حملت مع مساعدي عشرة
محركات «صنع في اليابان» قطعة قطعة حملناها إلى القصر، ووضعناها في قاعدة خاصة
بنوها لنا قريبًا منه، وأدرناها، ودخل «الميكادو» فانحنينا نحييه وابتسم وقال: هذه
أعذب موسيقى سمعتها في حياتي، صوت محركات يابانية خالصة، هكذا ملكنا «الموديل» وهو
سر قوة الغرب، نقلناه إلى اليابان، نقلنا قوة أوروبا إلى اليابان ونقلنا اليابان
إلى الغرب.
ثم
ذهبنا وصلينا في المعبد وبعد ذلك بعشر ساعات كاملة لأول مرة في حياتي منذ خمس عشرة
سنة!!.. انتهى كلامه.
أما
نحن في الشرق العربي فلا أزيدك به علمًا، فكثيرًا ما نرجع بأوراق تسمى شهادات
نأخذها بأي وسيلة ونحصل على المناصب ونجلس على الكراسي الوثيرة ونأخذ المرتبات
الكبيرة لتنفقها على ملذاتنا وأهوائنا، ولتكون حاجز خداع ضخم لأمتنا عن الحقيقة
الضائعة وسط الركام.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل