; السياسات الأمنية.. هل هي الحل؟ | مجلة المجتمع

العنوان السياسات الأمنية.. هل هي الحل؟

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر الأربعاء 08-مايو-2002

مشاهدات 60

نشر في العدد 1504

نشر في الصفحة 47

الأربعاء 08-مايو-2002

ابتدع في الشرق العربي سياسات جديدة تحصد الخراب المستعجل، وتزرع الشر هنا وهناك.. إلا وهي السياسات الأمنية؛ سواء على المستوى المحلي، بما يسمى أحيانًا بالاتفاقات الأمنية أو على المستوى العالمي بما يسمى محاربة الإرهاب وتبادل المعلومات في ذلك.

هذه السياسات اخترعت لكسر عظام الدول المستباحة، وتحطيم العمود الفقري لها، وضرب القوى الفاعلة بها، تحت مسميات اخترعت وتخترع الآن وفي المستقبل، وهذه السياسات ابتدعتها الدول المستعمرة لأغراض لا تخفى على أحد، منها تثبيت سطوتها وفرض إرادتها، وتنظيف الساحة من المعارضين والوطنيين، ومنها عدم الإعلان عن النوايا الحقيقية لاستباحة الشعوب، ومنها إفساح المجال لزوار الليل وعدم إفساح المجال لشيء اسمه عدالة أو حقوق إنسان أو ديمقراطية يتغنى بها.

وهذه السياسات للأسف أصبحت هي الطريق الوحيدة التي يتلهى بها منلا قوة له أو حيلة، وأضحت الفرصة السانحة لكل دكتاتور لتغييب الحقائق وقطع الألسنة وتدبيج الاتهامات وتفصيل القضايا، أما تنفيذ هذه السياسات فقد أصبح لصيقًا بأكثر الدول العربية والإسلامية، وأمرًا خاصًّا ولازمًا بسياسات الشرق الأوسط لا تستعمل مثلًا في إنجلترا أو فرنسا أو غيرهما من الدول الأوروبية فرعاياها لهم حقوق ولهم سياسات مدنية يحاسبون عليها من يختارونه لصيانتها، ورعايتها وحراستها.

أما الشعوب الغافية الممتهنة، فمن السهل عليها أن تتقبل تلك السياسة، ومن العجيب أن تتفق السياستان الداخلية والخارجية في الأهداف وفي الأساليب على الإنسان العربي، ولهذا فإن أكثر قضايانا لا تحل أو ينظر إليها إلا من هذا الباب المخابراتي أو الأمني، وكم كان فاضحًا جدًّا، وكارثيًّا جدًّا، أن تعامل قضية فلسطين بالاتفاقات الأمنية، من أول يوم ظهرت فيه هذه القضية من أوسلو إلى واي بلانتيشن إلى شرم الشيخ إلى ما بعد جنين، وكانت هذه السياسات الأمنية تجري تحت جنح الظلام وفي الأقبية المغلقة وتحت غطاءات عدة، وتنفذ كذلك في سرية وكتمان واستحكامات، وبأقاصيص مختلفة كالتي اتبعت بالتعاون مع الاحتلال في قتل يحيى عياش وعوض وغيرهما من اختلاق الأقاصيص، كان يقال قتله إخوانه أو فجر نفسه.. إلخ إلخ.

أما اليوم وبعد أن تقدم الغدر وفجر الصهاينة واستهانوا بكل شيء وفتحت شهيتهم للقتل والتدمير والاستباحة، وعاونتهم أمريكا في ذلك وغض الطرف عن جرائمهم الأوروبيون واستنام العرب أكثر وأكثر، نادى الصهاينة جهارًا نهارًا بذلك واستجابت السلطة جهارًا نهارًا وسارعت السلطات، وأثنت بذلك على كل ربوة وأسمعت به حتى النطف في أرحام أمهاتها بغير حياء أو مواربة أو خجل، معللين ذلك بما يضحك الثكالى ويفوق الغرائب أمن إسرائيل حفظ الدم الإسرائيلي، حق الإسرائيليين المعتدين في العيش ضمن حدود آمنة إلى آخر المنظومة المسجلة على الأسطوانات المشروخة والمكرورة!! وأين الحق الفلسطيني، والأمن الفلسطيني، والدم الفلسطيني والدولة الفلسطينية بل أين الإنسانية، بل أين حدود الحياء يا عباد الله؟

كل ذلك والحلول الأمنية مستمرة ولا يدري أحد إلا الله على ماذا بعد أعلى المقاوم الذي يريد أن يدفع الشر عن أمه وأبيه وصاحبته وبنيه وفصيلته التي تؤويه أم على الثكلى التي قتل عائلها ولا تستطيع حتى إيواء التراب، أم على الجائع الذي يبحث عما يقيته من القمامة فلا يجد، أم على المحاصر الذي يشرب بوله ويأكل ورق الشجر، أم على من ينتزع ولده من بين أحضانه ليقتل ويسحل أمام عينيه، أم على الذين يتلقون الصواريخ والرواجم من الأباتشي وغيرها، فتفتت الأجساد، وتمزق الأعضاء، وتحرق اللحوم البشرية؟ إن المستعرض للأسماء المخابراتية التي تدخل اليوم على الخط في المحادثات يستغرب كبر الأسماء وكثرتها، كما يجد أن الساحة قد خلت من السياسيين المدنيين لحساب الحلول الأمنية فقط.

والسؤال هنا ما طبيعة تلك الحلول ولحساب من؟ والجواب الصريح، أن رئيس المخابرات الأمريكية لم يأتِ إلى فلسطين بشحنات من القمح أو بالمعونات الغذائية والتكنولوجية، وكذلك لم يأتِ رؤساء مخابرات دول مثل الأردن ومصر وغيرهما لإقامة المشاريع الصناعية والصحية والزراعية، أو الإصلاح البنية التحتية، وإنما جاءوا بحلول أمنية، نعم بحلول أمنية للإسرائيليين بدون حقوق الفلسطينيين، أي أمن بدون حل للقضية، أمن الإرهابي شهدت الدنيا بدمويته أم أمن لقتل المجاهدين وتسليمهم وسجنهم؟ أمن بدون عصفور في اليد ولا حتى على الشجر، والغريب أن السلطة الفلسطينية التي شاهدت ما شاهدت ولاتزال تشاهد من القتل والهدم والاستباحة للشعب الفلسطينيتسارع اليوم في ترتيب ذلك بعد أن ظننا أنها قد أقلعت وتابت وأنابت وقالت: إنها ستكفر عن سيئاتها التي أقرت بها أمام الجميع.

رجعت تبرم شاربها وتحن إلى ماضيها الأسود الأليم:

الست وعدتني يا قلب أني    ***      إذا ما تبت من ليلى تتوب

فها أنا نائب من حب ليلى  ***      فما لك كلما ذكرت تذوب

أقول أيها السادة: إن الحلول المخابراتية والاستئصالية، لا تزيد النار إلا اشتعالًا ولا الطين إلا بلة؛ لأن الشعوب وخاصة المسلمة لن ترضى الذلة والهوان والامتهان وضياع المقدسات، ومن سعى في خلاف ذلك فهو غير مأجور، بل مأزور، مأزور مأزور.

الرابط المختصر :