; مدارس إبليس في التلبيس والتمييع والتدليس.. | مجلة المجتمع

العنوان مدارس إبليس في التلبيس والتمييع والتدليس..

الكاتب د. عبد الله عزام

تاريخ النشر الثلاثاء 20-أبريل-1982

مشاهدات 78

نشر في العدد 567

نشر في الصفحة 34

الثلاثاء 20-أبريل-1982

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.

اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلًا وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلًا. وبعد:

فإن الدافع الرئيسي لكتابة هذه المقالة هو وصول كتيب صغير جدًا بعنوان «نحو وعي إسلامي- مسئوليات الدعوة» لوحيد الدين خان/ دهلي/ الهند.

ولقد وصلني الكتاب من أحد الطلبة الذين يدرسون في إحدى الدول البترولية وقد كتب الطالب في أوله:

«من هذا؟ وما هذه الترهات التي تكتب وتوزع؟»، والكتاب عبارة عن مقال صحفي دون تحقيق علمي، ودون فهم واضح للإسلام، بل أكثر من ذلك فهو إما أن يدل على جهل فاضح أو على خبث واضح، فإن كان الكاتب يدرك حقيقة هذا الدين كما أنزله رب العالمين فهو خبث واضح وإن كان الكاتب يجهل هذا الدين فهو جهل فاضح وعليه ألا يتصدى للكتابة عن قضية كبرى -العمل لإنشاء المجتمع الإسلامي وإقامة دين الله في الأرض-.

ومما زاد في ألمي، وأدمى قلبي طباعته عدة مرات خلال ثلاث سنوات سنة 1977- 1979، وتوزيعه بكثرة في بعض الدول البترولية قلت في نفسي: إن القصد من طباعته في مصر مرتين معروف وهو عملية التهويد التي يراد لأرض الكنانة أن تطبع بها، حتى تتميع نصوص الجهاد في نفوس الشباب المسلم، ولا تتفجر هذه الطاقات الصادقة في وجوه الظالمين، لأن وقوف الشباب المسلم على قدميه ومعرفته الطريق لحماية دين الله هي قضية الساعة التي تشغل الأوساط العالمية والمجالس الدولية، لقد تحرك المارد الإسلامي في أفغانستان وسوريا واليمن وغيرها فلا بد من أناس يتاجرون بهذا الدين يحرفون الكلم عن مواضعه ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (آل عمران: 78).

لقد نسي هؤلاء -الذين يدعون العلم- تهديد الله تعالى لأمثالهم ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ (البقرة: 159) واللاعنون: دواب الأرض كما جاء في الحديث الحسن المرفوع عند ابن ماجة.

وقال مجاهد وعكرمة: هم الحشرات والبهائم يصيبهم الجدب بذنوب علماء السوء ولذا فإن منصب العلماء منصب عظيم فليعرفوا موقعهم وليربأوا بأنفسهم عن مواقف السفهاء.

ففي الحديث الذي رواه الخمسة «العلماء ورثة الأنبياء»([1])، يقول ابن القيم([2]) «إذا كان منصب التوقيع عن الملوك بالمحل الذي لا ينكر فضله وهو من المناصب السنيات فكيف بمنصب التوقيع عن رب الأرض والسموات»، «وعن سفيان الثوري([3]) قال: يقال: تعوذوا بالله من فتنة العابد الجاهل، وفتنة العالم الفاجر فإن فتنتهما فتنة لكل مفتون».

ولا أطيل الوقوف عند مهمة العلماء فكتب السلف والخلف قد بينت هذه القضية ولكنني أنتقل وبسرعة إلى الجسور الحديثة التي عبر عليها الغربيون إلى نفوس المسلمين، هذه القناطر والمعابر التي هتكت الحجب بين النفسيات المسلمة وبين أعداء الله من الكفار المستعمرين.

وتعتبر كلمة اللورد «ميكالي» الذي كان رئيسًا للجنة التعليمية في الهند سنة 1935 هي الكشاف الحقيقي للدستور الذي اتبعه الغرب في التعامل مع البلاد الإسلامية فيقول ميكالي:

«يجب أن ننشئ جماعة تكون ترجمانًا بيننا وبين الملايين من رعيتنا وستكون هذه الجماعة هندية في اللون والدم، وإنجليزية في الذوق والرأي واللغة والتفكير»([4]).

ويقول جب في كتابه «وجهة العالم الإسلامي Wither Islam» عن التعليم: «هذا هو السبيل الوحيد لفرنجة بلاد المسلمين وتغريبها لقد كان التركيز قويًا لإنشاء الطبقة التي تأخذ نهائيًا بوجهة نظر لا سلطان للدين عليها وحينئذ يمكن الجلاء عن أرضها وتسليمها زمام السلطة فيها لأنها امتداد لفكر المحتل».

ولا يهمنا في هذا المقال الوقوف عند المدارس التي أعلنت الذوبان الكلي في بوتقة الحضارة الغربية أمثال: طه حسن في مستقبل الثقافة في مصر، وسلامة موسى في كتابه اليوم والغد، وجميل معلوف في كتابه تركيا الجديدة.

وكذلك لا أريد أن أقف عند عملاء بريطانيا الذين ادعوا النبوة والألوهية أمثال: القاديانية- في الهند، والبابية والبهائية -في إيران والعراق ثم فلسطين- فالمدرستان رفعتا عقيرتهما، وكشفتا برقع الحياء عن وجوههما فلم يعد أمرهما خافيًا على أحد إلا على من ليس في قلبه ذرة من إيمان أو ليس في فؤاده بقية من إنسانية.

فالأولى: أعلنت علمانيتها وغربيتها- وكفرها.

والثانية: أعلنت كفرها وانسلاخها من الإسلام نهائيًا.

ولكن هنالك مدارس ما زالت محل التباس عند الكثيرين سواء من المخلصين أو غيرهم ومن المثقفين والجهلة وأنصاف المتعلمين.

ومن هذه الأمثلة على مدارس الإسلام الغربي، الحضارة الغربية التي تلبس العمامة والعباءة، والمطلية بالدهان الإسلامي أو مدارس إبليس في التلبيس والتمييع والتدليس:

1- مدرسة جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده.

2- مدرسة أحمد خان ووحيد الدين خان.

3- عائلة الجيلاني التي جاء بها الإنجليز  إلى أفغانستان وأقاموا لها هالة مقدسة ضخمة بالدعاية والإعلام، وهي الآن تعتبر الطابور الخامس بين المجاهدين الأفغاني وتتجسس عليهم بالإضافة إلى ما يعرف عن زعيمهم الآن من تبذل وتهتك وضياع.

أما جمال الدين الأفغاني: فما زال أمره بين أخذ ورد بين المتعلمين أهو شيعي إيراني من أسد أباد/ قرب همدان/ إيران أم من أسعد أباد مركز منطقة كونار/ أفغانستان. ومن الثابت أن قبره في أسد أباد الإيرانية وأما قبره في جامعة كابل فهو مقام فوق رفات نقلها الملك ظاهر شاه من تركيا من قبر هناك قالوا: إنه قبر جمال الدين.

ومما لا ريب فيه أن جمال الدين كان ماسونيًا ففي اللوحة صورة خطية للخطاب المرسل إليه من محفل الشرق في القاهرة بمصر 7 مايو 1878/5878 «التاريخ الثاني هو التاريخ اليهودي الذي يستعمله الماسون ... لتكريس الأفغاني رئيسًا للمحفل»([5]).

وقد كتب عنه أبو الهدى الصيادي في خطاب أرسله إلى رشيد رضا سنة 1898 يصف جمال الدين فيقول «إنه مارق من الدين كما مرق السهم من الرمية».

ويقول تلميذه محمد رشيد رضا «إنه -جمال الدين- كان يميل إلى وحدة الوجود، وكلامه في النشوء والترقي يشتبه بكلام دارون»([6]).

ويكفي للحكم عليه أن ننظر إلى تلاميذه وأنصاره ومعظمهم من النصارى واليهود سليم نقاش أديب إسحق وهما من نصارى الشام، فارس نمر باشا صاحب «المقطم» وكان من كبار الماسون وكذلك صهره شاهين مكاريوس وكذلك صاحبه مستر «بلانت الإنجليزي» صاحب كتاب (The Future of Islam) وطبيبه الخاص يهودي يدعى هارون وقد كان هو ونصراني آخر يدعى «جورجي كونجي» هما اللذان شهدا احتضاره وحدهما([7]).

أما محمد عبده

فرغم الغلو الشديد في رفعه واعتباره مصلحًا ومجددًا وأستاذ جيل وغير ذلك من الشعارات التي ترفع من قبل أنصاره إلا أن هنالك أسئلة ضخمة وعلامات استفهام كبيرة في حياته:

1) الجفاف الروحي الذي كان طابعًا عامًا لحياته وكتاباته يقول الشيخ يوسف النبهاني: صاحبته نهارًا كاملًا فلم يصل الظهر ولا العصر ولم يحج البيت الحرام رغم تجواله بين الشام وفرنسا ومصر وتركيا([8]).

2) وكان داخلًا في الجمعية الماسونية([9]) وقد نال وسام الصدف والبلح من الملحق الأمريكي في المحفل الماسوني اللبناني وهذا اعتراف أشد تلاميذه تعصبًا له وهو محمد رشيد رضا.

3) صداقته القوية مع المعتمد البريطاني -كرومر- وقد نصبه كرومر مفتيًا للديار المصرية وقال «ما دام لبريطانيا نفوذ في مصر فإن الشيخ محمد عبده هو المفتي حتى يموت»([10]) ويقول كرومر: لقد اخترت أحد تلاميذ الشيخ محمد عبده -وهو سعد زغلول- وزيرًا للمعارف.

4) كان الشيخ محمد عبده من الزبائن الدائمين لصالون الأميرة نازلي ابنة مصطفى فاضل. وكان مدير مكتبها سعد زغلول ومن تلاميذ محمد عبده قاسم أمين «صاحب كتاب: تحرير المرأة، والمرأة المصرية»([11]). ومن تلاميذه كذلك «أحمد لطفي السيد» صاحب صحيفة الجريدة وهؤلاء جميعًا من المعروفين بنزعتهم العلمانية الواضحة ومن الرواد الدائمين لصالون نازلي.

5) كان على صلة قوية بالمستر بلانت وكانا يسكنان في دارين خلويتين متجاورتين في المطرية وقد صدر كتاب بلانت «التاريخ السري للاحتلال البريطاني لمصر» بالاشتراك مع محمد عبده.

وأنهي كلامي عن محمد عبده برسالة سطرها إلى أستاذه جمال الدين في 5 جمادى الأولى سنة 1300ه «1882م» من بيروت «تصوير 134-137»([12]) «ليتني كنت أعلم ماذا أكتب إليك؟ وأنت تعلم ما في نفسي، كما تعلم ما في نفسك، صنعتنا بيديك، وأفضت على موادنا صورها الكمالية، وأنشأتنا في أحسن تقويم، فبك عرفنا أنفسنا، وبك عرفناك، وبك عرفنا العالم أجمعين، فعنك صدرنا، وإليك إليك المآب».

هل تصدر مثل هذه الرسالة عن مسلم يقدر الله حق قدره، وهل تليق هذه الصفات التي أطلقها على جمال الدين إلا بالله الواحد القهار.

أما أحمد خان بهادور سنة 1817-1898

فهو كذلك أحد صنائع الإنجليز في دهلي وقد كان أمينًا للقلم الجنائي سنة 1837 ووقف بجانب الإنجليز في ثورة سنة 1857 الإسلامية ضدهم وخلص مجموعات من الإنجليز وقد كوفئ على إخلاصه الشديد لهم بالمعاش ولقب صاحب «نجمة الهند، وقائد فرسان نجمة الهند» وفي سنة 1875 أنشأ له الإنجليز «الكلية الإسلامية الشرقية الإنجليزية» التي أصبح اسمها «الجامعة الإسلامية» في «اليغار أي عليكرة» وقد نادى:

بإنشاء دين جديد تنصهر فيه الأديان الثلاثة، وحاول إثبات صحة الأناجيل وألغى فريضة الجهاد، وقال: إن النبوات تكتسب بطريق الرياضة الروحية([13]).

أما وحيد الدين خان فهو يفخر بمدرسة أحمد خان التي أنشأها الإنجليز ووضع حجر الأساس فيها «ليتون» الإنجليزي سنة 1877 وهي تدرس النصرانية بقدر اهتمامها بالعلوم الإسلامية وهو يدعي في مقالته التي نشرها بعنوان «مسئوليات الدعوة»:

1- أن الأنبياء عمومًا إلى المسلمين الفاسدين في عصورهم ... وهذا عن الأسلوب الذي يجب اتخاذه.

2- أن من أفدح الأخطاء التي ارتكبتها الحركات الإسلامية الحديثة أنها ظنت أن الجهاد هو القتال والعويل السياسي!!

3- أن الرسالة تناشد المسلمين أن يصبروا على إذلال المستعمرين لهم «إن المسلم يصبر على المصائب الخارجية حتى لا ينصرف عن رسالته الحقيقية»، «إن الدعوات الإسلامية المعاصرة قامت ردًا على عوامل خارجية محضة كاعتداء شعوب الغرب على أوطاننا والعدوان «الإسرائيلي»»، «إن الدعوة التي تصاحب الصراعات السياسية ليست من الدعوة في شيء».

فالداعية الحقيقي يجب أن يستكين ويذل ويخضع لكل معتد ويصبر على ظلمه لأن هذا قدر من الله! والجهاد ليس هو القتال بل هو الصبر على ظلم الطواغيت والمعتدين!

إن الغرب يقض مضجعه أن يعرف الشباب المسلم طريقهم إلى القوة وحمل السلاح لحماية دينهم فلا بد من تمييع مفهوم الجهاد لحماية مصالح الغرب في بلاد المسلمين واستنزاف خيراتهم، إنه يحسب ألف حساب للمجاهدين في أفغانستان وغيرها ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (يوسف: 21).

 

  • الهوامش

([1]) رده الخمسة وصححه ابن حبان والحاكم انظر كشف الخفا ومزيل الإلباس للعجلوني 2/83.

([2]) إعلام الموقعين 1/10.

([3]) أخلاق العلماء للآجري ص95 وإغاثة اللهفان لابن القيم 2/161.

([4]) الحلول المستوردة للأستاذ القرضاوي ص28 نقلًا عن كتاب أبي الحسن الندوي «الصراع بين الفكرة الغربية».

([5]) انظر الإسلام والحضارة الغربية للدكتور محمد محمد حسين ص70-71.

([6]) انظر الإسلام والحضارة الغربية للدكتور محمد محمد حسين ص70-71.

([7]) تاريخ الأستاذ الإمام محمد عبده تأليف رشيد رضا جـ1/93، انظر كتاب الإسلام والحضارة الغربية.

([8]) الإسلام والحضارة الغربية لمحمد محمد حسين ص95.

([9]) تاريخ الأستاذ الإمام 1/46.

([10]) الفكر الإسلامي المعاصر لغازي التوبة ص40 فما بعدها.

([11]) المرأة المصرية في الشعر الحديث للدكتور عادل أبي عمشة.

([12]) كتاب الإسلام والحضارة الغربية نقلًا عن كتاب تاريخ الأستاذ الإمام جـ2/299.

([13]) دائرة المعارف الإسلامية جـ1/479 وانظر الفكر الإسلامي الحديث وصلته بالاستعمار الغربي لمحمد البهي ص27.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 4

129

الثلاثاء 07-أبريل-1970

من أعماق الأفغاني

نشر في العدد 6

138

الثلاثاء 21-أبريل-1970

مع القراء - العدد 6

نشر في العدد 20

457

الثلاثاء 28-يوليو-1970

نحو حركة إسلامية عالمية واحدة (1)