; المجتمع التربوي: 1809 | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع التربوي: 1809

الكاتب سمية سعادة

تاريخ النشر السبت 05-يوليو-2008

مشاهدات 72

نشر في العدد 1809

نشر في الصفحة 50

السبت 05-يوليو-2008

من «مسيلمة الكذاب» إلى «شعيشع الأفاق»..

مدعو النبوة.. يحاولون إثبات أنفسهم في المجتمع الجزائري

  • معلمة تدعي أن وحيًّا نزل عليها من السماء.. وآخر زعم أن «كلام الله الجديد» نزل على ولديه في المنام.. والثالث ادعى أنه المهدي المنتظر 
  • آخر المدعين قال: أنه سيراسل الرئيس بوتفليقة ويسلمه نسخة من «الكتاب السادس والصحيفة الثانية» لتبليغها إلى كل رؤساء العالم 

الجزائر: 

مسافة طويلة غاصت فيها أقدام الزمن حتى الركب ولكن مشعل ادعاء النبوة الذي حمله مسيلمة منذ قرون طويلة لم تنطفي جذوته. 

فاستلمه، شعيشع وسواه من الدجالين والمجانين فمضى كل واحد منهم يؤلف قرآنه الخاص على حسب درجة الهذيان الموغل في عقله، وعلى قدر الضلال المنسكب في قلبه، فأمن بهم القليل وكفر بهم الكثير.

ولئن كان ادعاء النبوة في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم قد أخذ طابعًا سياسيًّا وبعدًا عشائريًّا الجمع القبائل المتناثرة والمتناحرة على قلب رجل واحد في الوقت الذي كان فيه الإسلام لايزال غضًا، فإن مدعي النبوة في العصر الحديث، وبعد أن انتشرت أنوار الإسلام في كل أرجاء المعمورة يهدفون إلى إشاعة الفتنة بين المسلمين وإفساد عقيدتهم وفق مخططات صهيونية لا تخفى على كل ذي عقل مستنير على غرار الحركات الضالة كالبابية، والبهائية، والقاديانية.

محاولات فاشلة

وبما أن هذا الوباء الخطير حط رحاله في كل الدول الإسلامية تقريبًا، فقد رأينا أن نعرض نماذج من مدعي النبوة في الجزائر الذين باءت كل محاولاتهم بالفشل في إقناع الناس بصدق نبوتهم، إلا أن هذا لا يعني أن هذه المحاولة لو تكررت بأسلوب مغاير وفي ظروف مختلفة لن تجد لها أتباعًا ومريدين مثلما حدث مع مدعي النبوة في مصر وسورية الذين أصبح لهم جمهور غفير يذود عن خزعبلاتهم وأفكارهم المنحرفة سيما إذا طرحت هذه الأفكار على أناس لا حول لهم ولا طول أو أطفال لم تكتمل مداركهم. وهذا بالضبط ما حدث مع تلاميذ إحدى المدارس بالغرب الجزائري حيث ادعت معلمتهم أنها «نبية!» وأن وحيا نزل عليها من السماء، ولم تكتف بذلك؛ بل أرسلت خطابًا إلى مدير المدرسة التي تدرس فيها، وأخبرته فيه أن الوحي نزل عليها يوم السبت ١٥ ديسمبر من السنة الماضية، وأنها ستواصل صراعها ضد الشيطان وهو ما جعل مفتش التربية يبلغ المسؤولين بالحادثة موضحًا أن المعلمة تعاني من اضطرابات نفسية، أو أن بها مسًّا من الجن وطالب بإحالتها إلى المجلس التأديبي.

انتحار مدعٍ

وإذا كانت هذه المعلمة قد وجدت من يؤدبها فإن شخصًا ادعى أنه المهدي المنتظر» وهو أستاذ في التعليم سابقا، لم يجد من يؤدبه سوى نفسه الأمارة بالسوء التي دعته إلى إلقاء نفسه من الطابق الثالث بعد صراع مع عائلته التي ضاقت ذرعا بتصرفاته إلا أنه نجا من الموت حيث صرح لصحيفة 

«الشروق اليومي» أنه مكلف الفساد بمحو في الغرب غير المسلم، وقهر الظلم السياسي الأوطان العربية، وأن الديمقراطية التي رست قواعدها في الجزائر كانت بفضله حينما تسبب في أحداث ٥ أكتوبر ۱۹۸۸م كما يرجع له الفضل في خروج الجيش السوري من لبنان وأن أمريكا سترضخ لحكمه وحكمته! ومن أعجب ما قاله هذا «المهدي المنتظر»: إنه كان وراء رفع الأجور في أهم القطاعات!

كما عرفت ولاية البويرة «شمال العاصمة» ظهور «متنبي» جديد زعم أن «کلام الله الجديد!» نزل على ولديه في المنام عن طريق ملكين يسميان «عزمائيل وعزمها!» ولهذا قال إنه سيراسل الرئيس بوتفليقة ويسلمه نسخة من «الكتاب السادس والصحيفة الثانية» من أجل تبلغيها إلى كل رؤساء العالم!!

والغريب في الأمر أن هذا المتنبي المزعوم الذي أثار سخط واستهزاء سكان بلدته يحمل شهادة جامعية في العلوم الاقتصادية كما أنه ميسور الحال.

حول أبعاد هذه الظاهرة من الناحية الاجتماعية والنفسية تحدثت «المجتمع» مع الأستاذ عمار يزلي، باحث في علم الاجتماع بالجزائر، حيث قال: «ليست هناك اهتمامات كبيرة لعلماء الاجتماع بهذه الظاهرة التي يرونها تدخل في صميم علم النفس باعتبارها ظاهرة فردية.. لكن حين تتحول المسألة إلى ظاهرة اجتماعية يقترح علماء الاجتماع مقاربة متعددة التخصصات بما في ذلك الاعتماد على المقاربة الانثروبولوجية والاجتماعية والنفسية.

الباحثون والنفسانيون يرون هذه الظاهرة حالة نفسية تعبر عما يسمى بـ «البارانويا» أي عقدة الشعور بالعظمة والتعالي وهذه الظاهرة نجدها تحدث في سن المراهقة وإلى غاية ما قبل سن الأربعين، هذه الحالة التي عرفت عند الكثير من المتنبئين ولا أستبعد أن يكون المتنبي قد عاش هذه الحالة خاصة إذا علمنا أن هذه الحالة الباثولوجية لا تستمر طويلًا فهي حالة عرضية وليست حالة دائمة.. هذا بالنسبة للظاهرة كظاهرة نفسية».

شخصيات مهزوزة

ويضيف: أما ما يتعلق بالمنظور السوسيولوجي فنحن ننظر إلى الظاهرة من زاويتين: الزاوية الأولى «القيم الملجئية» والثانية الحالات التمثيلية.

والحالة الأولى: تحدث في غالب الأحيان أثناء الأزمات الاجتماعية والاقتصادية التي من شأنها أن تحرك بعض الحالات الشخصية المهزوزة بفعل عوامل التنشئة الاجتماعية والأسرية، والعوائق التي تقف أمامهم بالمرصاد مما يعيقهم عن تحقيق رغباتهم فتأتي الأزمات لتحول الشخص نحو ما يسمى «القيم الملجئية» والذي غالبًا ما يكون التدين هو السمة البارزة لهذه النزعة وهنا يحدث ما نسميه بـ «التماهي» أي أن الشخص يتماهى مع رموز معيارية غالبًا ما تكون دينية فيحدث لها هذا الصراع من الداخلي والتصادم الفكري والعاطفي.

فيعتقد أنه على مرتبة كبيرة من حيث القيمة الاجتماعية فيدعي أنه نبي، أو المهدي المنتظر، أو أنه رمز وطني كبير أو غيره.

الحالة الثانية:

هي «التمثيل» وهي حالة معروفة لدى الجميع على أنها انتحال شخصية بكل عقل من أجل تحقيق مصالح معينة وهذه الحالة ليست حالة مرضية بل إجرامية بالأساس هناك مقاربة أخرى تتعلق بما يسمى بـ «الباراسيكولوجيا» والتي طورها تلميذ كارل يونج، والتي تربط هذه الظاهرة بعقد نفسية تعود إلى ما قبل ميلاد الشخص هي مقاربة يطول شرحها ولكن الوجهة العلمية هي بحاجة إلى قواعد أكثر دقة وصرامة.

وأرجع الدكتور «ل– م» طبيب الأمراض النفسية والعصبية بالجزائر هذه الظاهرة إلى العشرية الحمراء التي عاشتها الجزائر حيث تسببت هذه المرحلة في إصابة الكثير من الأشخاص بوسواس العقيدة وادعاء النبوة، ثم تلاشت هذه الظاهرة مع انقشاع الأزمة.

ولتسليط الضوء على هذه الظاهرة من كل الجوانب اتصلنا بالمجلس الإسلامي الأعلى الجزائري لكن ممثله رفض الإدلاء برأيه حول القضية معتبرًا أن هؤلاء الأشخاص مجانين والمجلس لا يعطي رأيه في مثل هذه الأمور.

ثلاثون كذابًا

أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم عن ظهور أناس يدعون النبوة كذبًا وزورًا حيث قال: «وإنه سيكون من أمتي كذابون ثلاثون كلهم يزعم أنه نبي وأنا خاتم النبيين ولا نبي بعدي....» 

ومعلوم من أبواب العقيدة أن الرسالة ختمت بالنبي صلى الله عليه وسلم كما في الحديث السابق وعليه فكل من ادعى النبوة فهو كافر كاذب وقد عد العلماء ادعاء النبوة ناقضًا من نواقض الإسلام، ومن الواجب محاربة هذه الفئة الضالة المضلة تمامًا كما يُحارب الإرهاب وتكافح الأمراض والأوبئة.

ترابط القلوب

أحمد سعد

يجهل كثيرون قيمة المحبة في الله فالله هو الذي يؤلف القلوب ﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ ۚ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَّا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ ۚ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (الأنفال:63)

إن القلوب رزق، بمعنى أنك قد تجد داعية من الدعاة قد من الله عليه بمحبة الناس فرزقه قلوبهم، وملكه مفاتيحها، فاستطاع أن ينفذ إليها بكل سهولة ويسر. وآخر قد أوصدت أمامه أبواب القلوب فليس له منها إلا النفور والإعراض. 

وإن كان الله قد ربط كسب الرزق بالسعي فقال: ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ ۖ﴾ (الملك: ١٥)، وجعل هذا كله في سورة تتناسب مع السياق هي سورة الملك فمن المناسب أن نقول: إن السعي لطلب رزق القلوب أولى وأجدر.

وما رزق النبي صلى الله عليه وسلم هذا الرزق الواسع من القلوب إلا بمحبة الله له. ومعونته له على كسب قلوب الناس والتأثير فيهم، ثم بصبره الواسع المتين، ورأفته ورحمته بهم، وحكمته التي جعلته أرعى لحالهم وأبصر بأمورهم من أنفسهم  ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ ۚ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِّنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ﴾ (الحجرات:7).

إن المتبصر في حال القلوب يجد رزقها يزيد طالما ارتبطت بالله واعتصمت به فالمرء إن ربط قلبه بالله هانت عليه الدنيا وزاد إيمانه وغمره فضل الله فلا يفقد شيئًا طالما أن الله معه على حد قول ابن عطاء الله السكندري: إلهي ماذا وجد من فقدك أم ماذا فقد من وجدك...... 

الرابط المختصر :