العنوان مدفأة.. بعض الناس خفت نور إيمانهم فبردت الأحاسيس بينهم وبين ذوي الأرحام
الكاتب د. إيمان مغازي الشرقاوي
تاريخ النشر السبت 27-أغسطس-2005
مشاهدات 48
نشر في العدد 1666
نشر في الصفحة 55
السبت 27-أغسطس-2005
لا نريد أن نربي جيلًا تنقطع فيه أواصر المحبة أو تتجمد فيه القيم
حين تتنفس جهنم -والعياذ بالله- نفسها الشتوي يكون لنا من نفسها هذا النصيب الأوفى في تلك المدن البريطانية الباردة، حيث تتجمد قطرات المطر وهي في الطريق إلينا، وتيبس الأشجار بفروعها الجرداء، ويعم الضباب أنحاء السماء، ويسمع للرياح صفير يشبه العواء، وهي تهز الأشجار فتهتز معها مشاعرك، فتدعو وتقول: اللهم سلم.. اللهم سلم.
في مثل هذه الأجواء يهرع الجميع إلى ملابسهم الشتوية الثقيلة والساترة لاتقاء هذا البرد القارس، حفاظًا على البدن من أن يتجمد ولا تجد في الشارع في تلك الساعة عاريًا أو عارية!! أما في البيوت فإن المدفأة لا غنى للمرء عنها، بل إنه قد يموت بردًا إن لم يرزقه الله بمدفأة، فهي شيء أساسي لا بديل له في البلاد الغربية الباردة، وقد كانت قديمًا تستخدم بالفحم ثم تطورت من حال إلى حال حتى أصبحت الآن أكثر أمانًا ودفئًا.
حين تعيش تلك الأجواء تتذكر قول رسول الله ﷺ: «اشتكت النار إلى ربها، فقالت: رب أكل بعضي بعضًا، فأذن لها بنفسين: نفس في الشتاء ونفس في الصيف، فأشد ما تجدون من الحر، وأشد ما تجدون من الزمهرير» «البخاري».
الدفء من نعم الله
إن الدفء من أجل نعم الله علينا لكنه إن زاد على حده المعتدل صار جحيمًا وحرًا لا يطاق، وكذلك البرد إن اشتد أصبح عذابًا لا يحتمل، وقد امتن الله تعالى علينا في الدنيا بأن خلق بهيمة الأنعام وجعل من أصوافها وأوبارها وأشعارها ما فيه الدفء لنا، إذ يقول سبحانه: ﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا ۗ لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ (النحل: 5) وقال: ﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَىٰ حِينٍ﴾ (النحل: 80) وامتنَّ على أهل الجنة فجعلهم في أحسن حال ﴿مُّتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ ۖ لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا﴾ (الإنسان: 13)
وبالرغم من هذا البرد في فصل الشتاء إلا أن المؤمن يرى في كل شيء نعمة من الله تعالى، فالشتاء عنده كما في الحديث الشريف «الشتاء ربيع المؤمن، طال ليله فقامه، وقصر نهاره فصامه» «البيهقي». وفيه تستدفئ القلوب المؤمنة بحرارة الإيمان ودفئه.
ومع هذه المشاعر الدافئة بفعل مدفأة الإيمان الغالية، فإن البرودة في الشتاء تذكرنا بالوجه الآخر للمشاعر الأخرى المتجمدة لبعض الناس ممن خفت نور إيمانهم، وانخفضت حرارة مدفأتهم، وضعف وهجها، فبردت الأحاسيس، وتوقفت حركة الاتصالات القلبية والبدنية بين الناس بعضهم بعضًا بصفة عامة، وبين ذوي الأرحام والأقارب بصفة خاصة، ومع ذوبان الجليد وطلوع الشمس من جديد نتمنى ذوبان جليد العلاقات الأسرية وظهور المحبة والتآخي والتراحم، وعودة الدفء إلى دماء الأرحام التي أوشكت على التجمد في ظل هذه البرودة.
وإن المرء منا ليسمع عجبًا في هذه الأيام. فتجد أقارب وذوي أرحام يعيشون في الشارع الواحد لا يرى بعضهم بعضًا إلا في المناسبات، وغيرهم يعيش معًا في البلد الواحد لكن الصلة بينهم منعدمة والكل مفرط لا شك، قاطع لرحمه والبعض يقدم عذره بأنه وصلهم مرات ولم يصلوه فلذلك قطعهم، وهذا وهم كبير وخطأ فادح، وعمل من تلبيس إبليس اللعين، استمع لرسولنا الرحيم ﷺ وهو يقول: «ليس الواصل بالمكافئ ولكن الواصل الذي إذا قطعت رحمه وصلها» «البخاري».
ومن المؤسف حقًا أن تفعل ذلك في عصر التكنولوجيا والعلم والسرعة، ونحن نمتلك من وسائل الراحة وتوفير الوقت ما لم يكن يملكه أجدادنا، فلم نستغل الوقت المتوافر في تقوية العلاقات بيننا كمجتمع واحد، ولا بين أرحامنا كأسرة واحدة، ولم نشغل أنفسنا بتربية الأولاد على مكارم الأخلاق وصلة الأرحام، واحترام حقوق الآخرين، ففقدنا الشعور بكامل المسؤولية في التربية، وبردت مشاعرنا إن لم تكن تجمدت وضعفت صلتنا بأرحامنا إن لم تكن انقطعت ولم نحرص على اعتدال كفتي الميزان رغم وجود وسائل مساعدة، لقد كان أجدادنا مع صعوبة الحياة وقلة تلك الوسائل حريصين على ترابط الأسر لأنهم علموا بفطرتهم السليمة أن صلاح المجتمعات وترابطها يكمن في صلاح الأسرة وتآزرها، فوصلوا أرحامهم فيها وكفلوا أيتامها وتزوجوا من أراملها حفاظًا على ذلك الترابط في الأسرة الواحدة.
إننا لا نريد أن نربي جيلًا تنقطع فيه أواصر المحبة، أو تتجمد فيه القيم كما يتجمد الماء الذي هو سر الحياة، فتضيع الحقوق، وتختفي معها أخلاق الإسلام العظيمة من واقعنا، إننا نريد المشاعر الدافئة التي تبدد برودة الشتاء وتنشر دفئها فتدفئ من حولها، يقودنا في رحلتنا هذه كتاب الله تعالى، ويرشدنا سنة المصطفى ﷺ، نريد دفئًا معنويًا في الأحاسيس، ودفئًا محسوسًا ونحن حول المدفأة، وإذا ما أحسست بعد ذلك ببرودة في الجو أو قشعريرة في الجلد، فقل: «لا إله إلا الله ما أشد برد هذا اليوم اللهم أجرني من زمهرير جهنم».
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل