العنوان الافتتاحية- مذابح الجزائر.. مَنْ وراءها؟
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 05-أغسطس-1997
مشاهدات 60
نشر في العدد 1261
نشر في الصفحة 9
الثلاثاء 05-أغسطس-1997
تصاعدت وتيرة حوادث القتل العشوائي في الجزائر في الآونة الأخيرة وأخذت طابعًا بشعًا تأباه الفطرة السليمة، بل النفس البشرية، وشملت قتل الأطفال والنساء والشباب والشيوخ بطرق وأساليب لا يرتكبها إلا عتاة المجرمين الذين تجرّدوا من الإنسانية، ووجدوا لذتهم في التنكيل بالأبرياء، مرة بالذبح، وأخرى بقطع الراس بالفأس، وثالثة بالرصاص، ورابعة بالحرق، وخامسة باتباع سياسة الأرض المحروقة، حيث يتم الضربوالقصف العشوائي.
وبداية نقول إن مثل هذه الحوادث الشنيعة يُحّرّمها الدين الحنيف، ولا يُعقل أن تصدر عن مسلم يرعى حق الله- سبحانه وتعالى- في نفسه وأهله ووطنه وأمته، وما نراه ويراه العديد من المراقبين السياسيين يشير إلى أن للقضية تشعبات وتعقيدات، جعلت من الجزائر ساحة حرب دولية تتصارع على أرضها دول وحكومات وأنظمة ومنظمات.
إن كثيرًا ممن بدؤوا أعمال القتل في الجزائر- بعد إلغاء نتائج الانتخابات البرلمانية عام ١٩٩٢م لم يكونوا فوق مستوى الشبهات، وبعضهم معروف بانحراف الفكر والتوجه، ومع ذلك فقد وجدوا التشجيع، وجرى إمدادهم بالسلاح والعتاد؛ ليشعلوا تلك الحرب المدمِرة، فمن أمدهم بالسلاح؟ ومن نفث في روعهم اللجوء إلى طريق القتل والتدمير؟
أما موقف السُلطات الجزائرية المسؤولة عن حماية المدنيين فهو يثير الدهشة والإستغراب، وعلى سبيل المثال لا الحصر وقعت الأسبوع الماضي مذبحة في حي «سي مرزوق» على بُعد ٣٥ كيلو مترًا فقط من العاصمة الجزائر، والغريب أن مكان المذبحة لا يبعد سوى ٥٠ مترًا فقط عن ثكنة للجيش، كما يقع على مقربة من أحد مراكز الدرك، ومن نقطة للحرس البلدي.. ثلاث جهات مسؤولة عن الأمن، ومع ذلك لم تُحرك ساكنًا حسب أقوال الشهود الذين قال أحدهم: إن طفلًا قُتل تحت برج الحراسة الخاص بثكنة الجيش، وقال آخر: «إن منفذي المذبحة أخذوا كل وقتهم، وكأنهم لا يخشون مباغتة» ولا يتوقعون مواجهة.. الأمر الذي يجعل المراقِب يضع السُلطة في موقع المسؤولية عمّا يجري.
والجزائر تموج بصراعات القوى المحلية والإقليمية والدولية، فهناك تعصب للشرق الجزائري أو للغرب أو للوسط، وهناك توجه للعروبة والإسلام مقابل عمالة للغرب والعلمانية، وهناك حزب فرنسا مقابل حزب أمريكا، وربما حزب إسرائيل، ولكل فريق طريقته وأسلوبه في مواجهة الخصوم، أو إجهاض سياساتهم وتوجهاتهم، ولا يستبعد بعض المحللين السياسيين أن يكون ما يحدث في الجزائر مرتبطًا بالصراع بين النفوذ الأمريكي والنفوذ الفرنسي في الجزائر، بل في إفريقيا كلها.
إن الجزائر دولة غنية بمواردها البشرية والمادية، فهي من المجتمعات الشابة التي تزداد فيها نسبة الشباب الذين هُم في سِن العمل، وغنية بالنفط والمعادن والمياه والأراضي القابلة للزراعة، ولذا جاءت الفتنة الحالية لتقضي على تلك الإمكانات البشرية والمادية، فقد قتل عشرات الألوف، وفي السجون ألوف أخرى، وترك آخرون البلاد هربًا أو يأسًا، ودمرت الحرب الأخضر واليابس.
وكلما تظهر في الأفق بارقة أمل في بداية انحسار الأزمة- مثلما حدث مع الإفراج عن الشيخ عباسي مدني زعيم الجبهة الإسلامية للإنقاذ- تحركت الأيدي الخفية لإشعال أوار الفتنة مرة أخرى.
إن الفتنة عظيمة، والتحدي الذي يواجه الشعب الجزائري كبير، بل لا يقل عن تحدي مواجهة الاستعمار الفرنسي الذي جثم على صدر الجزائر قرنًا وثلث القرن من الزمان، ولا يزال له أنصار وأعوان يأتمرون بأمره، وكلنا أمل في أن تكون للجزائر رجعة صادقة إلى الله، وأن تتغلب المصلحة العامة على المصلحة الخاصة، ولتمتد الأيدي بالمصالحة والمصافحة، وليشمل ذلك رفع الحظر عن نشاطات جبهة الإنقاذ كجماعة مُسلمة مُخلصةتريد للجزائر الخير.