; مذابح الجزائر .. والصراع على السلطة | مجلة المجتمع

العنوان مذابح الجزائر .. والصراع على السلطة

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 23-سبتمبر-1997

مشاهدات 72

نشر في العدد 1268

نشر في الصفحة 9

الثلاثاء 23-سبتمبر-1997

مازالت مذابح الجزائر التي راح ضحيتها الآلاف من المدنيين الأبرياء والمستمرة بشكل يومي منذ مدة ليست بالقصيرة، مازالت تثير الأسئلة حول الدور الحكومي فيها إعدادًا وتنفيذًا. 

وقد تحدثنا في هذه الصفحة أكثر من مرة عن المؤامرة التي تقودها جماعات متنفذة في السلطة جعلت من المدنيين الأبرياء ساحة مفتوحة للصراع فيما بينها دون مراعاة لحرمة الدم المسلم أو نظر للمسؤولية المترتبة على بقاء هؤلاء في السلطة التي من أول تبعاتها المحافظة على أمن المواطنين وسلامتهم، وسردنا عددًا من الشواهد على تواطؤ بعض عناصر السلطة وتقاعسها عن القيام بأبسط واجباتها حين كانت المجازر تتم على مرأى ومسمع من مراكز الجيش والشرطة دون أن يتحرك أحد للتدخل لنجدة المنكوبين.

 وفي يوم الحادي عشر من الشهر الجاري نشرت جريدة «هيرالدتربيون»، مقالاً في صفحتها الأولى تحت عنوان: المذابح الجزائرية: هل هي لغز؟ كشفت فيه بوضوح ذلك الدور الآثم الذي يلعبه بعض المتربعين على كراسي السلطة في الجزائر ودورهم في تلك المذابح البشعة التي تشهدها البلاد.

يقول المقال الذي نشرته أيضًا صحيفة نيويورك تايمز: إنه منذ بداية «التمرد الإسلامي». «كما يزعمون» – عام ١٩٩٢م نشأت في البلاد مدرستان تمثل الأولى دعاة الإبادة وهم المصممون على إبادة عناصر الجماعات الإسلامية بقوة السلاح، أما الثانية فتمثل المنادين بالحوار، وتضيف الجريدة أن الصراع بين الجانبين لم يصل من قبل لمثل ما وصل إليه الآن من ضراوة، وتنقل الجريدة عن مسؤولين غربيين أنه تمت خلال الأسابيع الماضية مفاوضات بين الحكومة والجناح العسكري للجبهة الإسلامية للإنقاذ، وأن المتشددين داخل الحكومة قد أعترضوا على إجراء تلك المباحثات، وبعد أن تشير الجريدة إلى أن الهجومين اللذين شهدتهما قريتا سيدي رئيس وبني ميسوس وقعا بالقرب من الثكنات العسكرية ومراكز الشرطة وأنه في الحالتين لم تحدث أية محاولة من جانب الجيش أو الشرطة للتدخل لوقف المذابح، تقول الجريدة: لقد أجمع كثير من المراقبين على أن العناصر المتشددة داخل الحكومة الجزائرية قد أجازت تلك الهجمات أو حتى بادرت بها، وأن المجازر ربما تم تنفيذها على يد «جماعات الوطنيين» الذين قامت الحكومة بتسليحهم بهدف تعزيز موقف المناوئين للجماعات، ويعتقد الدبلوماسيون أن هدف المتشددين في الحكومة كان يتمثل في التشكيك بنوايا المؤيدين للمفاوضات في وقت كان الإفراج فيه عن عباسي مدني زعيم جبهة الإنقاذ قد أحدث توترات داخل الحكومة».

وهكذا يتضح أن الشعب الجزائري الشقيق وقع ضحية صراع تيارين داخل السلطة، وأن أحد هذين التيارين يحاول إفشال مبادرات التسكين والتهدئة التي سعى إليها البعض داخل السلطة التي تمثلت في الإفراج عن عباسي مدني وعبد القادر حشاني، ولم تجد هذه الطغمة الباغية سوى دماء المسلمين الأبرياء لتصل على أشلائها إلى مبتغاها.

وإمعانًا في التضليل، فقد أطلقت هذه المجموعة المتسلطة دعاية أن بعض الجماعات الإسلامية تقف وراء هذه المذابح، وروّجت لهذا القول وسائل الإعلام العالمية حتى أقترنت مذابح الجزائر في أذهان الناس بــ«الإسلاميين المتوحشين» ولكن وكما تقول الجريدة، فإن هذه النظرية لا تفسر بقاء السلطات الجزائرية متمسكة بموقفها السلبي إزاء الهجمات التي وقعت بالقرب من العاصمة وعلى مقربة أيضًا من الثكنات العسكرية، اللهم «إلا إذا كانت الحالة المعنوية لأفراد الجيش في الحضيض، وتفشت حالة الإنشقاق في الجيش»، وهي أمور تتحمل مسؤوليتها أيضًا السلطة القائمة.

ویرى المؤرخ الفرنسي بنيامين ستورا -الخبير في الشؤون الجزائرية- «أن الإفراج عن مدني أوحی أن السيطرة قد أصبحت بيد المعتدلين داخل الحكومة الجزائرية، لكن وقوع المجازر الأخيرة وإعادة إعتقال مدني يكفيان لإثبات عودة المتشددين داخل الحكومة للإمساك بزمام الأمور، وهي شهادة أخرى على دور بعض رجال السلطة في المذابح.

 إن الشواهد السابقة تؤكد مسؤولية السلطة عن المجازر البشعة في الجزائر، فهل يجوز بعد ذلك الزعم أن مرتكبيها هم إسلاميون؟!! إن هذا الزعم ينطوي على ظلم فادح للإسلام، نأمل أن يكف عن ترديده السياسيون والكتاب ووسائل الإعلام المختلفة.


الرابط المختصر :