العنوان مذاق الحب المدهش
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر السبت 14-نوفمبر-2009
مشاهدات 67
نشر في العدد 1877
نشر في الصفحة 55
السبت 14-نوفمبر-2009
د سمیر يونس (*)[1]
dr_samiryounos@hotmail.com
هل تعرف الحب؟ ماذا يعني بالنسبة لك؟ هل ذقت حلاوة الحب المدهش؟! قد تسألني عزيزي القارئ وهل الحب رحيق أو شراب يشرب؟ هل هو طعام يؤكل حتى أذوق حلاوته؟! إن من الحب ما يدهش العقل، وتحار فيه الألباب، وكلامي هذا حقيقة، وليست من دروب الخيال، ولكي تتأكد من ذلك اقرأ بوعي السطور والشواهد التالية.
بين الحبيب والصديق
لقد بلغ العطش بأبي بكر الصديق مبلغا عظيما في هجرته مع حبيبه صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة، فجاء بمذقة لبن، وقدمها لرسول الله صلى الله عليه وسلم ليشربها.. يقول أبو بكر الصديق: فشرب النبي صلى الله عليه وسلمحتى ارتويت!! فهل ذقت هذا الحب أخي القارئ الحبيب؟ وأين أنا وأنت من هذا الحب؟!
حب ثوبان
غاب النبي صلى الله عليه وسلم يوما عن خادمه سيدنا ثوبان ، فلما عاد النبي ﷺ بكى ثوبان الرؤية حبيبه وسيده بعد شوق عظيم!! فسأله النبي صلى الله عليه وسلم عن سبب بكانه، فأجاب: تذكرت مكانك في الجنة يا رسول الله ومكاني، فذكرت الوحشة، وأدركت أني لا أطيق فراقك يا رسول الله، فكيف أتحمل فراقك في الآخرة، وأنا أعلم أن مكاني دون مكانك في الجنة؟! فنزل قول الله تعالى: ﴿وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَٰئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ ۚ وَحَسُنَ أُولَٰئِكَ رَفِيقًا﴾ (النساء:69).
حب الجذع للحبيب صلى الله عليه وسلم
كان النبي صلى الله عليه وسلم يخطب في المسلمين من خلال جذع نخلة - قبل أن يتخذ منبرا - فلما بنوا له المنبر ترك الجذع واستخدم المنبر فسمع صلى الله عليه وسلم أنين الجذع حزنا وألما على فراقه ، فنزل من المنبر وعاد للجذع!! سبحان ربي حتى الجذع أحب رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم، وبادله الرسول الحبيب هذا الحب.
سواد والحبيب
في الغزوات كان النبي صلى الله عليه وسلم يشرف على اصطفاف جنوده، ويتأكد من استوائهم لضبط الصف، وبينما هم كذلك إذا بالصحابي الجليل سواد بن غزية، لم يستقم بالصف ولم يستو فقال صلى الله عليه وسلم: استو يا سواد.. فقال سواد: نعم يا رسول الله، ووقف ولكنه لم يستو بالصف فجاء النبي صلى الله عليه وسلم وغمز سوادا بسواكه في بطنه لينبهه وقال له: استو يا سواد.. فقال سواد أوجعتني يا رسول الله، وقد بعثك الله بالحق.
فكشف النبي صلى الله عليه وسلم عن بطنه، وقال: اقتص سواد.. فانكب سواد ، على بطن النبي صلى الله عليه وسلم يقبلها وهو يقول: هذا ما أردت. ثم قال: يا رسول الله أظن هذا اليوم يوم شهادة، فأحببت أن يكون آخر العهد بك أن يمس جلدي جلدك!! ألا ترى - أخي القارئ - أنه حب مدهش؟!
حب الفداء «سعد وطلحة»
في غزوة أحد طوق المشركون رسول الله صلى الله عليه وسلم وحسب رواية الإمام مسلم لم يبق مع نبينا سوى تسعة من أصحابه يدافعون عنه استشهد منهم سبعة فداء لحبيبهم، وكان آخر هؤلاء السبعة هو عمارة بن يزيد بن السكن، الذي قاتل حتى أثخنته الجراح، واستشهد فداء لرسول الله صلى الله عليه وسلم وحبا للشهادة والجنة.
وبعد استشهاد السبعة - وكانوا من الأنصار - لم يبق من الرجال المدافعين - من قرب - عن رسول الله صلى الله عليه وسلم سوى رجلين هما طلحة بن عبيد الله وسعد بن أبي وقاص، وكانت للمشركين فرصة ذهبية، حيث طمعوا في القضاء على الرسول صلى الله عليه وسلم وركزوا حملتهم عليه، وحاصروه، ورماه عتبة بن أبي وقاص بالحجارة، فوقع، وكسرت رباعيته اليمنى السفلى، وجرحت شفته السفلى، وهاجمه عبد الدار بن شهاب الزهري، فشجه من جبهته وجاء فارس مشرك عنيد هو عبد الله بن قمنة فضرب على عاتقه ضربة عنيفة آلمته صلى الله عليه وسلم أكثر من شهر، فدافع عنه حبيباه القريشيين سعد بن أبي وقاص، وطلحة بن عبيد الله، ولم يتركا وهما اثنان فقط - سبيلا إلى نجاح المشركين في هدفهم، وهو التخلص من النبي صلى الله عليه وسلم، وكانا من أمهر رماة العرب، فأتعبا المشركين، وأجهضا خطتهم!!
فأما سعد بن أبي وقاص فقد نثل له رسول الله صلى الله عليه وسلم كنانته، وقال: ارم فداك أبي وأمي رواه البخاري.
وقد استدل علماء السيرة من ذلك على حب الرسول صلى الله عليه وسلم لسعد ، وعلى مدى كفاءته في الرماية والقتال، وبسالته في الجهاد، حيث قالوا إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يجمع أبويه لأحد غير سعد!! وأما طلحة بن عبيد الله، فقد روى الإمام البخاري - يرحمه الله - عن قيس بن أبي حازم قال: رأيت يد طلحة شلاء، وقى بها النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد رواه البخاري. وذلك يدل على حب طلحة لرسول الله صلى الله عليه وسلم.
وروى الترمذي وابن ماجه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال فيه يومئذ من أحب أن ينظر إلى شهيد يمشي على وجه الأرض فلينظر إلى طلحة بن عبيد الله»، ويدل ذلك على مكانة طلحة وحب النبي صلى الله عليه وسلم له. وقد أنشد أبوبكر في طلحة رضي الله عنهما:
يا طلحة بن عبيد الله قد وجبت.. لك الجنان وبونت المها العينا
مختصر تاريخ دمشق ۸۲/۷، والعين بقر الوحش.
ويروي أبوداود الطيالسي عن عائشة قالت: كان أبو بكر إذا ذكر يوم أحد قال: ذلك يوم كله لطلحة. (فتح الباري ٣٦١/٧)
حب النبي صلى الله عليه وسلم لقومه
ففي الصحيح كسرت رباعيته - أي رسول الله صلى الله عليه وسلم - وشج رأسه، فجعل يسلت الدم عنه ويقول: كيف يفلح قوم شجوا وجه نبيهم، وكسروا رباعيته، وهو يدعوهم إلى الله؟! فأنزل الله تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ (آل عمران:128).
وفي رواية الطبراني أنه قال يومنذ اشتد غضب الله على قوم دموا وجه رسوله.. ثم مكث ساعة، ثم قال: اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون ( فتح الباري: ٣٧٣/٧)
وفي الشفاء للقاضي عياض أنه قال: اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون كتاب الشفا بتعريف حقوق المصطفى (۸۱/۱)
حقا - أخي القارئ الحبيب - إن هذه النماذج من الحب وإن كانت غيضا من فيض إذ إن تاريخ الإسلام والمسلمين مليء بمثل هذه النماذج المبهرة.. ألا ترى معي أنه حب مدهش فعلا؟ هل تريد الآن أن تذوق رحيق هذا الحب وحلاوته تلك دعوة إليك حبيبي القارئ، وما عليك إلا أن تبحث عمن يستحق حبك، فتحبه ويحبك لا لغرض دنيوي، ولا لمغنم مادي بل هو في الله ولله وساعتها فقط ستذوق هذا الرحيق المدهش، وستعرف حلاوته، في من ذاق عرف!!