; 14 مذكرات السلطان عبد الحميد (العدد310) | مجلة المجتمع

العنوان 14 مذكرات السلطان عبد الحميد (العدد310)

الكاتب محمد حرب عبد الحميد

تاريخ النشر الثلاثاء 27-يوليو-1976

مشاهدات 77

نشر في العدد 310

نشر في الصفحة 34

الثلاثاء 27-يوليو-1976

حرب ٩٣ جرح يدمي في داخلي منذ أربعين سنة ينزف بلا توقف

٢٦ مارت ۱۳۳۳ «۱۹۱۷» 

حاولت كثيرًا منع هذه الحرب ولم أستطع، حاولت بعد ذلك أن أكسبها فاستنفد هذا مني الكثير، سواء من نوم ليلى أو حضور نهاري. ولم أستطع النجاح. هذه حادثة سيقررها التاريخ دونما حيرة عشرات الآلاف من أفق.. الأوراق في دور المحفوظات. وأمام الناس أعداد لا تحصى من الكتب، والتاريخ سيسجل دونما حيرة أيضًا كيف أن سلطانا دفع بقوة إلى أتون هذه لذلك فإني جد متأثر من الحرب جراء هذا.

أعدائي يحاولون- تمامًا كما- يحاولون في كثير من الأمور الأخرى تحميلي مسئولية الحرب الروسية عام ٩٣، إنهم يرون أني أردت هذه الحرب وإني منعت وساطة الدول الكبرى وإني دخلت هذه الحرب لاكتساب شهرة وإني أدرت هذه الحرب من القصر ولا علم لي بالحروب على الإطلاق، وإني أبعدت كثيرًا من القواد عن مراكز قيادتهم وعينت في أماكنهم قوادًا آخرين جهلاء وأنى تركت الجيش بلا سلاح وبلا مؤونة، وهكذا عملت بالضرورة على هزيمة الجيش. 

نعم هكذا يستطيعون الكتابة دون أن تحمر وجوههم خجلًا. ويعملون على إقناع كل الناس بهذا. وعندما يرى الإنسان هذا ويقرأه لا يتمالك نفسه من أن يفكر قائلًا: عجبًا هل زالت دور المحفوظات من الوجود؟ 

أخطأ مدحت باشا وأنصاره كثيرًا عندما وثقوا بالإنجليز وتمادوا في مواقفهم، وبالتالي ألقوا ببذور الحرب، والوقوف أمام هذا يمكن على كل حال أن يأخذ شكل الخيانة، وبعد أن فهمت أنني لن أستطيع منع الحرب بدأت الاستعداد للحرب.

لم تكن الطرق الداخلية في البلاد كافية. وكان التخابر يحدث بواسطة الجياد وكان تلقي الأخبار عن جيش أرسل إلى الحدود يستغرق أيامًا، بل أسابيع في بعض الأحيان سمعت ببدء استخدام واسطة التخابر المسماة بالتلغراف فتحركت فورًا واستدعيت خبيرًا من بلجيكا كان اسمه جان ديكرو وكان رجلًا من أصحاب الأعمال وأقمت في القصر مركز تلغراف مجهزًا بأقوى الكابلات، وقامت كل ولاية بنصب أعمدة التلغراف في ساحتها وركبت الأسلاك وبدأ عمل الخطوط، وكان جان ديكرو هذا يدير هذا المركز التلغرافي: استدعيته وقلت له إنه لو علم رجالنا كل أعمال التلغراف بحيث يمكن أن يديروه بأنفسهم خلال ستة أشهر فاني سأمنحه نيشانًا عثمانيًا وأعطيه ألفين ذهبًا.

وسريعًا ما أقام جان ديكرو مدرسة في القصر وقسمها إلى ثلاثة أقسام، وبدأ يلقى دروسه ليلًا ونهارًا وبعد شهرين ونصف شهر أمكنه إعداد موظفي تلغراف مستعدين بأنفسهم أن يديروا شبكة التلغراف التي تربط أهم الولايات سواء في الأناضول أم في الروملي بالعاصمة وهكذا أمكن تأمين التخابر. 

قالوا إن عدد الجيش في الشرق وصل إلى ثمانين ألفًا ، وفي الروملي مئتي ألف، فدعوت الصدر الأعظم أدهم باشا والسر عسكر رديف باشا والسردار الأكرم عبد الكريم نادر باشا ورؤوف باشا ناظر البحرية ومحمود باشا مشير للطوبخانة ٢ دعوتهم إلى القصر وكونت منهم ديوان حرب سألتهم عن آرائهم وما يفكرون فيه.

وتوصل ديوان الحرب هذا بعد مناقشات استمرت عدة أيام إلى القرارات التالية.

۱- تعيين عبد الكريم نادر باشا على رأس القوات التي ستواجه الروس عند الحدود، والمسماة بجيش الطونه.

۲- تكوين دیوان حرب في القصر من الباشوات المختصين، حيث أصبح من الممكن تأمين الاتصال بالجيش بواسطة التلغراف . يوالي هذا الديوان- بعد توزيع الاختصاصات- يوالي دقيقة بدقيقة کل أمور الجيش من إعاشة ومؤونة وذخيرة وتموين وكافة التجهيزات كما يلاحظ دقيقة بدقيقة كبار قادة القوات ويقوم بتسهيل أعمالهم.

 ۳- يستخدم باسمي كل طاقات الدولة العثمانية وإمكانياتها فيما تقتضيه الحرب. 

كانوا أكفأ باشوات في الدولة العثمانية. ووافقت على قراراتهم أثناء هذه الدراسات، أخبرني كل من الصدر الأعظم أدهم باشا والسر عسكر رديف باشا أن بعض القلق يسود بين ضباط الجيش من مختلف الرتب، ذلك لأن بعض الباشوات والضباط من هؤلاء الذين احتضنهم حسين عوني باشا يرون صواب تنحية عبد العزيز خان من على العرش وبعض الباشوات والضباط يرون أن هذا أمر غير صائب وأنه معيب.

وهذا ما جعل الجيش ينقسم على نفسه من الداخل وانعدمت الثقة بين الفريقين. ورغم أنه لم يبد في الأفق اضطراب قط إلا أن كلمة منا ومنهم كانت تدور على ألسنة كل من الفريقين وتأثرت لهذا، فإننا والعياذ بالله نفقد كل شيء من جراء هذا سألت عن المخرج فاقترح عبد الكريم نادر باشا أن ينقل الضباط الذين يحتمل أنهم مثيرو هذا الأمر إلى جبهات مختلفة، قال السر عسكر رديف باشا إن هذا من شأنه إحداث الاضطراب والبلبلة في الجيش فالجندي الذي يحارب تحت قيادة ضابط يعرفه سيعطي نتيجة جيدة في الحرب. وبعد مذكرات طويلة تقرر أنه إذا ظهرت هذه الخلافات فعلى ديوان الحرب اتخاذ التدابير اللازمة لمنعها.

لست عسكريًا، وكنت لا أعرف أيضا الحالة الروحية للجنود ولكن اقتراح عبد الكريم نادر باشا أعجبني، وتصورت أنه الصواب ووجود الجماعة التي تفهم بعضها بعضًا معًا في مكان واحد لا بد وأن يكون أكثر فائدة للمصلحة. ولكن نظرًا لضيق الوقت الذي أمامنا، وبناء على الأفكار التي قدمت عن الحالة الروحية للجنود اشتركت بدوري في القرار  هذا هو  واحد من أفدح الأخطاء التي جعلتنا ننهزم أمام الروس.

إننا ما كنا انهزمنا أمام الروس ولكن لم يكن هذا القرار هو الشيء الوحيد الذي يدعو للأسف في هزيمتنا. 

أربعون عامًا تمر اليوم على هذا القرار وما زلت أفكر فيما لو كنا قبلنا رأى عبد الكريم باشا لأحسب التكتيك الذي استخدمناه كان أيضًا خطأ. لم نكن قبلنا الحرب على أرضنا. وكنا قبلناها على أرض العدو وقد كان ذلك بناء على آراء بعض الباشوات وأثناء الحرب ظهر خطأ اقتناع كل من رديف باشا وعبد الكريم نادر باشا بخصوص انعدام القدرة الهجومية لدى جيشنا. إن تكوين الجيش الروسي من ثلاثمائة وعشرين ألفًا، مقابل مئتي ألف عندنا، أخاف كلًا من رديف باشا وعبد الكريم باشا.

رديف باشا قائد يتمتع بعلم عسكري عال لكنه كان مترددًا لا يستطيع اتخاذ قرارات حاسمة ولا يستطيع أن يجد في نفسه الشجاعة على تحمل المسئولية بمفرده. والآن أرى بوضوح أنه لم يستطع استخدام مهاراته خوفًا من الخطأ وكان يخاف أن يفقد منصبه نتيجة لخطأ يخطئه . 

أما السردار الأكرم عبد الكريم باشا فقد كان رجلًا مهيبًا ذكيًا وعالمًا لكنه كان قد بلغ السبعين من عمره نجح في حرب الصرب، وقره طاغ كان جنديًا قديرًا درس في مدرسة الحرب في فيينا ويجيد اللغات ويفهم تكتيك الجيوش الأوربية، لكنه لم يكن يستطيع ركوب الخيل وكان يقوم بجولاته في معسكرات الجيش راكبًا عربة لأنه كان مريضًا. وكان ككل كبار السن يحتاط للأمور أكثر مما ينبغي. وكان يخاف أن يفقد في معركة شهرته التي اكتسبها في عدة سنوات، لهذا لم يكن يستطيع أن يفطن إلى فكرة الهجوم وأصر على القلاع الأربعة سلستره وروسجق وفارنا وشومنو ولم يرغب في التفكير بأن الروس يمكنهم أن يعبروا البلقان. 

الخطأ الآخر الذي ارتكبته هو منح هذين الباشوين مسئولية كبيرة.

فهمنا الموقف بعد انتصار سليمان باشا في- آسكي زغرة -، ونجاح الغازي عثمان باشا في هجوم بلاونه سحبت هذين المشيرين، ولكنا كنا خسرنا نصف الحرب حتى ذلك الوقت، أما الذي أخذ بنصف الحرب الآخر فكان في تقديم سليمان باشا نفسه والباشوات والضباط المؤيدين له وتغطيته للذين اعتبرهم معارضين له ذلك ما أخذ بنصف الحرب الآخر وأتى بالروس حتى أبواب إستانبول. ومن هذه الأسباب أيضًا عدم إمكان نجاح الغازي أحمد مختار باشا في الجبهة الشرعية مع كونه قائدًا جيدًا وثقنا به كثيرًا .

قالت حرب 93 أشياء كثيرة. أما أولئك الذين أغلقوا أعينهم لكي لا يروا شيئًا فإنهم يكررون بلا توقف ما حفظوه وهم في ذلك كالببغاوات ويواصلون اتهاماتهم وأن السبب دائما عبد الحميد عبد الحميد.

لو أنني لم أكن سلمت الجيش إلى سردار أكرم مظفر مثل عبد الكريم نادر باشا، فيا ترى من كان يعتبرني على حق؟ من هذه الحقيقة من أين لي أن اعرف أن جنديًّا شبعان العين سيتخذ قرارات خاطئة بسبب شيخوخته. لم يعترض أحد على خطة الحرب غير سليمان باشا حتى مولنكه وهو قائد من أعظم القادة الألمان، قبل بأهمية القلاع الأربعة.

هل كان من العقل تغيير القادة في اليوم الذي طرقت فيه الحرب الأبواب؟ ثم وعند الحديث عن هؤلاء ألم يكونوا من أعلم وأكثر تجربة من بين الذين أعدوا إعدادًا عثمانيًا، ومن يا ترى ذلك الذي لو وضعته في نفس الموقع كان يمكن أن يهزم الروس؟ ألم يظهر تحت قيادة سليمان باشا الانهيار الكبير الذي وصلنا إليه؛ حتى ذلك الجندي المبارك الغازي عثمان باشا هل جنح إلى درجة حمل المسئولية؟ يجب أن نعرف لماذا خسرنا الحرب، ولكن ليس لاتهام هذا أو ذاك وإنما لكي لا تتكرر في بلادي نفس الأخطاء مرة أخرى. 

ولم أقع في نفس هذه الأخطاء مرة أخرى، في الحرب اليونانية كنت أعرف انقسام الجيش من الداخل وكنت أعرف أنه يجب على القائد أن يثق بنفسه، كنت أعرف أن جيشًا أعد إعدادًا جيدًا للدفاع ينبغي مراعاة رفع قوته الروحية عند دفعه للدفاع أما مستوى العدد بين الجيوش فيأتي في مرتبة تالية. ولكن لكي أستطيع الإفادة من هذا، كان يجب أن أحمل مرارة الهزيمة من الروس في داخلي كل هذه السنوات العشرين.

أجد نفسي في هذه الأيام وأنا في مقام محاسبة الضمير، وأنا بعيد جدًا عن الدنيا قريب جدًا إلى الآخرة، أفكر في أن الخطأ الكبير حقيقة يأتي متدحرجًا من أيام جدي إلى الآن، لقد قضينا على الإنكشارية ولكنا لم نقض على الأسباب التي أفسدت الإنكشارية. إن إنهاء هذه المؤسسة العسكرية قد جر علينا وصول محمد علي باشا حتى مشارف كوتاهية، ولم يثنه شيء في طريقه وهو الذي كان بالأمس أحد عبيدنا. كما جر علينا عقد معاهدة إينالي قاواق مع الروس؛ وكذلك إصدار فرمان التنظيمات ليتنا كنا استطعنا إبعاد الجيش عن السياسة. لم تمض أربعون عامًا على انكسار الإنكشارية حتى أسقط جيش حسين عوني باشا عمى عبد العزيز خان من على العرش. 

انقسم الجيش الجديد على نفسه بدعوى الموالاة للأسرة المالكة والمعاداة لها وفقدنا حرب ۹۳. إن نفس هذا الجيش هو الذي أسقط أخي مرادًا من على العرش وكذلك أسقطني أنا. وكذلك الأسباب التي فقدنا من جرائها حرب ۹۳ هي نفس الأسباب التي جعلتنا نفقد حرب البلقان. ليس التاريخ هو السبب، بل إن السبب يكمن في تكرر الأخطاء بلا انقطاع. ولو فقدنا اليوم وطنًا فذلك يرجع إلى ذات السبب أيضًا. 

الذين يفهمون التاريخ العثماني يعرفون أن هذه البلاد لم تقم مستندة على القوة، ولكن على العدل، فلو كانت الجيوش العثمانية حملت معها الظلام إلى البلاد المفتوحة لتفتتت هذه الإمبراطورية إلى أجزاء كالبذور، ولم تكن تقوم لها قائمة ذلك لأن العدل هو أساس المشروعية والمشروعية مسند الحاكمية، والقوة مؤيدة للمشروعية، والحاكمية مضطرة للاعتماد على العدل؛ فإذا نهض أحد للحكم بلا عدل واستخدم القوة بلا مشروعية، فلا بد لهذا الحكم أن ينهار، كذلك الجيش أيضًا إذا استخدم القوة التي يملكها في إطار غايتها فذلك مشروع أما إذا وضعها في غير إطار غايتها فذلك غير مشروع. قد يهدم الجيش أشياء نعم يهدمها لكنه في النهاية يهدم نفسه وبكل أسف فأحيانًا تنهار دولة تحت هذه الأنقاض.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل