العنوان مذكرات المستشار علي جريشة.. شهادة قاض وسيرة رمز (٦).. وورث السجن الحربي من كانوا بالأمس جلاديه!
الكاتب مركز الإعلام العربي
تاريخ النشر السبت 10-نوفمبر-2012
مشاهدات 52
نشر في العدد 2026
نشر في الصفحة 44
السبت 10-نوفمبر-2012
- صار ضيوف السجن الحربي هذه المرة من الحكام.. من صغار الطغاة وضباط المباحث العسكرية.. ونقلنا إلى سجن «طره» لتبدأ مهانة من لون جديد.
- كانوا يقلقوننا في اليوم مرتين أو ثلاثًا بحثًا عن جريمة.. ما كنا نظن أنها تكون كذلك في بلد دينه الرسمي الإسلام وكانوا يفتشون عن المصاحف ليصادروها!
- اطلع «عبد الناصر» على خطاب كتبته لأمي فأمر بإعادة محاكمتي فلما قيل له: إنه خال من أي تهمة أمر بأقصى إجراء تأديبي ضدي فتم نقلي إلى أقصى سجون الصعيد.
وورث السجن الحربي من كانوا بالأمس جلاديه!
ورث الجلادون والزبانية مقاعد الأطهار المؤمنين لتكون تلك آية قدرة إلهية ترطب القلوب وتبشر بنصر الله تعالى. وهكذا تقرر نقل معتقلي الإخوان إلى سجن «طره» لتبدأ صفحة جديدة كمن ابتلاء المؤمنين، هي امتداد لما قبلها، وبداية المرحلة جديدة سجل المستشار علي جريشة انطباعاته عنها ورؤيته لها في رسائل بعثها إلى أمه ورفيقة جهاده وأخيه وصهره.
رسائل تنطق بالتفاؤل والأمل وحسن رسائل تنطق بالتفاؤل والأمل وحسن الظن بالله تعالى، وتؤكد أن محنة السجن والتعذيب جعلت من أوذوا في الله سبحانه أكثر يقينا وأشف روحًا وأطهر قلبًا وأشد حكمة وأعمق بصيرة.
هي رسائل صادقة، بل هي تحف أدبية وإيمانية تنم عن معدن رجال الله الأصيل.
ومن السجن الحربي الذي عرضنا في العدد الماضي خواطر المستشار علي جريشة حوله إلى سجن طرة ورسائله الإيمانية التي تناولت الكون والحياة والعبرة من مصارع الطغاة، ومنهم صار ضيوف السجن الحربي هذه المرة من الحكام.. من صغار الطغاة وضباط المباحث العسكرية.. ونقلنا إلى سجن «طره» لتبدأ مهانة من لون جديدعبد الناصر».
الرحيل من السجن الحربي
(يوليو ١٩٦٧م):
بدا أن الأمر لم يعد يحتمل وجودنا في السجن الحربي!
بدأ الضيوف يتوافدون على السجن.. الضيوف هذه المرة من الحكام.
وهكذا.. النار تأكل نفسها إن لم تجد ما تأكله.. أو هكذا ﴿بَأْسُهُم بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ ۚ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّىٰ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْقِلُونَ﴾ (الحشر:14).
تصور من الضيوف هذه المرة..؟
صغار الطغاة..
شمس بدران..
حمزة البسيوني..
ضباط المباحث العسكرية..!
وكان يومًا تاريخيًا.. جمعنا في فناء السجن.. وصنفنا.. الأشغال الشاقة عشر سنوات فأكثر.. وما دون ذلك.
وبدا أن العسكر قد أسقط في أيديهم ورأوا أنهم قد ضلوا...
كانوا يدورون ويبتسمون، ولم نكن نرى منهم إلا أنيابًا بارزة!
وجرى نقلنا من «السجن الحربي» إلى ليمان طره تحت حراسة مشددة!
وكان في «ليمان طره» من المهانة «ما في السجن الحربي».. ولكنها مهانة من لون جديد.. أصروا على أن نجلس «دوغري» القرفصاء بالملابس الداخلية فقط.
ثم جرى توزيع الملابس الزرقاء الخاصة بالمسجونين!
وأدخلنا الزنازين.. وكان هناك خليط من المشاعر.. شعور بالراحة.. لأن الزنازين تقفل علينا ولا تفتح.. فلا طوابير جري ولا تعذيب وشعور بالضيق.. لأنها تقفل كل الليل وكل النهار ما عدا ساعة تلقى فيها الفضلات ونقضي فيها الحاجة ونعود لتقفل علينا الزنازين من جديد!
لكن رحمة الله واسعة...
شغلنا بحفظ القرآن.. حتى أحسسنا أن الوقت أضيق من أن يتسع للواجبات!
وراح كل منا يحدث الآخرين بما يعلم..
عالم الذرة يتحدث عن الذرة!
عالم الطبيعة يتحدث عن الطبيعيات!
رجل القانون يتحدث عن الشريعة وعن القانون!
ثم.. جلسات سمر.. وجلسات ذكريات.. وليمت الظالمون بغيظهم!
أحسسنا.. بحمد الله «بالأمن»! لكنهم يقلقوننا في اليوم مرتين أو ثلاثًا.. بحثًا عن جريمة.. ما كنا نظن أنها تكون كذلك في بلد دينه الرسمي الإسلام... كانوا يفتشون عن المصاحف «ليصادروها»..!
يا للعار..!
وتنتظرون أن ينصركم الله!
(أكتوبر ١٩٦٧م):
لا نزال دون حقوق المجرم القاتل!
لا نزال ممنوعين من الشمس والهواء!
لا تزال الحراسة مشددة.. الجند شاكي السلاح.. فوق سطح «الجب» الذي نسكن فيه.. مسموح لنا في الغطاء «ببرش» شبيه بالدواسة التي يمسح فيها الشخص قدميه عند دخول المنزل أو المكتب.. ولكنه يتميز أنه أكثر خشونة.. وببطانية واحدة!
الزنزانة شديدة البرودة.. سقفها مفتوح من أعلى يدخل منه تيار هواء بارد!
بدأت أحس بآلام في ظهري، بدأت أحس أن إغلاق الزنزانة ليس بقصد راحتنا.. إنه بقصد قتلنا قتلًا بطيئًا.. أن نحرم من الشمس والهواء والحركة!
الغباء هنا أخف من هناك.. مما يجعل وصول الخطابات إليكم بالطريقة الأولى أمرًا صعبًا.. ومع ذلك فإن الله يسر لي هذا الاتصال بغير سعي مني، لم أفعل غير أن دعوت الله في صلاة الليل قبل الفجر... فسمعت هاتفًا يبشرني بخير يسوقه الله إلي... وكان هذا الخير هو حامل هذه الخطابات ليس حارسًا فإن الحراس خوفوا منا أشد التخويف!
لكنه شخص اثر حتى ألا يقول اسمه... أن يقدم لنا المعروف بغير مقابل.. كم من رجالات خفية! وكم من أبطال مجهولين!
كيف تحتملون؟
(نوفمبر ١٩٦٧م):
أماه.. كيف تحتملون.. كيف تحتملون عارًا.. لم يحدث في تاريخ مصر؟
اليهود المجرمون.. من كتب الله عليهم الذلة والمسكنة.. يذلون شعبنا.. ويحتلون أرضنا..؟
اليهود يستعرضون سلاح مصر الذي غنموه من «جيشها» الباسل في ساعات ثمان..!
أماه.. هل تصدقون أن شعب ۹ و ۱۰ يونيو أحال الهزيمة إلى نصر؟
كيف تم ذلك التحول الخطير؟ بهتافات تشق عنان السماء؟! وهل كان هذا هو الشعب..؟
أماه.. هل استمعت إليه في خطابه الخطير الذي اعتكف من أجله أسبوعًا أو يزيد.. ثم طلع على الناس يقول: لقد كانت أذني على كل قلب.
أماه.. كيف تصبرون؟
كيف تصبرون على آذانه التي أصبحت على كل قلب؟!
كيف تصبرون على عيونه التي صارت على كل بيت؟!
كيف تصبرون على غشمه وظلمه وجبروته؟!
أماه.. كيف تصبرون؟!
(فبراير ١٩٦٨م):
أعلن عن أنه سيتم تشكيل ثلاث محاكم!
أولها: محاكمة المسؤولين عن الهزيمة!
ثانيها: محاكمة المسؤولين عن الإرهاب!
ثالثها: محاكمة المسؤولين عن نهب أموال الشعب!
وتمت المحاكمة الأولى.. ولم تتم الثانية ولا الثالثة.
وقبل أن أتكلم عن الأولى.. أقول: كان طبيعيًا ألا تتم الثانية ولا الثالثة!
لأنها لو تمت لكان أول المتهمين أكبر المسؤولين!
وأعلن الشعب غضبته على الأحكام الصادرة في المحاكمة الأولى التي كان أقصاها خمس عشرة سنة، وقارن بينها وبين الأحكام السياسية التي صدرت منذ سنة... بعضها بالإعدام وبعضها بالأشغال الشاقة المؤبدة! وفي مرونة غير معهودة أعلن إعادة المحاكمات!
والواقع أنه في هذه المحاكمة كذلك، ينبغي أن يكون أول المتهمين أكبر المسؤولين!
سقط «شمس بدران»! وما ظن الناس أن يسقط! وسقط مع «شمس» أساطين العذاب «حمزة».. «رياض»... «حسن كفافي»... ودخلوا المكان الذي كانوا فيه أنصاف آلهة!
ترى هل يتوبون.. هل يؤوبون؟!
إن فرعون لم يدرك أنه ليس بإله إلا حين أدركه الغرق.. فقال: آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين!
فرد عليه موسى عليه السلام:
الآن.. وقد عصيت من قبل وكنت من المفسدين؟! فاليوم ننجيك ببدنك لتكون لمن خلفك آية!
مصير المكذبين
(٢٦ يوليو ١٩٦٨م):
شريكة حياتي.. لا تقولوا «لو».. فإن «لو» تفتح باب الشيطان...
واقرئي قصص الأنبياء.. من قبل... ماذا كان موقف الأقوام منهم؟
نوح عليه السلام قالوا له: ﴿مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِّثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَىٰ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ﴾ (هود:27).
وهود عليه السلام: ﴿ قَالُوا يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَن قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ() إِن نَّقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ ۗ قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ﴾ (هود:53-54).
وصالح عليه السلام: ﴿ قَالُوا يَا صَالِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَٰذَا ۖ أَتَنْهَانَا أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ (هود:62).
ولوط عليه السلام ابتلي بشر أهل الأرض عصيانًا وفجورًا: ﴿ وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِن قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ ۚ قَالَ يَا قَوْمِ هَٰؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ ۖ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي ۖ أَلَيْسَ مِنكُمْ رَجُلٌ رَّشِيدٌ () قَالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ﴾ (هود:78-79).
فما المطلوب منا؟
﴿ فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا ۚ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (هود:112).
﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ﴾ (هود:113).
﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ ۚ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ۚ ذَٰلِكَ ذِكْرَىٰ لِلذَّاكِرِينَ () وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (هود:114-115).
بعد ثلاث سنوات
أماه.. اليوم ذكرى يوم اعتقالي...
أكتب إليك يا أماه.. هذا الخطاب الرسمي.. ليقرأه الجميع...
أقول لك يا أماه ماذا خسرنا؟ وماذا خسروا؟
لئن وضعنا في القيود.. فإنهم: ﴿يَوْمَئِذٍ مُّقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ﴾ (إبراهيم:49).
لئن لبسنا «حلل السجون» فإنهم ﴿سَرَابِيلُهُم مِّن قَطِرَانٍ وَتَغْشَىٰ وُجُوهَهُمُ النَّارُ﴾ (إبراهيم:50).
لئن تألمنا وتألمتم ﴿إِن تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ ۖ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ ۗ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ (النساء: 104).
وغدًا.. ﴿ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ نُّجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ ۗ أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُم مِّن قَبْلُ مَا لَكُم مِّن زَوَالٍ () وَسَكَنتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَالَ () وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِندَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ﴾ (إبراهيم:55-46).
قرأ «عبد الناصر» خطابًا كتبته لأمي فأمر بإعادة محاكمتي فلما قيل له إنه لا توجد به تهمة أمر باتخاذ أقصى إجراء تأديبي ضدي فتم نقلي إلى أقصى سجون الصعيد.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل