; مذكرات المستشار علي جريشة.. شهادة قاض وسيرة رمز (11)- «السادات » و«مبارك» رئيسان عرفتهما | مجلة المجتمع

العنوان مذكرات المستشار علي جريشة.. شهادة قاض وسيرة رمز (11)- «السادات » و«مبارك» رئيسان عرفتهما

الكاتب مركز الإعلام العربي

تاريخ النشر الجمعة 08-فبراير-2013

مشاهدات 59

نشر في العدد 2038

نشر في الصفحة 44

الجمعة 08-فبراير-2013

* «أنا ربنا جابني علشان الإخوان ».. قالها «السادات » في بداية عهده وكانت لسنوات حكمه بعض الحسنات

* لم يتم منعي من الكلام في عهد «السادات» سوى مرتين لم أصب فيهما بأذى بل كانت لهجتي شديدة

* سامحت «حسني مبارك» فيما يخصني أما ما يخص غيري أو يخص الوطن فلا أملك فيه شيئاً وحسابنا جميعاً على الله

* في عهد «مبارك» حضر أربعة يحملون جنسية عربية لاغتيالي في ألمانيا وعلمت بذلك قَدراً كما تأكدت من ادعائهم الحضور بأمر من لواء نفى لي هذا بعد ذلك فطالبت بعقابهم مرتين

مات «عبدالناصر»، وجاء نائبه «السادات»، الذي أعلن أنه سيسير على خطى سلفه، ولكنه سار عليها «بالممحاة»، ليمسحها ويسلك عكسها تماماً، وقد كانت للرجل حسناته التي يجب عدم نسيانها من باب اذكروا محاسن موتاكم، وبعد اغتيال «السادات» بدأ «حسني مبارك» عهده باغتيال الشهيد كمال السنانيري يرحمه الله، واتهامي زوراً بتدبير مظاهرات في ألمانيا ضد هذا الاغتيال، وتكررت مواقفي معه، وانتقدت وزراءه بشجاعة، وكانت آخر صلتي به رؤيا وجدته فيها صاغراً أمامي، مستعداً لتنفيذ مطالبي، فقلت له: سأتركك تمضي، ولكن بالملابس..».

هكذا يكشف المستشار علي جريشة في هذه الحلقة من مذكراته بعض خفايا علاقته ومعرفته بـ «السادات» و«مبارك»، ويعلن عفوه عن أخطاء الثاني في حقه، مؤكداً أنه لا يملك العفو فيما يتعلق بجرائم «مبارك» في حقوق الآخرين والوطن.

«محمد أنور السادات» اسم شغل أذهان المصريين والعرب حيناً من الدهر، بل شغل أذهان العالم كله، بعد أن صار رئيساً للجمهورية، ثم أعلن الحرب على اليهود، ثم أعلن السلام، وذهب إليهم في عقر دارهم.. ونجح كسياسي؛ لكنه سقط من ناحية أخرى.. ثم سقط قتيلاً، وعند البعض شهيداً..

عرفتُ نشأته البسيطة،وعرفت ولعه بالريف، حتى بلغ حرصه أن يبقى على صلة ببلده يغشاها كل أسبوع تقريباً؛ مما يدل على شيء من أصالته، فهو ينزع إلى منبته ويحن إلى أصله!

واشتدت معرفتي به إبان البعثة، بعد ما حكاه عنه صديقي وزميل السجن الأخ عبد المنعم خليفة الحنفي.. الذي يمتد أصله إلى قريب من منبت «أنور السادات»، وعرفتها أكثر.. بما نقل عن الصديق العزيز د. محمود جامع، ثم بما كتبه عنه بعد ذلك!

وإذا بدأنا معه بقيام «الانقلاب العسكري» في 23 يوليو 1952 م؛ فقد كان أحد أركان هذا الانقلاب، وإن احتاط لنفسه - كما يقول البعض - فدخل «السينما» مع زوجته، وأصر على افتعال مشكلة ليسجل في قسم الشرطة أنه كان في السينما ليلة قيام الانقلاب، ثم  عرفت أنه الذي أذاع «بيان الثورة » - كما يسمونها - في الساعة السابعة من صباح 23 يوليو 1952 م.

وعرفت أنه «انعزل» عن بقية رفاقه أعضاء مجلس الثورة، ليكون رئيساً لتحرير أول صحيفة صدرت باسمها، وهي «الجمهورية».

رئاسته للجمهورية

وبقي في الظل إلى أن عين نائباً لرئيس الجمهورية قبيل موت «عبد الناصر» بقليل، وكان هو النائب الوحيد للرئيس عندما توفاه الله، ثم صار رئيساً للجمهورية.

وأكد في بداية «رئاسته» أنه على «خط» وخطى الرئيس الراحل.. لكنه في الواقع سرعان ما أظهر مخالفته له، حتى انطلقت نكات المصريين بأنه يسير على خط «عبدالناصر» بـ «الأستيكة» ليمسح كل ما كان عليه سلفه، ولست في مجال «تقويم» شخصيته، فقد يكون لذلك مكان آخر، وقد يكون غيري ممن كان أقرب إليه مني أقدر على ذلك!

لكن في مقام ذكر الحسنات، عملاً بقوله ﷺ: "اذكروا محاسن موتاكم"؛ فإني أقول بعون الله:

1- إنه بلغني إبان البعثة «فترة سجني» أن سيدة فاضلة كانت تزوره في فترة سجنه، فلما صار رئيساً للجمهورية زارته في بلدته - على أكبر الظن - فقالت له: «الإخوان يا أنور»، فرد - حسبما نقل إلينا - «أنا ربنا «جابني» علشان الإخوان» لكن ذلك تأخر ثلاث سنوات، ربما كان معذوراً فيها لوجود من كان ينازعه حتى تمكن من الأمر.

2- إنه بلغني، كذلك! إبان البعثة، تعاطف السيدة الفاضلة حرمه مع قضيتي، بعد صدور حكم لصالحي من المحكمة الإدارية العليا ببطلان قرار رئيس الوزراء بقبول استقالتي عام 1966 م؛ مما ترتب عليه اعتباري ما أزال على رأس العمل، مستشاراً بمجلس الدولة، وذلك ما حكاه لي شقيقي الأكبر؛ إذ كان على احتكاك في مجال العمل بالسيدة الفاضلة المذكورة.

3- بلغني بعد الإفراج عني عام 1974 م بعد قضاء ثلثي المدة، رغبة السيدة الفاضلة في استقبالي.. لكني اعتذرت للشقيق عن ذلك.. وربما غلبني الحياء.

4- أقدر له «الحرية» التي أعطاها للإخوان وللدعوة الإسلامية.. مما أتاح لمثلي رغم انتسابي لعمل قضائي ممارسة الدعوة.. حتى أخذتها من الشمال إلى الجنوب وعودةً إلى الشمال.. دون أن يعترضني أحد، إلا في مرتين، إحداهما في الجمعية الشرعية بالمحلة والثانية في أسيوط.

وأعترف أن لهجتي في المرتيي.. كانت شديدة؛ وأعترف أنه رغم اللهجة الشديدة.. لم أتعرض لإيذاء شخصي، ففي المحلة خرجت فقط مظاهرة من مسجد أكملت فيه محاضرتي، وأوقفها الأخ أبو اليزيد العصول، وكان زميل بعثة، وفي أسيوط حضر المحاضرة ضابط أمن دولة، وبعض المخبرين، وعندما أنهيتها في الواحدة بعد منتصف الليل، قال الأخ المسؤول: سأقوم بتوصيلك؛ لأنني لا أستطيع حمايتك بعد ما قلته.

وأرجو ألا أستبق الأحداث، حين أقول: إنني سألت الأخ «فؤاد علام» عندما زارني في ألمانيا في أعقاب أحداث 1981م، وما تلاها من قتل الأخ «كمال السنانيري»، سألته: لماذا لم تعتقلوني في 5 سبتمبر 1981م، وقد كنت في القاهرة.. فقال متعجباً: «والله ما أعرف» وكان قد اعتُقل من أمثالي كثير، في مقدمتهم إمام دعاة عصره الأستاذ عمر التلمساني يرحمه الله، والأخ محمد عبدالله الخطيب..وغيرهما. وأقرر أخيراً أنني أذكر فوق هذه الحسنة للأخ «أنور السادات» حسنتين أخريين.. قام عليهما دليل عندي:

الأولى: أنه إبان الجهاد الأفغاني.. أكرمني الله بزيارة قابلت فيها قادة الجهاد، فأسرَّ إليَّ الأستاذ «برهان الدين رباني» رئيس الجمعية الإسلامية، وهي أكبر الجمعيات يومئذٍ، ورئيس الجمهورية بعد ذلك، أنهم بحاجة إلى كمامات واقية؛ لأن الروس يطلقون غازات سامة من الطائرات.. حتى تطال من يختبئون في كهوف الجبال من المجاهدين فتقتلهم، لكن عناية الله تمسك هذه الغازات فوق السحاب فلا ينزل منها شيء... ولكن هم يريدون الاحتياط لأنفسهم.

فحولت رحلة عودتي إلى مصر.. وكنت قد امتنعت فترة عن العودة إليها إثر مقال وجهته لرئيس مصر بعد حملة له شديدة على الأستاذ عمر التلمساني في لقاء أذيع على الهواء، وختمه «الأستاذ عمر» بعد الهجوم الشديد عليه «لو كان غيرك مكانك لشكوته إليك.. لكن أما وأنت يا محمد يا أنور يا سادات الذي تقول ذلك، فإلى من أشكوك.. إني أشكوك إلى الله».

فرد الرئيس: اسحب شكواك يا عمر «إني أخاف الله!».

فرد الأستاذ عمر: «لن أسحب شكواي فقد شكوتك لعادل».

وقد نشر مقالي في صحف ثلاث لا أذكرها، وكان عنوان المقالة: «لا يا كبير العائلة!».

وكان من  بين ما تعرضت له ردي على استهزائه بالزي الشرعي النسائي وتشبيهه بـ «الخيمة».

وقد قلت: والخيمة التي تهزأ منها يا كبير العائلة خير من «العري» و«العهر» الذي نراه على شاشة مصر الكبيرة والصغيرة.. ولا أريد أن أضرب لك أمثلة شخصية.

وأشهد أني مررت بفضل الله من المطار من غير تعطيل ولا ترتيب.. ثم قابلت الأستاذ عمر.. في الساعة الثامنة أو السابعة صباحاً، وقد عاتبني على لهجة المقال، ثم ذكرت له سبب مجيئي.

فقال: ومن أين يمكن أن نحصل للمجاهدين على الكمامات؟ وكأنه يشير إلى أنها لا تتوافر إلا عند «الجيوش الرسمية».

فأشرت عليه أن يقابل رأس الدولة، ويطلب، ولا مانع عندي من ذكر اسمي كوسيط لهذا الطلب!

وفعل الرجل، وحكى لي أن رئيس الدولة لما سمع مني قصة الغازات وأن السحاب بفضل الله.. يحجبها عنهم.. فكانت إجابته - كما روى لي الأستاذ عمر - «يا الله! قل تاني يا أستاذ عمر!».

وبعدها وصلت أول صفقة سلاح للمجاهدين من مصر - عن طريق الملحق العسكري - في باكستان، وكان من بينها ما طلبه المجاهدون.

وقد تأكدت من بعض الأفراد الذين لقيتهم ممن كان يسمح لهم بالجهاد - أنهم جاهدوا بسلاح كتب عليه «صنع في مصر». وفي مقدمته «الكلاشنكوف !»

وها أنذا أصدقه

وقد روى «أنور السادات» قصة الصفقة لما هوجم هجوماً شديداً إثر سفره لدولة العدو، وكان يكرر: «أنا صاحب أول صفقة سلاح للمجاهدين، لكن أحداً لم يصدقه». وهأنذا أصدقه.. لله.. ثم للتاريخ.. ذاكراً لحسنة من حسناته!

أما الثانية، فقد رواها لي الدكتور زكريا البري - وزير الأوقاف آن ذاك يرحمه الله - والذي أشرف من قَبْلِهَا على رسالتي للدكتوراه، وكان رئيس لجنة المناقشة، أراد الرجل عملاً لله.. فاتفق مع رئيس الدولة أن يلقاه مرة كل أسبوع بعيداً عن الأضواء، وقال: إنه استطاع إقناعه بتطبيق الشريعة الإسلامية في مصر.. وكانت مصر تعج بمطالبة الطلاب وغيرهم بذلك..

فطلب من الوزير أن يعد شيئاً يطبق على مدى خمس سنوات بهدوء - دون أن يحس «أولاد الكلب» الذين في الخارج.

وفعل الوزير، وعرض المشروع، وأشَّر عليه رئيس الدولة باسمه الثلاثي: «ينفذ»، لكن الوزير فوجئ بعد ذلك بإخراجه، وفوجئ أن شيئاً لم ينفذ!

وقد كتبت ذلك في كتابي «نحو إعلام إسلامي، ص: 75" مع إسقاط الأسماء.. وعلقت: فمن فوق رئيس الدولة يأمر وينهى؟

وكان قبله سؤال: من يحمي الفساد في بلادنا؟ وذكرت معه قصة أخرى للتدليل على ذلك.

صفحات مع الأخ «حسني»

سمعت به وهو نائب، وعرفت عنه أكثر من قولهم: إنه كان قبل دخوله الكلية الجوية من أشبال أو شباب الإخوان المسلمين، ثم انقطعت صلته بهم، وقد صرح بذلك أو قريباً من ذلك لرئيس تحرير مجلة «دير شبيجل» الألمانية.

وقد وقع مني خطأ وهو نائب هو أنني نزلت من مدينة رسول الله ﷺ بعد أن جاءني شابان من بلدة «كمبوديا» التي كانت تحت الحكم الشيوعي ونقلا لي - حسب روايتهما - أنباء إبادة أكثر المسلمين (حوالي مليونين) حرقاً في الأخاديد (يلقون في ترع صغيرة ثم يلقى عليهم القش ثم تشعل النار)، وتم القضاء على «مفتي المسلمين» بوضعه في قدر كبير، وإيقاد النار تحته.. حتى مات غلياً أو غلياناً.

وطلب مني التدخل، وكان أحدهما ممن درس عليَّ.

قالا: إن الباقي بعد الإبادة ألفان، انتقلوا إلى الجارة (تايلاند)، فكانت تخيرهم بين العودة عن دينهم «بدخول النصرانية» أو العودة إلى بلدهم، فتكون إبادتهم كما أبيد إخوة لهم من قبل.

وطلبا مني.. بلداً يستضيف الألفين.

وأرسلتهما إلى سماحة الشيخ «عبد العزيز ابن باز» - كبير علماء السعودية وفقيهها الأكبر في ذلك الوقت -وأجرى اتصالات لم تسفر عن شيء، وجاءا يطلبان «مصر»، وكان أحدهما يحمل جوازاً منتهياً.. وضعت تأشيرة من قنصل مصر في جدة - بتزكية مني - والآخر كذلك..

وبقدر الله كان في جدة نائب وزير الخارجية المصرية، فتفاهمت معه.. لتحديد مواعيد لي في مصر.

رفضت مقابلة «مبارك»

ونزلت معهما.. وفي المطار مر واحد، وأوقف الآخر الذي يحمل جوازاً منتهياً.. فتدخلت، وبعد تفاهم مع كبير المسؤولين عن الجوازات.. كتب على الجواز «يسمح له بأربعة أيام»، فاعترضت، فأضاف المسؤول.. يا سيدي أربعة أيام، أربعة شهور، أربع سنين.. «محدش حيقول له حاجة».

وبدأت الاتصالات..وكان قمتها لقاء مع رئيس مجلس الشعب - الدكتور «صوفي أبو طالب» يرحمه الله؛ وطلبت منه موعداً مع رئيس الدولة قبل يوم الخميس، ومررت لأعرف الموعد.

وكانت المفاجأة قول رئيس مجلس الشعب: لقد حددت لك موعداً مع نائب رئيس الجمهورية «حسني مبارك» يوم الأربعاء، فأخطأت وقلت: أنا عاوز مع رئيس الجمهورية، وعجلت بالسفر يوم الثلاثاء.. بدلاً من يوم الخميس.

وكانت الثانية.. بعد رئاسته للجمهورية، ووقوع حادث قتل الأخ «كمال الدين السنانيري»، وكنت في ألمانيا أعمل مديراً للمركز الإسلامي.. وتقررت زيارة الرئيس لألمانيا، وتم تنظيم مظاهرة.. سار فيها 16 ألف مسلم، تطالب بالتحقيق في قتل «السنانيري»، ورغم أني وقت المظاهرة كنت في المدينة المنورة.. فقد أسندت المظاهرة لي، ووضعت في «ملفي».

نزول مصر

وعند نزولي بعد خمس سنوات.. قابلني في المطار صديقي اللواء «فؤاد علام»، وقال لي: «ملفك ثخين قوي يا علي بك». قلت له: ما أهم ما فيه؟ فسكت. فقلت له: مظاهرة ألمانيا.. فقال مستغرباً: وكيف عرفت ذلك؟!

قلت: عرفت وخلاص والحقيقة أنه كان استنتاجاً مني.

فقلت: سأقول لك مثلاً.. عن هذه المظاهرة، وهو توزيع «منشور» فيها كما وزع في ألمانيا، بل وفي أوروبا حوالي 20 ألف نسخة، وبعد أن عدت إلى ألمانيا أخبرني أخ «ظريف» أنه هو الذي كتب المنشور، وأنه وجد في نهايته توقيع «الجماعة الإسلامية في.. » فرفع هذا التوقيع، ووضع مكانه «اسمي» بزعم أنه أكثر شهرة من اسم الجماعة الإسلامية!

ثم سألته: بالله عليك.. لو أقسمت لكم أنه لا صلة لي بهذا المنشور، هل يمكن أن تصدقوني؟!

فأجاب بالنفي. فقلت: قس على ذلك المنشور المظاهرة كلها!

فضحك من أعماقه..وأحسست أنه «صدق» أني لا صلة لي بالمظاهرة!

لكن.. هل «صدق» الأخ «حسني؟»

محاولة اغتيالي

والثالثة.. كانت عندما علمت «قدراً» بحضور أربعة يحملون «جنسية عربية» غير مصرية لمحاولة «اغتيالي».. وجاء أحدهم مع صديق من البلد نفسه.. وحكى لي التفاصيل.. وذكر لي أن الطلب كان من اللواء «أ. ن» وبعد شكره ومكافأته، وأخذ صورتين من صور المرافقين مع كافة البيانات، استدعيت الشرطة الألمانية.. وقدمت لهم المعلومات، ثم اتصلت باللواء «أ. ن»، وقلت له: الناس وصلوا! فقال بطريقة تلقائية: «أنا لم أرسل أحداً».

فقلت له: إذن سيعاقبون بمشيئة الله مرتين.. مرة لما قدموا له، ومرة لادعائهم ذلك عليك!

والرابعة.. كانت عقب مشاركتي في انتخابات مجلس الشورى «أول دورة له»، وعودتي إلى عملي في مكة المكرمة بالمعهد العالي لإعداد الدعاة - التابع لرابطة العالم الإسلامي.

وهنا تعرضت لحادث على الطريق البري على بعد 180 كيلومتر من المدينة المنورة، فقد انقلبت السيارة «خمس مرات»، وأصيب من معي إصابات طفيفة، وكانت إصابتي كسراً في قاع الجمجمة مع نزيف فوق غشاء المخ وشلل نصفي!

وفي اليوم الثالث.. نشرت «الأهرام» في صفحتها الأولى: أمر الرئيس بإيفاد طائرة خاصة لنقل ..... من المدينة المنورة إلى لندن لعلاجه على نفقة الدولة.

وشعرت بانقباض.. وأمرت بنشر إعلان في جريدة «الأهرام» كبرى الجرائد المصرية: فلان... وقد نجاه الله من حادث أليم.

يشكر الله، ثم يشكر كل من شاركوه، ويخص بالشكر أطباء مستشفى المدينة، ويعلن عدم رغبته في النقل إلى مكان آخر، مع تقديره للعواطف التي قد تدفع لهذا النقل.

العلاج بالسعودية

وزارني صديق في درجة وزير د. ع. ع.، وقلت له: إنني أصبت في بلدكم، وأنتم المسؤولون عن علاجي بلغ ذلك على كل المستويات.

وجاءني من أدى لي التحية «العسكرية» وهو يلبس الملابس المدنية، وقال لي: «إن لدي أوامر بمنع نقلك ولو بالقوة».

وتم إخلاء العنبر من حوالي عشرين مريضاً.. وكتب على باب العنبر لافتة حجرة خاصة بفلان.. ممنوع الزيارة إلا بأمر مدير المستشفى.

وتم إحضار أهلي وأبنائي جميعاً؛ ليقيموا معي في ذات العنبر رغم أنه عنبر عناية مركزة، وخرجت بعده بقليل إلى البيت، وزارني في البيت «ع. م » الشقيق الأصغر للرئيس «حسني مبارك».

وقال: جئت أحمل لك تهنئتين: تهنئة بنجاتك من الحادث، وتهنئة بإقالة وزير الداخلية «ز. ب».

ودار نقاش حول النقطة الثانية.

رفضت المنصب

ثم كان ثمة عرض كريم بمنصب رفيع.. يحتاج إلى التعاون مع الوزراء؛ فسألته: كيف أتعاون مع «وزير داخلية» كان يعمل تاجراً للمخدرات؟ وقدمت نحو سبعة أدلة على ذلك!

وكيف أتعاون مع آخر كان يعمل «قواداً ؟» فقد كان عمله الرئيس قبل اختياره وزيراً البحث للضيوف الكبار عن متعتهم المحرمة وتقديمها لهم، ثم تصويرها من حجرة مجاورة، وإنه اعترف بذلك في 38 صفحة في تحقيق نيابة عامة.

وانصرف الشقيق العزيز مع مرافقه موظف بدرجة مدير عام في إحدى شركات القطاع العام.. وجلست أتأمل وأفكر!

وبعدها بأسبوع زارني مدير مكتب وزير الداخلية "لواء. د. م. ج"، وسألني: إن كانت هناك صعوبات في دخولي وخروجي من مصر، فلما أجبته بالإيجاب، طلب مني أن أكتب طلباً باسم وزير الداخلية.. أسرد الصعوبات وأطالب برفعها!

فسألته: هل تعلمون بوجود هذه الصعوبات؟

قال: نعم!

قلت: فارفعوها إن شئتم دونما حاجة إلى طلب!

.. وبرئت بحمد الله.

سامحت «حسني مبارك»

وبعد.. فلست بقادر أن أوجه إصبع اتهام لأحد! لكن بقيت المفاجأة أنني تقليداً لأبي بكر الصديق عندما نزل قوله تعالى: ﴿ وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَىٰ وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۖ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا ۗ أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾سورة النور: 22]. فقال الصديق: بلى أحب أن يغفر لي الله.. وعفا عن «مسطح 1» .

فقد أعلنت في آخر يوم صوم لي 1430/6/18 - 11 / 6/ 2009م عفوي عن الأخ «حسني مبارك» فيما يخصني،أما ما يخص غيري أو يخص الوطن، فلا أملك فيه شيئاً، وحسابنا جميعاً على الله.

والله المستعان، وعليه التكلان.. ولا حول ولا قوة إلا بالله.

الهامش

1 وقد سبق ذلك رؤيا صالحة، زارني فيها الأخ «حسني» في بيتي، وجلس أمامي على كرسي من الخشب متواضعاً.. مستعداً لتنفيذ ما أطلبه إليه، فقلت له: سأتركك تغادر المنزل، ولكن «بالملابس..

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل