العنوان مساحة حرة: 1936
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر السبت 22-يناير-2011
مشاهدات 76
نشر في العدد 1936
نشر في الصفحة 24
السبت 22-يناير-2011
تونس الحمراء:
«تونس» واحدة من أجمل الدول العربية، ومن الراجح أن يكون الاسم من المؤانسة وحسن المعاشرة؛ بكرم الضيافة، وحسن الوفادة، لقد ذهب إلى ذلك رائد علم الاجتماع «ابن خلدون»، كما تعرف باسم «تونس الخضراء»، لشيوع الخضرة بها، وتبلغ مساحتها أكثر من «٦١٠» كيلو مترات مربعة.
فتح المسلمون «تونس» في القرن السابع الميلادي، وأسسوا بها مدينة «القيروان» سنة ٥٠ ه، لتكون أول مدينة إسلامية في شمال أفريقيا.
ويبلغ عدد سكان تونس حوالي ١١ مليون نسمة، أغلبهم من العرق السامي، ويمثل المسلمون نسبة ٩٩٪ أغلبهم من أهل السُّنة أتباع المذهب المالكي، ويوجد في تونس حوالي ٢٠٠٠ يهودي في جزيرة «جربة» التونسية، قدم بعضُهم من إسبانيا، وقدم الآخرون من المشرق العربي بعد حرق معبدهم قبل ٢٥٠٠ سنة، كما يوجد في تونس حوالي ٥٠٠٠٠ مسيحي كاثوليكي، بينهم عدد ضئيل من الأرثوذكس والبروتستانت، ويتكلم التونسيون اللهجة التونسية، وهي لهجة مفرداتها عربية وتحوي العديد من الكلمات التركية والإيطالية والفرنسية ويُعد «الطاهر بن عاشور» من أبرز علماء تونس المولود في عام ١٨٧٩م والمتوفي عام ١٩٧٢م، اختير لمنصب شيخ الإسلام المالكي، وأصبح أول شيخ لجامعة الزيتونة، ثم أبعد عنها لأسباب سياسية، وهو صاحب تفسير فريد للقرآن الكريم موسوم بـ«التحرير والتنوير»، ومن أعلام تونس كذلك شيخ الأزهر محمد الخضر حسين الذي تولى مشيخة الأزهر بين عامي ١٩٥٢ وعام ١٩٥٤م ومن أبرز شعراء تونس الشاعر الكبير «أبو القاسم الشابي» المولود في عام ١٩٠٦ م في قرية الشابية في تونس، وتوفي شابًا في عام ١٩٣٤ م وكان من قدر تونس أن يتولى حكمَها «زين العابدين بن علي» منذ نوفمبر ١٩٨٧م، إثر انقلاب على الرئيس السابق «بورقيبة» فقد شهدت تونس في عهد «بن علي» تراجعًا كبيرًا في الحريات الدينية والمدنية مما لا يجهله أحد.
واليوم تغير- إلى حين- وجه تونس الخضراء، فقد تضرج وجهها بالدماء، دماء الحرية التي اغتالها النظام التونسي البائد، الذي لم تُغن عنه شيئًا خطابات «الطبطبة»، ولا نداءات «التجميد» للمشاعر الساخنة التي أخرجت الشعب عن صمته ليقول «لا»..«لا» التي قُتل على إثرها حوالي مائة شاب من أبناء تونس، دفعوا أرواحهم ثمنًا ليتحرر ١١ مليونًا من طالبي حق الحياة، فقد رحل وهو يردد مرغمًا ﴿فَفَرَرْتُ مِنكُمْ لِّما خِفْتُكُم﴾ ( الشعراء:٢١).
خرج الشعب ليعلن الحرية الحمراء التي قال عنها شوقي:
جُرحٌ يَصيحُ عَلى المَدى وَضَحيَّهٌ
تَتَلَمَّسُ الحُرِّيَهَ الحَمراءَ
تلِك الصَحاري غمدُ كُلِّ مُهَنَّد
أَبلى فَأَحسَنَ في الَعدُوِّ بَلاءَ
ما حدث في تونس ليس بغريب على بلد كتب ابنها الطاهر تفسيرًا للقرآن سماه «التحرير والتنوير»، وليس بغريب على وطن قال ابنه الشاعر منذ قرابة ثمانين عامًا:
إِذا الشَّعْبُ يوماً أرادَ الحياةَ
فلا بُدَّ أنْ يَسْتَجيبَ القدرْ
ولا بُدَّ للَّيْلِ أنْ ينجلي
ولا بُدَّ للقيد أن يَنْكَسِرْ
ومَن لم يعانقْهُ شَوْقُ الَحياة
تَبَخَّرَ في جَوِّهاَ واندَثَرْ
إِذا مَا طَمحْتُ إلى غاية
رَكبتُ المني ونَسيتُ الحَذرْ
إن ما حدث في تونس الخضراء نذيرٌ لكل الطواغيت الذين يسيرون في دربهم، أن أفيقوا ومدوا أيديكم إلى شعوبكم، ومن قبلُ افتحوا لهم قلوبكم قبل أن تغرق السفينة، وما حدث في تونس ليس من الظالمين ببعيد..
شرارة تونس.. هل هي طليعة الانتفاضة القادمة؟!
قبل حوالي عشر سنوات، وخلال لقاء جمعني بالدكتور المهدي المنجرة، عافاه الله، سألته عما كتبه حول الانتفاضة القادمة، فاجأني اليقين الذي تحدث به وهو يؤكد لي أنها قدر لا مفر منه لشعوبنا، وأنها قد تأتي على الأخضر واليابس، كان يرسم صورة قاتمة، جعلتني أشرد متخيلة شوارعنا وطرقاتنا وقد تحولت إلى ساحات لمواجهات دامية، محاطة بالخراب، وقد هجر الأمن كل أركانها، تمنيت أن تخطئ حسابات عالم المستقبليات.. بعد لحظات انتشلني د. المنجرة من ذهولي عندما أضاف: إننا نستطيع تخفيف الخسائر، إلا أننا لن نتمكن حتمًا من تلافي وقوع ما أصر على تسميته بالانتفاضة القادمة.
«كلما أسرعنا بتبني إصلاحات حقيقية؛ خفت الخسائر»، منذ أن سمعت هذه العبارة من د. المهدي المنجرة، لم تغب عن ذاكرتي، وبعد أن خففت خطوات السنين وقع هذه الكلمات، استعدتها بقوة وأنا أتابع الأحداث الدامية في كل من تونس والجزائر، ترى هل هي الشرارة الأولى التي قد تشعل خارطة ما يسمونها بالوطن العربي طولاً وعرضًا؟ هل انتبه المسؤولون الأمنيون في المغرب لهذا الأمر؛ مما جعلهم يعطون توجيهات صارمة بعدم التدخل لفض الاحتجاجات بالعنف؟ حسب ما أكد لي مصدر أمني.
لسنوات كان آخر ما يمكن تصوره أن ينتفض الشعب التونسي الذي حُكم لسنوات بالنار والحديد، على رأي «بسمارك»، لكنه تجاوز القبضة الأمنية، ولم يعد في قلبه مكان للخوف وانفجر.. ترى هل ستكون تونس الخضراء أول غصن يحترق ويشعل فتيل الانتفاضة التي لم توقف لهبها إلا مياه المحيط الأطلسي غربًا، وقد لا تتوقف عند أي مدى شرقًا؟
أول انطباع يعلق بذهنك عندما تزور تونس، أنك وسط شعب هادئ، متحضر، غير انفعالي، لذا عندما تطالعك الأخبار بأن عشرات القتلى سقطوا في يوم واحد خلال مواجهات بين هذا الشعب الذي تخلى عن هدوئه وبين قوات الأمن، تتساءل: هل صدقت نبوءة د. المنجرة، واشتعلت الانتفاضة؟
أما عندما تشتعل دولة نفطية مثل الجزائر، ليس بسبب براميل البترول ولا بسبب أنابيب الغاز، ولكن بسبب جوع أبنائها وحرمانهم من حقهم في العيش الكريم والسكن الكريم، فقد لا تنطفئ الشرارة قريبًا.. تمنيت لو كانت ظروف د. المهدي المنجرة الصحية تسمح لي أن أسأله: إن كانت هذه طلائع الانتفاضة التي تنبأ بها.. لا أحد يعرف ماذا سيحدث غدًا؟ وكيف ستتطور الأمور؟ لكن كل شيء يقول: إن القادم أسوأ..
مريم التيجي
سقوط أول دكتاتور.. انتظروا المسبحة
تغمرنا الفرحة.. نكاد نطير من الفرح.. لا نصدق ما نراه بأعيننا.. تونس الخضراء الآمنة المستقرة كذبًا وزورًا، العلمانية زيفًا ودجلاً.. الدكتاتورية واقعًا.. المسلمة حقيقة بعد ما يقرب من ربع قرن من امتهان الكرامات وسحق الحريات ومنع الحجاب في كل مكان، انتفض المارد العملاق الصامت الساكت الذي لم يكن أحد يتوقع انتفاضته، انتفض في غصون شهر من المسيرات سقط الصنم المتكبر المغرور العجوز السبعيني الممسك حتى النهاية بزمام الحكم والمال ومصائر الشعب.. سقط إلى غير رجعة، وهام على وجهه في الأجواء يبحث عن مكان يلجأ إليه وعائلته التي أمعنت فسادًا وإفسادًا في أرض تونس الحرة الأبية.
مبروك لتونس هذا العرس الذي أبى الجلاد إلا أن يخضبه بالدماء الطاهرة.
مبروك لهم الحرية الحمراء المدفوع ثمنها من عرقهم ودمهم.
مبروك للتوانسة قيادتهم وريادتهم لحركة التحرر الحديثة في الوطن العربي.
ألف مبروك.. و«عقبال» بقية المستبدين، فالشعوب العربية التي تقع تحت حكم استبدادي ليست أقل إخلاصًا وشجاعة وإقدامًا من الشعب التونسي.
علي الأحمد
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل