العنوان مستشرق فرنسي: اللغة العربية.. أعظم لغة في العالم
الكاتب عبد السلام الهراس
تاريخ النشر الثلاثاء 04-نوفمبر-1997
مشاهدات 68
نشر في العدد 1274
نشر في الصفحة 53
الثلاثاء 04-نوفمبر-1997
منذ ثمانية عشر عامًا زارنا بفاس أستاذ فرنسي من كبار المستعربين يضطلع بتدريس اللغة العربية ولا سيما فقه اللغة والنحو، أو ما يسمى الآن باللسانيات ويعتبر متخصصًا في سيبويه والمبرد، وهو رجل كاثوليكي الدين والمذهب، على خلق واستقامة، وقد ألقى بقسم اللغة العربية عندنا بكلية الآداب بفاس عدة محاضرات كما عقد عدة اجتماعات مع أساتذة القسم من أهل الفقه، والأدب، والدراسات الإسلامية، وقد ظل معنا حوالي أسبوعين كنت أنا وإياه على اتصال دائم لا لكوني رئيس القسم، بل لأننا انسجمنا وتفاهمنا ووقع تجاوب طيب بيننا.
وذات يوم ألقى محاضرة بقسم الإجازة لطلاب اللغة العربية وآدابها، وقدمت المحاضرة بكلمة موجزة ومركزة، معرفًا بالأستاذ، وعلمه، ومكانته، وإنتاجه.. إنه الدكتور الأستاذ «أندري رومان» أستاذ اللغويات العربية بكلية الآداب بجامعة «إكس سان بروفانس» ويهمني من محاضرته مقدمتها التي جاء فيها:
«إنني فرنسي، واللغة الفرنسية لغتي أعتز بها، وأتعصب لها، وأعشقها وأنافح عنها لأنني رضعت لبانها منذ ولادتي وتربيت بها وعشت في أجوائها، لكنني بحكم تخصصي في اللغة العربية ومعرفتي الطويلة بها ومعاشرتي لها وتعمقي في دراستها وتدريسها والاتصال بأهم مصادرها ومنابعها، ومعرفتي للغات الأخرى فإن الإنصاف العلمي يفرض علي أن أقول في بداية محاضرتي: إن اللغة العربية هي أعظم لغة في العالم لما امتازت به من ثراء واسع وتنوع رائع ومرونة كبيرة ومبادئ تطورية عظيمة وقواعد علمية متقنة إلى غير ذلك من الخصائص والمميزات التي تجعل اللغة العربية في مقدمة اللغات العالمية بل إنها أعظمها على الإطلاق، ولا أقول لكم هذا بدافع المجاملة وإنما هي الحقيقة العلمية المجردة».
وقد كتب لهذه اللغة الخلود والانتشار، وذلك بفضل القرآن الكريم إذا أصبحت به لغة الدين فحينما حل الدين حلت معه اللغة العربية التي أنزل القرآن الكريم بها.
وإذا كان في اللغة عيب فهو في الحقيقة في العرب قبل كل شيء، إذا هم الذين تخلوا عن لغتهم في البيت والشارع وفي نواح أخرى من حياتهم، فإن شئتم للغتكم أن تحيا وتسود فعليكم باستعمالها في حياتكم، لأن اللغة تحيا بالاستعمال وتموت بالإهمال، ولولا القرآن الكريم لكانت اللغة العربية في عداد الموتى، لأنها لا تستعمل في الحياة اليومية للعربي الذي يفضل، بل ويمارس التكلم باللهجات حتى في الأغاني والأفلام».
وفي هذه الأيام انعقد بإسبانيا مؤتمر أو ندوة عن محو الأمية وحضرته وفود من جل الدول بالعالم، وفي إحدى الجلسات الخاصة تحدث أحد الشخصيات بالوفد الإسباني مع عربية مشاركة ومما قال لها: إن المسلمين بالأندلس لكم تكن عندهم أمية لأنهم كانوا يتعلمون القراءة والكتابة منذ طفولتهم وذلك لأن أباءهم كانوا يلزمونهم بحفظ القرآن، فبفضل ذلك انتشرت الكتابة والقراءة والثقافة لأن تعلم القرآن لم يكن فقط لمحو الأمية، بل كان مع ذلك تربية أخلاقية عظيمة أسهمت في استمرار حضارتكم وازدهارها، واستغرب هذا الإسباني تجاهل العرب لمصدر حضارتهم وموئل عزهم، وقفزهم لهذه المناهج الغربية من أجل القضاء على الأمية ومن أجل التربية.. وقد تركت هذه الكلمة أثرًا طيبًا في السامعين ولا سيما في هذه السيدة التي اكتشفت مكانة القرآن في محو الأمية وفي التربية الأخلاقية والاجتماعية وفي البعث وهكذا نرى عربية تستورد فكرًا أصيلًا من صميم حضارتها، تلقته من رجل غربي خبير بالحضارات والثقافات ويمثل في بلده مستوى كبيرًا في ميدان الثقافة والتعليم والاجتماع.
ولكن البلاد العربية لا تزال الآن تحارب الأمية بمناهج وأساليب مكلفة جدًا وتظل النتائج دائمًا هزيلة إذ الأمية تتعاظم يوميًا وتكتسح المجتمع.. فالعالم العربي على مشارف القرن الحادي والعشرين الميلادي والأمية تمثل فيه نسبة عالية رغم ما يبذل من أموال طائلة وجهود متواصلة «بل إن بلادًا عربية لا تزال تحارب العربية بإهمالها في التعليم والإعلام والإدارة ولا تزال إلى الآن تكتب حتى دليل الهاتف عندها بالأجنبية.. بل إن بعض المحاولات الناجحة التي ظهرت في التعليم بالعربية سرعان ما أجهضت واستردت الأجنبية مكانتها في التدريس، ولا سيما بالجامعة حيث يلاقي الطلاب صعوبة كبيرة في الدراسة بها؛ لأنهم درسوا المواد العلمية بالعربية منذ الابتدائي حتى نهاية الدراسة الثانوية مما يوقع ضحايا كثيرة جدًا لهذه الازدواجية العشوائية والظالمة.
وبعد فإن من فضل الله على اللغة العربية أنه سبحانه وتعالى حفظها فانتشرت في العالم بفضل كتابه العزيز وما زالت تنتشر إذ القرآن يقرؤه المسلم بالعربية في أقصى المشرق وأقصى المغرب، وقد شاهدنا قراء في بلاد العجم يرتلون القرآن ويجودونه بروعة وجمال وصواب وحسن أداء وهم لا يحسنون التكلم بالعربية ولا يفهمون مخاطبيهم بهذه اللغة.
ومن لطف الله أن لغة القرآن الكريم لم نكن نحن العرب المسؤولين عنها وعن حفظها ونشرها وخدمتها وإذن لكانت الآن تلفظ أنفاسها وتودع وجودها ويضمحل كيانها انعكاسًا لمكانة العرب المتدنية في العالم لكن الله سبحانه حفظها بحفظ كتابه العظيم فما أعظم هذه اللغة بفضل القرآن وما أعظم العرب عندما تمسكوا بالقرآن الكريم وما أصغرهم بدون القرآن الكريم ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ (محمد: 24).