; الناطق الرسمي لجماعة "العدل والإحسان" المغربية فتح الله أرسلان في حوار شامل مع المجتمع: مستعدون للحوار مع الجميع وليست لدينا خطوط حمراء | مجلة المجتمع

العنوان الناطق الرسمي لجماعة "العدل والإحسان" المغربية فتح الله أرسلان في حوار شامل مع المجتمع: مستعدون للحوار مع الجميع وليست لدينا خطوط حمراء

الكاتب محمد مصدق يوسفي

تاريخ النشر الثلاثاء 23-يناير-2001

مشاهدات 55

نشر في العدد 1435

نشر في الصفحة 26

الثلاثاء 23-يناير-2001

  • حكومة اليوسفي لا تملك صناعة القرارات المصيرية.. وكل ما تملك هو تنفيذ التعليمات.

  • أسس العهد القديم لا تزال قائمة.. تغيرت وجوه واستبدلت شعارات بأخرى لكن كل ذلك لا يعدو المسائل الشكلية

  • المغرب يعيش «أنا» سياسية يتحمل الجميع مسؤولية التصدي لها

  • اللاعنف عند الجماعة اختيار استراتيجي تتكسر على صخرته دعاوى الأعداء والخصوم

  • النظام السياسي لا يريد أن يقتنع أن هناك تيارًا سياسيًا يسمى «العدل والإحسان».. رغم انتشاره في أرض الواقع.. وله أفكاره وتصوراته

أكد فتح الله أرسلان الناطق الرسمي لجماعة العدل والإحسان التي يقودها الشيخ عبد السلام ياسين، أن الحركة الإسلامية في المغرب تسير من حسن إلى أحسن، وتحقق على مر الأيام المزيد من النضج والخبرة وبعد النظر، مما مكنها من تجاوز بعض السلبيات التي كانت تعانيها من قبل وبُددت فيها الكثير من الجهود والطاقات، لكنه استدرك بقوله إن «الطريق لا يزال أمامنا طويلًا والتحديات التي تنتظرنا كبيرة لا ينبغي الاستهانة بها». 

وقال أرسلان في مقابلة مع «المجتمع»: «إن الوضعية الراهنة في المغرب تتطلب تضافر الجهود بين الإسلاميين وكل الغيورين، فالأوضاع في البلاد صعبة والأزمة عميقة، لذلك نادينا بالحوار، ودشنت الجماعة هذا الحوار مع فاعليات إسلامية وغير إسلامية في مناسبات متعددة»، وأضاف: «نحن مستعدون للحوار مع الجميع وليست لدينا خطوط حمر». 

كما تحدث أرسلان عن حصيلة أداء حكومة اليوسفي، ووضعية العدل والإحسان القانونية  وموقفها من العنف، وقضايا أخرى تطالعونها فيما يلي:

 

ما الذي تغير في المغرب بعد رحيل الحسن الثاني ووصول الملك الشاب محمد السادس إلى الحكم؟

 لم يتغير شيء، لأن الملكية عندنا نظام وراثي، وهذا يعني أن اللاحق يكون امتدادًا للسابق وقد أكد الملك الجديد هذه الاستمرارية في أول خطاب للعرش يوم 30/7/1999م، نعم، تغير بعض الوجوه واستبدلت شعارات بأخرى، لكن ذلك لا يعدو المسائل الشكلية، لأن أسس العهد القديم لا تزال قائمة والعقلية المخزنية «الأمنية»، التي حكمت الحياة السياسية منذ عهود لا تزال في جوهرها هي هي، فالملك بنص الدستور المغربي شخص مقدس، وبالتالي فكل ما يصدر عنه من قرارات وتوجيهات وإشارات وتعليمات لا يمكن أن ينتقد أو يراجع أو يعترض عليه، وسلطات الملك بنص الدستور أيضًا سلطات مطلقة، فهي فوق السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية. هذا فيما يخص القانون المكتوب، أما في القانون العرفي فسلطات الملك لا حدود لها، ولذا فلن يكون هناك تغيير حقيقي ما لم تتغير هذه القوانين المكتوبة والعرفية.

ما قراءتكم لحصيلة الأداء الحكومي؟

 في البداية لا بد من التنبيه إلى مغالطة تتعلق بلفظة  «التناوب» التي توصف بها حكومة اليوسفي عند بعض المحللين السياسيين، فهذه الحكومة بعيدة كل البعد عن التناوب بمفهومه الإصلاحي السياسي المتعارف عليه، فالقوانين المكتوبة والعرفية التي تنظم شأننا السياسي تؤكد أن عمل الحكومة في ظل النظام المغربي مهما كانت شعارات هذه الحكومة ومهما كانت برامج الأحزاب المكونة لها، ومهما كانت نيات أعضائها ورغبتهم في الإصلاح لا يمكن أن تكون إلا تنفيذًا لقرارات المؤسسة الحاكمة وتوجيهاتها وتعليماتها، فعمل الحكومة مرهون دومًا بإرادة الملك وخاصة في الملفات السياسية الحساسة والقطاعات الحيوية، كالإعلام، والخارجية، والداخلية، والأوقاف، والاستثمار، ومن الأدلة الواضحة في هذا الباب وجود ما يسمى بوزراء السيادة داخل الحكومة، أي وزراء لا يعملون تحت إمرة الوزير الأول كوزراء الداخلية والخارجية والعدل والأوقاف، وإدارة الدفاع الوطني، فالوزراء أعوان الملك، كما عبر ذات يوم الملك الراحل الحسن الثاني، فماذا يمكن أن يصنع الوزير بصلاحيات العون غير تنفيذ الأوامر والتعليمات؟ 

أما التناوب الذي يتحدثون عنه فهو تناوب ممنوح أصلًا وفصًلا لأنه أولًا لم يكن مؤسسًا وفق مبادئ دستورية واضحة وقواعد سياسية ديمقراطية، وثانيًا لأنه، باعتراف الجميع، لم يكن وليد انتخابات حقيقية ونزيهة بل هو تناوب تم بإرادة الملك الراحل ووفق تصوره وشروطه، وإلا فليقل لنا السيد اليوسفي وأصحابه ما الشروط التي اشترطوها للقبول بهذا التناوب الممنوح، وما المكاسب السياسية التي حققوها من ذلك؟ 

أما عن حصيلة أداء هذه الحكومة فإن الخبراء يكادون يجمعون على أنها حصيلة تسير في اتجاه التدهور الذي أنتجته الحكومات السابقة، فالمعطيات التي يمدنا بها الواقع  المعيش، فضلًا عن أن أرقام المختصين وشهادات المحللين المحايدين تشهد بأن أوضاعنا الاقتصادية عامة في تدهور، ولن تستطيع أي حكومة في ظل ظروفنا السياسية الراهنة أن تحقق شيئًا، لأن صلاحيات اتخاذ القرارات الجريئة والحاسمة في بعض الحالات، وفتح الملفات ومعالجتها بكل صرامة وشجاعة ليست بيدها، إنها حكومة لا تملك صناعة القرارات المصيرية، وكل ما تملك هو تنفيذ التعليمات.

حقوق الإنسان في العهد الجديد

ما تقويمكم لوضعية حقوق الإنسان في المغرب بعد وصول محمد السادس إلى الحكم، ورفع الإقامة الإجبارية عن مرشد الجماعة وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين وعودة المنفيين، وحتى دفع تعويضات إلى بعض الضحايا؟

أولًا: لا بد من تصحيح بعض المعلومات الواردة في السؤال: نحن لا نسمي الظلم الذي كان - ولا يزال - واقعًا على الأستاذ المرشد عبد السلام ياسين إقامة إجبارية، لأن الإقامة الإجبارية وضعية قانونية، وإنما نسميه حصارًا، لأنه ناتج عن قرار إداري تعسفي لا أساس له من القانون، وقد أثبتت هذا التعسف الهيئة التي تولت الدفاع عن الأستاذ ياسين، لكنها لم تلق  عند مؤسسة القضاء أذنًا صاغية، فبقي الملف في المجلس الأعلى للقضاء محفوظًا في رفوف النسيان. وهذا الحصار لا يزال مستمرًا، والذي حصل في شهر مايو الماضي أن رجال البوليس الذين كانوا يرابطون ببيت الأستاذ عبد السلام ياسين غيروا أماكنهم، وهم اليوم يراقبون بالليل والنهار الممرات الرئيسة المؤدية إلى بيته وكذلك الأزقة المحيطة بمقر الجماعة بالحي نفسه.

ويمكن لأي كان أن يعاين هذا الواقع في أي وقت لأن رجال البوليس يقومون بعملهم في واضحة النهار، بل لقد أصبحوا منذ زمن جزءًا ثابتًا من جغرافية حي السلام بسلا.

أيضًا، ليس صحيحًا أنه لم يبق هناك معتقلون سياسيون في السجون المغربية، بل لا يزال الاعتقال السياسي قائمًا، ولا يزال هناك معتقلون سياسيون منهم طلبتنا الاثنا عشر في السجن المركزي بالقنيطرة المحكومون بعشرين سنة في قضية سياسية بحتة وليس في قضية جنائية كما يروج خصوم العدل والإحسان.

أما مسألة دفع تعويضات لضحايا العهد القديم فلا يزال الجدل حولها قائمًا، والآراء في شأنها مختلفة ومتضاربة، وهذا يعني أن إغلاق ملفات الماضي لن يكون سهلًا كما يتوقع بعض الناس، بل قد تتطور القضية فتكون لها امتدادات في مستقبل حياتنا السياسية ما لم تعالج بموازين العدل والإنصاف التي ترضي الجميع.

إن قضية الحريات وحقوق الإنسان لم تكن في يوم من الأيام قضية شعارات ترفع، ووعود تطلق، وخطب تقرأ، فقد يحطم عهد الرقم القياسي في الشعارات والوعود والخطب، ومع ذلك يبقى هو العهد الذي ارتكبت فيه أبشع الانتهاكات في حق المواطن وحرياته. ومشكلتنا الأساسية التي أبانت عنها تجاربنا المريرة تكمن في غياب المؤسسات التي تفرض تطبيق القانون وتحمي الحقوق والحريات وتصونها من يد البطش والاستبداد.

إن الحقوق والحريات إنما تزدهر في ظل دولة الحق والقانون سلوكًا في الواقع وليس وعودًا في الخطب، أما في دولة التعليمات - كما هو الحال عندنا - فإن القوانين تصبح عارية من أي مصداقية، والمؤسسات التي يفترض فيها أن تحمي حقوق الناس وحرياتهم تتحول إلى هياكل فارغة تتردد فيها أصداء التعليمات العليا.

إلى يومنا هذا لم نر في السياسات والممارسات والقرارات التي اتخذت في العهد الجديد وفي ظل حكومة السيد اليوسفي – دعنا من الشعارات والخطب والوعود - ما يطمئن بأننا بالفعل بدأنا نسير نحو إقرار دولة القانون والمؤسسات المسؤولة، فلا يزال المواطنون يقمعون ويمنعون حقوقهم بسبب أفكارهم وآرائهم واختياراتهم السياسية، ولا تزال لغة التعليمات هي سيدة الميدان في حياتنا السياسية، فقد منعت التعليمات بعض المواطنين من السفر لأداء فريضة الحج في موسم السنة الماضية «1420هـ»، وبالتعليمات مُنعت المخيمات الإسلامية في الصيف المنصرم، ومُنعت جريدتا «العدل والإحسان» و«رسالة الفتوة» من الطبع والتوزيع، ولا تزالان ممنوعتين. وبالتعليمات المخزنية الظالمة قمع الطلبة - ولا يزالون يقمعون - في الجامعات واضطُهدوا وأُرهبوا واعتُقلوا ولُفقت لهم التهم الباطلة وصدرت في حقهم أحكام قاسية ظالمة، كان آخرها الحكم في نوفمبر الماضي على أربعة عشر طالبًا في مدينة المحمدية بسنتين سجنًا نافذًا، وقد تبعتهم التعليمات الظالمة إلى داخل السجن، حيث عوملوا معاملة سيئة، ولا تزال حرمات الأشخاص والبيوت تنتهك بغير أي موجب قانوني، فعن أي تطورات إيجابية يتحدثون؟

وحتى مشروع القانون الجديد للحريات الذي أعدته الحكومة فإن التعليقات الأولى التي أدلى بها الحقوقيون في شأنه تبين أنه قانون يكرس دولة التعليمات، حيث يمكن لرجال السلطة أن يقمعوا ويمنعوا وهم في مأمن أن تصلهم يد القضاء. 

وضعية الجماعة القانونية

بم تمتاز جماعة العدل والإحسان في الساحة المغربية؟

هي جماعة دعوة، تقترح على الناس مشروعًا مجتمعيًا ينطلق من منهاج تربوي تنظيمي جهادي تتصل أصوله الكبرى بالأمر والنهي الشرعيين في كتاب الله عز وجل وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، قوام هذا المشروع المنهاج النبوي «تربية وتنظيمًا وزحفًا»، وشعار الجماعة الدائر حول العدل والإحسان يشكل عماد فكر الجماعة واجتهاداتها في مضمار التدافع السياسي والتغيير الحضاري. 

وقد خص مرشد الجماعة الأستاذ عبد السلام ياسين هذا الشعار بكتابين مستقلين امتازا بطول فصولهما وعمق تحليلاتهما، فضلًا عما تضمناه من نظرات فقهية تجديدية إلى كثير من القضايا والإشكالات المطروحة اليوم على الأمة الإسلامية في شؤون الدعوة والدولة، الكتاب الأول بعنوان «الإحسان» في جزأين، والكتاب الثاني عنوانه الرئيس «العدل» مع عنوان ثانوي «الإسلاميون» والحكم صدر سنة 2000م، ولا يزال في جعبة الجماعة - والحمد لله - أفكار ومشاريع واجتهادات أخرى تسعى لتقديمها للمسلمين أجمعين تتعلق بالنهوض، بأحوالهم وإصلاح شؤون معاشهم والاهتمام بأمورهم في العاجلة والآجلة. 

ونظرًا للتضييق والحصار المستمرين علينا، فالجماعة لا تزال غارقة في معركة الوجود بالرغم من أن الحكم الصادر عن المحكمة العليا يؤكد أن الجماعة قانونية، لكن جوهر المشكلة في المغرب أن القانون شيء والممارسة شيء آخر، لذا فإن مشكلة العدل والإحسان سياسية وليست قانونية.

ما تفسيركم للوضعية التي توجدون فيها؟

عدم قبولنا الشروط المملاة والدخول في اللعبة السياسية سبب رئيس في استمرار الوضعية التي نحن فيها، وجماعة العدل والإحسان لن تقبل أبدًا بالعمل في إطار «اللعبة» لأن عملنا يتم في إطار الوضوح والصراحة وأمام الملا وعلى أعين الشعب ليعرف الحق، وتختار الأمة الصادق، وذلك بعيدًا عن المساومة والبيع والشراء، وهذا الخيار  صعب ولا يناسب الكثير، ولكن المبدأ عنده مقدس، وللعمل الجاد والمسؤول ثمنه، ولا ننتظر أن تتغير الوضعية إذا استمرت العقلية نفسها التي ترفض التعايش مع الآخر الذي يحمل أفكارًا غير أفكارها، وشعارًا غير شعارها!

إن المغرب يعيش «أنا» سياسية، الجميع يتحمل المسؤولية في التصدي لها، وإلا فالحديث عن الديمقراطية وحقوق الإنسان فصل آخر من فصول الكذب على الشعب.. وقد انفضح الأمر يومي التاسع والعاشر من ديسمبر عام 2000م، بمناسبة الاحتفال بالإعلان العالمي لحقوق الإنسان، حيث تعرض العشرات من أعضاء الجمعية المغربية لحقوق الإنسان والمئات من أعضاء جماعة العدل والإحسان للضرب العنيف والاعتقالات التعسفية والمحاكمات السياسية المطبوخة.

العنف والإرهاب

هناك حملة إعلامية مكثفة داخل المغرب تتهم الجماعة بتسببها في حدوث المصادمات الأخيرة مع قوى الأمن من خلال محاولات استعراض القوة  والاستفزاز، وتحذر من خطر أعمال العنف على استقرار البلاد ومسيرة تنميتها الاقتصادية، ما ردكم؟

لنصغ السؤال بشكل آخر: من يمارس الاستفزاز والعنف ومن يمارس عليه هذا الاستفزاز والعنف؟ أعضاء الجماعة وأنصارها الذين كانوا يحملون المصاحف أم قوى المخزن «الأمن» المشكلة من كل الأنواع، والمدججة بمختلف أسلحة القمع وأدوات العنف والإرهاب، والتي لم يسلم من أذاها حتى الشيوخ والأطفال والنساء؟

أما موقفنا من العنف، فهو مشهور ومكتوب في أدبيات الجماعة ومبادئها: فقد صرحنا دائمًا أننا ضد العنف، عنف الأشخاص والجماعات والدول، وضد التعامل مع الجهات الأجنبية، وضد السرية فهذه مبادئ أساسية نادينا بها منذ عام 1978م حينما طالبنا بتأسيس حزب إسلامي، وحينما أسسنا الجمعية قلنا إنها ذات صبغة سياسية، وكنا نتحدث بكل وضوح ونجتمع في واضحة النهار، وما ننادي به من أفكار وتصورات ننشره في العلانية.

إذن فتهمة العنف والاستفزاز واستعراض القوة هي تهمة باطلة، يؤكد بطلانها أن الجماعة نظمت وقفات في ثماني مدن كبرى، وتدخلت قوات السلطة لمنع هذه الوقفات تدخلًا امتاز بالعنف الدموي أسفر عن إصابة المئات من المحتجين المسالمين، ومع ذلك فلم يسجل أحد أن رجلًا من هذه القوات أصيبت منه شعرة واحدة أو انتزع زر من أزرار بزته، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أن اللاعنف عند الجماعة هو اختيار استراتيجي لا تزال تتكسر على صخرته كل دعاوى الأعداء والخصوم.

الحوار والميثاق

تدعو الجماعة إلى مشروع حواري للوصول إلى ميثاق إسلامي يتم التعاقد عليه على مرأى ومسمع من الشعب،

وتعتبر أن مصداقية هذا الميثاق ستكون أكبر من التناوب التوافقي، ما معالم هذا المشروع؟

قبل أن أعطي توضيحًا حول موضوع «الحوار والميثاق»، أشير في هذا السياق إلى أن الحركة الإسلامية في المغرب تسير والحمد لله من حسن إلى أحسن وتكسب، على مر الأيام، المزيد من النضج والخبرة وبعد النظر، مما مكنها من تجاوز بعض السلبيات التي كانت تعانيها من قبل وبددت فيها الكثير من الجهود والطاقات، لكن لا يزال الطريق أمامنا طويلًا والتحديات التي تنتظرنا كبيرة لا ينبغي الاستهانة بها.

لهذا نعتقد في جماعة العدل والإحسان أن الوضعية في المغرب تتطلب تضافر الجهود بين الإسلاميين وكل الغيورين للخروج من الوضعية الراهنة، فالأوضاع في البلاد صعبة جدًا، والأزمة عميقة، لذلك نادينا بالحوار، ودشنت الجماعة هذا الحوار مع فاعليات إسلامية وغير إسلامية في مناسبات متعددة منذ أن صدر كتاب الأستاذ عبد السلام ياسين «حوار مع الفضلاء الديمقراطيين» عام 1994م، الذي تلته سلسلة من الكتب الحوارية ككتاب «حوار الماضي والمستقبل»، وكتاب «حوار مع صديق أمازيغي»، وكتاب «الشورى والديمقراطية»، وكتاب «أسلمة الحداثة» «بالفرنسية»، ومن خاصيات هذا الحوار الذي دشنته هذه الكتب أنه حوار رفيق جاد، بريء من المغالطات والمزايدات، يدعو الجميع إلى الابتعاد عن الكواليس وعرض ما عندهم في شفافية تامة.

إننا مستعدون للحوار مع الجميع، وفي كل شيء دون أي استثناء وليست لدينا خطوط حمر، وليس عندنا تحفظ على أي جهة تريد التحاور معنا.. وفيما يخص الأرضية التي يمكن أن تجمعنا على مائدة الحوار، فنحن نطرح الأرضية الإسلامية، فالجميع يعلن أنه مسلم، وبالتالي فلا أرضية تجمعنا ولا بساط يسعنا إلا الإسلام، فلا الوطنية ولا المصلحة العامة ولا اللغة يمكن أن تجمع مختلف مكونات الشعب المغربي.

قواعد اللعبة السياسية

ما حدود الاختلاف والتقارب بينكم وبين بعض التنظيمات الإسلامية في المغرب المرخص لها، ومنها حزب العدالة والتنمية الممثل في البرلمان؟ ولماذا ترفضون سياسة الإصلاح من الداخل على مراحل والقبول بقواعد اللعبة السياسية والدخول فيها؟

نختصر الجواب عن هذا السؤال بتسجيل التوضيحات التالية:

السلطة المخزنية عندنا لم ترخص قط لأي حركة إسلامية بالعمل الإسلامي، وعلى الرغم من وصول بعض أفراد «حركة التوحيد والإصلاح» إلى البرلمان عن طريق حزب «العدالة والتنمية»، فإن السلطة في البلاد لا تعترف بصفتهم الإسلامية، بل تعتبرهم منتخبين ينتمون إلى حزب موجود منذ أربعين سنة، كما صرح وزير الداخلية أحمد الميداوي في الاستجوابات الصحفية، وهو يقصد حزب «الحركة الشعبية الدستورية الديمقراطية» الذي أسسه الدكتور عبد الكريم الخطيب سنة 1967م. 

والمعروف أن السلطة كانت قد رفضت سنة 1992م بغير أي موجب قانوني الترخيص لحركة الإصلاح والتجديد بتأسيس حزب سياسي، وقد توحدت هذه الحركة فيما بعد مع «رابطة المستقبل الإسلامي» سنة 1996م فكونا «حركة التوحيد والإصلاح»، وقد التقت مصالح هذه الحركة مع مصالح حزب الدكتور الخطيب، فتم انضمام شرائح واسعة من قيادييها وأعضائها إلى هذا الحزب الذي أصبح يسمى «حزب العدالة والتنمية»، والمسؤولون في الدولة اليوم، وكذلك الإعلام الرسمي وبعض المنابر الحزبية والفكرية، لا يعترفون لحزب العدالة والتنمية بأي خصوصية إسلامية - طبعًا حسب المفهوم السياسي الاصطلاحي السائد اليوم لكلمة «إسلاميين» - بل تعده كسائر الأحزاب التي تحظى بتزكية النظام ورضاه، وهذا الموقف الرسمي يبين حقيقة السياسة الإقصائية التي تتبعها الدولة تجاه الظاهرة الإسلامية في المغرب عمومًا، وتجاه الحركات الإسلامية بصفة خاصة إن الحضور في الساحة السياسية لا يسجل فقط بالمشاركة في الانتخابات والعمل داخل الحدود التي يرسمها النظام للعبة الديمقراطية برمتها، بل قد يُسجل هذا الحضور أيضًا وقد يكون قويًا خارج القواعد الرسمية للعبة، وذلك بمعارضة هذه القواعد وتبيان نقائصها وكشف تناقضاتها والدعوة إلى قواعد جديدة تستجيب لمبادئ العدل والشورى وحقوق الإنسان.

لقد اختار إخوتنا في «حركة التوحيد والإصلاح» المشاركة وفق القواعد التي يفرضها النظام، ولهم في ترجيح هذه المشاركة تفسيراتهم السياسية وتأويلاتهم الفقهية، إنه اختيار نحترمه ونتفهم دواعيه الجماهيرية أما ما عن الانتخابات، فيمكن تعليل إحجامنا عن المشاركة فيها بثلاثة أمور على الأقل:

أولها أن مشاركتنا ستزكي النظام السياسي العام الذي نعتقد أنه نظام قائم في أساسه على أصول وأعراف وموروثات تناقض مبادئ الحريات والحقوق الإنسانية.

 إن الرابح الوحيد من الانتخابات التي تجري في بلادنا بالصورة المعروفة هو النظام المخزني، فهذا النظام يحرص كل الحرص على أن تجري لعبته الديمقراطية وفق القواعد التي سطرها بيده، وفي حدود الشروط التي وضعها من عنده وفرضها على جميع المشاركين، وذلك كله من أجل أن تصب نتائج اللعبة في النهاية في رصيده السياسي. 

إن المشاركة في هذه اللعبة بهذا الشكل هو – في اعتقادنا – مشاركة - واعية أو لا واعية - في تقوية دولة المخزن والتعليمات على حساب دولة القانون والمؤسسات.

ثاني هذه الأمور هو أن الفائز أو الفائزين في هذه الانتخابات -  إن سلمت من الغش والتزوير – سواء كانوا في البرلمان أو الحكومة أو المجالس المحلية، لن تكون بيدهم، حسب الدستور والقوانين المكتوبة والعرفية التي تحكم حياتنا السياسية، أي سلطات فعلية لتطبيق برامجهم، إن كانت لهم برامج، فلماذا إذن التنافس في الانتخابات؟ وفي أي شيء يكون إدلاء الناخبين بأصواتهم؟ بل لماذا وجود الأحزاب السياسية ابتداءً؟

وثالث هذه الأمور أن الانتخابات عندنا، أي في ظل النظام السياسي القائم، وفي وسط شعب أكثر من نصفه يعاني الأمية الأبجدية فضلًا عن الأمية السياسية التي تفشو في شرائح واسعة من النخب والأطر المتعلمة، وفي أجواء طالما طبعها الإرهاب المخزني، الانتخابات في هذه الظروف والشروط هي، بمعنى من المعاني، عبارة عن تنشيط لسوق الكذب والاحتيال بلحن القول وشراء الذمم  والنعرات القبلية والحزازات الحزبية، حيث تطغى الأنانيات وتسود الأهواء وتضيع المصالح العامة. 

الرابط المختصر :