العنوان مستقبل المقاومة اللبنانية في ظل إرهاصات الصلح مع العدو الصهيوني
الكاتب رامز الطنبور
تاريخ النشر الثلاثاء 20-فبراير-1996
مشاهدات 61
نشر في العدد 1189
نشر في الصفحة 32
الثلاثاء 20-فبراير-1996
لبنان
• هدف الصهاينة القضاء على المقاومة الشرعية للاحتلال مقابل اعتراف كامل بالأدلة التي يمثلها أنطوان لحد
• أطماع «إسرائيل» في الثروة المائية وحـقـيـقـة برنامجها في المفاوضات
طرابلس:
لا شك أن عدة استحقاقات بارزة تنتظر الحكم اللبناني، تندرج تحت إطار التطبيع الخارجي، أي الدخول في عملية السلام المتسارعة، كذلك التطبيع الداخلي فيما يخص الانتخابات النيابية الآتية، وما يترتب عليها من مشاركة أكثر اتساعًا في صفوف الطوائف والاتجاهات اللبنانية التي لا يزال العديد من رموزها يقطنون العواصم وعلى وجه الخصوص باريس، وبين هذين الاستحقاقين يبقى الوضع في الجنوب اللبناني محط اهتمام محلي وإقليمي ودولي لما له من علاقة مباشرة بالمفاوضات التي ترتب بين الحكومة العبرية والدولة اللبنانية بأنتظار ما ستسفر عنه الجولات التفاوضية بين الدولة العبرية والحكومة السورية في ولاية مريلاند الأمريكية.
بعض المحللين يرون أن المفاوضات «الإسرائيلية» اللبنانية ستكون في نهاية المطاف آخر مسارات التسوية وأن الاتفاق السوري - «الإسرائيلي» المنتظر سوف يكون على حساب لبنان الحلقة الأضعف في المنطقة، إلا أن هذا المنطق يمكن مواجهته بقناعة الدولتين السورية واللبنانية بالمصير الواحد المشترك إضافة إلى الوعي الرسمي والشعبي للأهداف الصهيونية والدور اليهودي من وراء السلام المزعوم.
مصادر مطلعة تؤكد أن وقف الاعتداءات الإسرائيلية اليومية على الجنوب اللبناني والبقاع الغربي، لن يتحقق إلا بإيقاف أعمال المقاومة الإسلامية في الجنوب التي استطاعت بإصرار وعزم رجالها أن تكون رقمًا صعبًا في معادلة السلام المفروضة على المنطقة من خلال تفاوض القوي والضعيف، وأنها - أي المقاومة - تشكل حجر عثرة أمام الأهداف الإسرائيلية في المنطقة، فالمقاومة هي التي حدت من استباحة الآلة العسكرية الإسرائيلية للآمنين في الجنوب اللبناني، من خلال قصف المستوطنات الإسرائيلية في منطقة الجليل بصواريخ الكاتيوشا بمنطق العين بالعين.
إن عدم قدرة القوة العسكرية الإسرائيلية على احتواء المقاومة دفع بها إلى محاصرتها من خلال تحريض السلطة اللبنانية، وذلك واضح في تصريحات المسئولين العبريين، بأن الانسحاب الكلي من الجنوب لن يتحقق إلا بتعطيل دور المقاومة، وقد مارست «إسرائيل» ضغوطات خارجية على الحكومة اللبنانية لأجل هذا الهدف، وقد عبر عن وجهة النظرة العبرية تلك رئيس وزراء العدو السابق إسحاق رابين معتبرًا أن الانسحاب الإسرائيلي الكلي من جنوب لبنان يتوقف على نشر الجيش اللبناني حتى الحدود الدولية، ومنع عمليات المقاومة واستيعاب ميليشيات العملاء «جيش لبنان الجنوبي»، وتفكيك بنية حزب الله، مما حدا برئيس الدولة اللبنانية إلياس الهراوي إلى القول: «إن الجيش اللبناني قادر على فرض سلطة الدولة في الجنوب إثر انسحاب الجيش الإسرائيلي».
لكن بعض المراقبين يرون أن التحريض على المقاومة الإسلامية وعمودها الفقري في الوقت الراهن «حزب الله» بدأ يتعدى الحكومة اللبنانية إلى الموقف السوري وذلك من وراء الضغط والإحراج لسوريا أثناء جولاتها التفاوضية من خلال ما يجري على الساحة الجنوبية من كر وفر المقاومة وجيش العدو وعملائه اللحديين، ويفسر بعض السياسيين أن المناوشات الإعلامية بين إيران وسوريا مؤخرًا دخلت من عدة أبواب، منها:
- دعم سوريا للإعلان الصادر عن وزراء خارجية «دول إعلان دمشق»، فيما يتعلق بحق الإمارات العربية المتحدة في جزرها الثلاث: طنب الكبرى، وطنب الصغرى، وأبو موسى.
الإعلام الإيراني
- انتقاد الإعلام الإيراني قرار دمشق في العودة إلى المفاوضات مع الكيان العبري لكن الباب الأوسع والأهم يتمثل فيما يُحكى عن ضغط سوري على حزب الله فيما يتعلق بعملياته العسكرية الأخيرة التي طالت شمالي «إسرائيل» بصواريخ الكاتيوشا بعد أن قصفت الطائرات الإسرائيلية القرى الجنوبية بالقنابل المسمارية المحرمة دوليًا، وتشير المصادر إلى أن السوريين أكدوا على إيران وحزب الله ضرورة التنسيق المسبق مع دمشق في كل عمل عسكري واسع المدى تجاه الأراضي «الإسرائيلية» في الأراضي اللبنانية، مما أثار حفيظة إيران التي وجه إعلامها لاحقًا الانتقادات اللاذعة للسياسة السورية الماضية في مسيرة السلام، إلا أن العلاقات الإيرانية - السورية تبقى قوية واستراتيجية رغم كل ما يحيط بها من محاولات تفجير، وهذا ما أكده أكثر من مسئول رسمي في كلتا الدولتين، لكن هذا لا ينفي الضغوطات التي تتعرض لها سوريا لفك الرباط مع إيران الذي سوف ينعكس سلبًا على وضع المقاومة في الجنوب، مما يسرع المسار اللبناني - الإسرائيلي للتفاوض المصلحة الدولة العبرية التي وفي حال تعطيل دور المقاومة سوف يرتفع عنها الضغط العسكري وضغط الرأي العام الداخلي للخلاص من الحالة المتفجرة على حدود إسرائيل الشمالية، وبدورها سوف تملي شروطها على المفاوض اللبناني.
إن مستقبل المقاومة في الجنوب مرتبط بما ستؤول إليه المفاوضات السورية - الإسرائيلية التي تتوقع لها بعض المصادر السياسية النجاح خلال هذا العام لكن ذلك لا يغير من الواقع شيئًا حيث تشير الدلائل إلى أن أمام ذلك النجاح الكثير من العراقيل التي قد تعيد المفاوضات إلى حيث بدأت، وأبرزها على ما يبدو الترتيبات الأمنية حيث يصر السوريون على انسحاب إسرائيلي تام من الجولان حتى حدود الرابع من يونيو عام 1967، وذلك وفقًا للقرارات الدولية 242 و338 وإلا فلن يكون هناك سلام، أما الجانب الإسرائيلي فلا يزال يصر على ترتيبات أمنية تضمن له محطة أرضية للإنذار المبكر في الجولان وهذا ما ترفضه سوريا، إضافة إلى الأطماع الإسرائيلية في مياه الجولان والرغبة في التطبيع الشامل قبل الاتفاق على ترسيم الحدود.
تمسك «العدو» بأنطوان لحد
إن ما يدور في المفاوضات السورية - الإسرائيلية لا يمكن أن يكون بمعزل عن المسار اللبناني التفاوضي، بل من المرجح أنه مقدمة له وتوطئة، وهذا ما يفسر التحرك الأخير للقضاء اللبناني تجاه الجنوب في هذا الوقت بالذات، حيث أحال قاضي التحقيق العسكري الأول رياضي طليع، قائد ميليشيا جيش لبنان الجنوبي اللواء الركن المتقاعد أنطوان لحد إلى المحاكمة بعد ما طلب له عقوبات تصل إلى الإعدام في جرائم تتعلق بالتعامل مع «إسرائيل» وقصف المواطنين وإسقاط قتلى وجرحى واعتقال مواطنين، وهذا ما جعل حكومة العدو أشد تمسكًا بالعميل لحد كورقة للمساومة أمام الوجود الفعال للمقاومة، وفي ضوء هذا الأمر أُعد استقبال للعميل اللواء لحد في القدس حضر فيه رئيس الوزراء الإسرائيلي شيمون بيريز وكل من وزير الدفاع أوري أور، وقائد المنطقة الشمالية الجنرال عميرام ليفنين، ومنسق الأنشطة الإسرائيلية في لبنان أوري لوبراني الذي علق على قرار القضاء اللبناني - فيما يعتبر تدخلًا سافرًا في شئون الحكم اللبناني - بقوله: «إنه إهانة متعمدة لا يمكن السكوت عنها»، وحمل بشدة على الحكم اللبناني الذي يتيح لحزب الله «حرية العمل والعربدة وزرع الخراب في الجنوب».. وأكد لوبراني أنه لن تكون هناك مفاوضات مع الحكومة اللبنانية ما لم تتوقف حرية حركة حزب الله مقابل توقف الحكومة اللبنانية عن الإساءة في معاملة جيش لبنان الجنوبي وقادته، وأضاف أن «الحكومة اللبنانية مخطئة إذا اعتقدت أن في الإمكان التوصل إلى سلام من دون الاتفاق على دمج ملائم ومحترم لجيش لبنان الجنوبي في التركيبة اللبنانية المستقبلية».
حقيقة البرنامج الإسرائيلي في التفاوض
هذه الشروط هي بالفعل حقيقة البرنامج الإسرائيلي للمفاوضات مع الحكومة اللبنانية، ففضلًا عن أطماع الدولة العبرية بالثروة المائية والموقع الاستراتيجي للأراضي اللبنانية، تريد تل أبيب أن تنهي المقاومة الشرعية للاحتلال مقابل اعتراف كامل بالعمالة والخيانة التي يمثلها اللواء لحد وأتباعه وهذا الأمر سوف يكون الأبرز للولوج في مفاضاوت لبنانية - إسرائيلية.
أما شأن المقاومة، فقد يتفق المراقبون على القول بأن المقاومة أصبح عندها من المراس والامتداد والتواجد في الأراضي اللبنانية ما يسمح لها بالتحرك والتعاطف جنوبًا وبقاعًا وشمالًا ووسطًا في العاصمة بيروت، ولا شك بأن قادة المقاومة على وعي تام بأن توقيع اتفاقية سلام سورية - إسرائيلية سوف يعقبها حتمًا اتفاقية لبنانية - إسرائيلية وعندها سوف يمنع على المقاومة تأدية دورها، وأن سلاحها سوف يتحول إلى الجيش اللبناني، وتحضيرًا لمثل هكذا أجواء ومنعًا للتصادم الداخلي أو الانجرار لمعركة يريدها العدو الإسرائيلي فإن قادة المقاومة ما برحوا يؤكدون على استمرارية عمل المقاومة رغم إمكانية توقيع اتفاقية سلام، لكن طبيعة المقاومة تختلف باختلاف الظروف حيث من المرجح أن تتحول إلى مقاومة فكرية سياسية معارضة، وهذا ما يؤكد عليه سعي رموز من المقاومة للحصول على ترخيص لحزب سياسي استعدادًا للمرحلة القادمة كشكل جديد من أشكال الصراع مع العدو الإسرائيلي.
إذًا هنالك سيناريوهات لإخراج مستقبل المقاومة، سيناريو تحبذه إسرائيل وتحرض عليه وهو تصفية المقاومة ومحاصرتها محليًا وإقليميًا وتفكيك كافة أجهزتها وملاحقة أفرادها، وسيناريو آخر يكمن في استمرارية العمل المقاوم وتحوله من الجهاد المسلح إلى الجهاد بالكلمة والموقف والعمل السياسي وهذا ما يلتقي مع توجهات العدد الأكبر من الإسلاميين والوطنيين، وهو خيار المقاومة المستقبلي، وفي تبنيه تكمن المصلحة العليا للمقاومة والدولة التي إن تصادمت مع المقاومة دخلت حلبة المفاوضات دون حول لها ولا قوة.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل