; مستقبل حماس بعد التصعيد والإبعاد من فلسطين المحتلة | مجلة المجتمع

العنوان مستقبل حماس بعد التصعيد والإبعاد من فلسطين المحتلة

الكاتب عاطف الجولاني

تاريخ النشر الثلاثاء 29-ديسمبر-1992

مشاهدات 87

نشر في العدد 1031

نشر في الصفحة 30

الثلاثاء 29-ديسمبر-1992

حملة الاعتقالات والإبعاد الإسرائيلية: مستقبل حركة حماس

مقدمة: الرد الإسرائيلي على عمليات القسام

بعد العمليات العسكرية الموجعة التي نفذتها كتائب الشهيد عز الدينالقسام الجناح العسكري الضارب لحركة المقاومة الإسلامية «حماس» ضد جنود الاحتلال، شنت السلطات الإسرائيلية حملة اعتقالات واسعة في صفوف الحركة شملت حوالي 1300 من نشطاء الحركة ومناصريها، وقامت بإبعاد أكثر من 400 منهم بينهم الدكتور محمود الزهار والدكتور عبد العزيز الرنتيسي وحامد البيتاوي رئيس رابطة علماء فلسطين والدكتور محمد سالم سلامة رئيس الجامعة الإسلامية في غزة بالوكالة.

وفي ضوء ما سبق تطرح مجموعة من التساؤلات حول الاحتمالات المتوقعة لمستقبل حركة «حماس» في الفترة القادمة؛ فهل سيؤثر ذلك على قوة وفعالية الحركة داخل وخارج فلسطين؟ وما هو التأثير المتوقع لذلك على علاقة حركة حماس بمنظمة التحرير الفلسطينية؟ وكيف ينظر الشارع الفلسطيني إلى حركة «حماس» عقب تلك التطورات؟

نجاحات ومكاسب الحركة الأخيرة

لاشك أن إبعاد أكثر من 400 من عناصر ومؤيدي «حماس» سيكون له تأثير على وضع البنية التنظيمية للحركة حيث إن قائمة المبعدين تضم 30 أستاذًا جامعيًّا و20 طبيبًا و150 عالمًا وخطيبًا ومهندسين وعددًا كبيراً من الكوادر الطلابية والتدريسية النشطة، ولكن على الرغم من ذلك فإن هناك جملة من الإنجازات والمكاسب الهامة حققتها الحركة وتؤثر بشكل كبير في تحديد الصورة المستقبلية لوضع الحركة وأهمها:

أولًا: تصدر العمل الجهادي:

برزت حركة حماس من خلال العمليات الجريئة التي نفذتها كتائبها المسلحة كقوة فاعلة وتصدرت العمل الجهادي ضد الاحتلال، فلم تكتف بضرب قوات العدو داخل فلسطين المحتلة عام 1967 بل تجاوزت ذلك إلى خلخلة الاحتياطات الأمنية الإسرائيلية داخل الخط الأخضر فلسطين المحتلة عام 1948 الأمر الذي ضاعف من قوة، وتأثير عملية أسر الجندي الإسرائيلي وقتله فيما بعد وهو ما دفع أحد المحللين السياسيين إلى القول بأن قيادات «حماس» هي في وضع قوي ومريح يعطيها فرصة الضرب في غزة والضرب في اليوم الثاني في الخليل والضرب في اليوم الثالث داخل «إسرائيل» واعتبر محلل آخر عمليات «حماس» البطولية الأخيرة نقلة نوعية في تصعيد المقاومة الباسلة ضد الاحتلال، وقال: إن على جميع قيادات المقاومة الفلسطينية أن تغادر فنادق الخمس نجوم وأن تقتدي بقيادة «حماس» إذا ما أرادت أن تجبر رابين على الاعتراف بالحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني.

ثانيًا: كسب التأييد الشعبي الواسع:

كسبت الحركة من خلال تصعيدها العسكري الأخير وحملة الاعتقالات والإبعاد التي طالت عناصرها تأييدًا شعبيًّا واسعًا في الشارع الفلسطيني داخل فلسطين المحتلة وفي صفوف الفلسطينيين في الدول العربية المجاورة، وفي إشارة إلى ذلك قال أحد الكتاب الفلسطينيين المعروفين بتأييدهم للمنظمة إن من لم يكن مع حركة المقاومة الإسلامية «حماس» أصبح اليوم معها بل أصبح منها، وأضاف: «ولقد استطاعت حماس أن تنزع الغشاء عن العيون وأن تظهر الحقيقة بدون تزييف وأن تضع النقاط على الحروف».

وقال مؤيد لحركة فتح في الأراضي المحتلة إن الناس يؤيدون حماس لأنهم يرون أن حماس صارمة ففي الوقت الذي لا يحصل مفاوضونا في واشنطن على شيء تضغط حماس على الإسرائيليين، وقال فلسطيني آخر «لست عضوًا في حماس ولكنني أؤيد هذا العمل بدون تحفظ ».

وذهب أحد المحللين السياسيين إلى طرح السؤال التاليمن يقود الشارع الفلسطيني عرفات أم الشيخ أحمد ياسين؟، وأضاف «هناك ياسر عرفات رئيس اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية والشيخ أحمد ياسين زعيم حركة المقاومة الإسلامية «حماس» التي أرهبت إسرائيل بكامل مؤسساتها، وأذهلت الإعلام العالمي والعربي على حد سواء، وتساءلإذن ما هي المسافة التي تفصل بين عرفات الذي يقود المؤسسة الفلسطينية من تونس، وياسين الذي يقود الثورة الإسلامية من داخل الوطن المحتل ومن أقبية زنازين الاحتلال؟ وفي الجواب يكمن مستقبل فلسطين».

وتوقعت صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية أن يطالب مؤيدو حركة فتح واليسار الفلسطيني بالعودة إلى انتهاج أسلوب الكفاح المسلح على نطاق واسع، كي لا تبقى العمليات ضد «إسرائيل» قصرًا على نشطاء «حماس» وقالت: «إن مسؤولي المنظمة لن يستطيعوا الوقوف موقف المتفرج في الوقت الذي تنجر فيه الجماهير الفلسطينية بحماس بالغ خلف أعضاء الحركات الإسلامية الذين يضحون بأنفسهم في النضال ضد «إسرائيل» في الوقت الذي يقضي فيه رجال المنظمة وقتهم في إجراء مفاوضات سلمية وندوات لا أهمية لها».

وقد ساهمت تهديدات المسؤولين الإسرائيليين ضد حركة «حماس»، وتعبيرهم عن مدى قلقهم تجاه تعاظم قوتها في زيادة التعاطف الشعبي مع الحركة، وعلى الرغم من إدراك «إسرائيل» لتأثير حملتها ضد «حماس» في زيادة شعبيتها، فإن رئيف شيف المتخصص في الشؤون العسكرية في صحيفة هآرتس يرى أن على «إسرائيل» أن تجعل أعضاء حركة «حماس» يدفعون الثمن. وكان رئيس الوزراء الإسرائيلي إسحق رابين قد هاجم حركة «حماس» عدة مرات خلال الأيام الماضية، ووصف الذين قتلوا الجندي الإسرائيلي بأنهم أحط الرجال، و الحيوانات المتوحشة في حركة حماس.
وأضاف رابين «سوف نستمر في ضرب حماس ومن يدعمونها بلا رحمة في إطار القانون» وأكد وزير الإسكان الإسرائيلي بنيامين بن اليعازر أنه لابد من شن حرب لا هوادة فيها ضد حماس، أما رئيس حزب ميرتس اليساري فقال
إنه يجب ضرب حماس بقبضة من حديد، وأن على «إسرائيل» التعاون مع قيادة منظمة التحرير للقضاء على ناشطي «حماس»، ومن جهته طالب رئيس حركة تسوميت اليمينية المتطرفة بمحاكمة الشيخ أحمد ياسين والحكم عليه بالموت ثم تنفيذ الإعدام.

ثالثًا: الانتشار السياسي والإعلامي:

حققت حركة «حماس» من خلال حملتها الإعلامية الناجحة التي رافقت التطورات الأخيرة انتشارًا سياسيًّا وإعلاميًّا واسعًا وقد ظهر ذلك بشكل واضح من خلال تغطية وسائل الإعلام المختلفة عقب عملية أسر الجندي الإسرائيلي.

رابعًا: توجيه ضربة للمفاوضات:

وجهت حركة «حماس» ضربة قوية وكادت أن تكون قاضية للمفاوضات بين الأطراف العربية و«إسرائيل» حيث أدت عملية أسر الجندي الإسرائيلي إلى مقاطعة وفد الأردن والمنظمة لجلسات اليوم الأخير لجولة المفاوضات الثامنة، وإلى تعليق المنظمة لمشاركة الوفد الفلسطيني حتى تتراجع السلطات الإسرائيلية عن قرار إبعاد الفلسطينيين، كما أدت عمليات «حماس» الأخيرة إلى إضعاف موقف الوفود العربية المفاوضة وخصوصًا وفد «م.ت.ف» وإحراجها أمام الجماهير بعد عام من المفاوضات التي لم تؤد إلى أية نتائج.

وقد أشار أحد المحللين السياسيين إلى أن حركة «حماس» تمسك الآن بالكثير من خيوط اللعبة وقال: «إنها تحول معارضتها لسياسات منظمة التحرير من المعارضة الكلامية إلى المعارضة السياسية» وأضاف أنه «يجب أن تؤخذ قيادة «حماس» مأخذ الجد في كل الحسابات، حسابات ومنظمة التحرير وحسابات العاملين في مفاوضات السلام كلهم»، وقال محلل آخر أن حركة «حماس» استطاعت خلال يومين أن تخرب عملية التطبيع التي تهطل منذ أكثر من عام كما استطاعت أن تعيد تشييد الحاجز النفسي وترفع وتيرة العداء والبغضاء بين العرب والصهاينة.

كما أن الإجراءات التعسفية الأخيرة التي أقدمت عليها سلطات الاحتلال والإدانة العالمية لتلك الإجراءات قد أحرجت موقف «إسرائيل»، والإدارة الأمريكية اللتين كانتا تحرصان على تجنب أية إدانة دولية جديدة ضد «إسرائيل»، ولكن ينبغي ألا نراهن كثيرًا على أهمية ذلك حيث إن «إسرائيل» لها سجل حافل في الاستهتار بجميع القرارات الدولية.

احتمالات المستقبل: التكيف وتصاعد القوة

من خلال العرض السابق يمكن توقع الاحتمالات التالية لمستقبل حركة «حماس»:

- لقد تعرضت الحركة للعديد من حملات الاعتقالات الجماعية السابقة التي شملت قيادات الصف الأول والصف الثاني للحركة في حينه وقد تمكنت الحركة رغم صعوبة الموقف من تجاوز تلك الأزمات وأظهرت مقدرة جيدة في التكيف مع مثل تلك الظروف الاستثنائية، ومع أن الحملة الجديدة قد تكون الأكثر ضراوة إلا أن الاحتمال المتوقع هو أن تتمكن الحركة من تجاوز المحنة الحالية وإن كان ذلك سيتطلب بعض الوقت.

- يتوقع أن تزداد قوة الحركة بشكل مضطرد في جميع المجالات سواء كان ذلك على المستوى الشعبي الداخلي والخارجي أو على المستوى السياسي والإعلامي ولابد من الإشارة هنا إلى أن تزايد التأييد الشعبي سيعوض إلى حد كبير الخسارة التي قد تنجم عن إصرار «إسرائيل» على قرارها تجاه المبعدين.

- لقد أظهرت تصريحات رابين ضد الحركة وكذلك موقف الحركات والأحزاب الإسرائيلية والشارع الإسرائيلي الفزع الذي يتملكهم جراء تنامي قوة حماس، لذلك يتوقع أن تزداد ضراوة حملات قمع سلطات الاحتلال ضد الحركة ومؤيديها ومؤسساتها.

- بعد النجاحات التي حققتها الحركة من خلال العمليات العسكرية وبعد حملات الاعتقال والإبعاد التي طالت عددًا كبيرًا من نشطاء الحركة ومؤيديها، فإنه يتوقع أن تصعد كتائب الشهيد عز الدين القسام من عملياتها العسكرية لتحقيق نجاحات جديدة ولأنها لم يعد لديها ما تخشى عليه وقد صرحت «حماس» في بيان لها مؤخرًا أن تنفيذ قرار الإبعاد سيجعل كل صهيوني هدفًا مشروعًا لعمليات كتائبها بعد أن كانت العمليات تستهدف العسكريين فقط.

وأضافت لقد «دخلنا مرحلة جديدة من جهاد شعبنا ضد عدو لا يفهم إلا لغة القوة»، وأكدت أن «الأرض لمن يدفع ثمنها من دمه».

على مستوى العلاقة ما بين حركة «حماس» ومنظمة التحرير الفلسطينية، فإن التوقعات تختلف حيال ذلك وخاصة بعد أن وافقت حركة «حماس» مؤخرًا على حضور اجتماعات القيادة الفلسطينية التي عقدت مؤخرًا في تونس وصدور بيان مشترك في الداخل وقعت عليه حركة «حماس»، والقيادة الموحدة للانتفاضة التي تمثل «متف»، وقد أكدت الحركة على لسان الناطق الرسمي باسمها أن موافقة الحركة على حضور اجتماعات القيادة الفلسطينية منفصل تمامًا عن موقفها المبدئي من التسوية السياسية، ومن موقفها من المنظمة وقالإن موقف الحركة تجاه ذلك واضح جدًّا.

لذا فإنه من غير المتوقع أن تغير حركة حماس موقفها حيال المنظمة قبل تراجع الأخيرة عن مشاركتها في المفاوضات، وتلبية مطالب الحركة التي أعلنتها في وقت سابق خاصة وأن الحركة تزداد قوتها ونفوذها في الوقت الذي تشهد فيه المنظمة تراجعًا كبيرًا في مكانتها.

وقد أشار «ي و فرح زيلبرمان» الباحث في معهد ترومان في الجامعة العبرية والخبير في شؤون «حماس» إلى أن هنالك توازنًا بين «حماس» والمنظمة بحيث إن ضعف واحدة يؤدي إلى تعزيز قوة الأخرى.

إلى جانب ذلك ستجد بعض الأطراف المتنفذة في «متف» صعوبة في المستقبل في الهجوم على حركة «حماس»، كما فعل عرفات خلال الشهرين الأخيرين حين اتهم حماس بأنها تطلق الرصاص ضد الفلسطينيين ولا تطلقه ضد جنود الاحتلال فمثل هذه الادعاءات ستكون واهية في المستقبل، ولن تستطيع الأطراف التي حاولت الادعاء بأن «إسرائيل» هي التي كانت وراء تنامي قوة «حماس» لخلق بديل عن منظمة التحرير لن تستطيع طرح مثل هذه الادعاءات مستقبلًا.

على حركة «حماس» أن تتدارك الآثار السلبية التي قد تنجم عن تشديد الهجمة الإسرائيلية ضدها، كما أن عليها أن تستفيد من الأجواء الجديدة في الشارعين الفلسطيني والعربي فإن من يزرع يجب أن يحصد.





 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل