العنوان مستقبل كابل: كتاب جديد تنفرد المجتمع بنشره قبل الطبع (973)
الكاتب أحمد منصور
تاريخ النشر الثلاثاء 10-يوليو-1990
مشاهدات 68
نشر في العدد 973
نشر في الصفحة 37
الثلاثاء 10-يوليو-1990
حقوق الطبع
والنقل والاقتباس والترجمة محفوظة لدار الوفاء للطباعة والنشر - مصر
إن مستقبل كابل
هو مستقبل أفغانستان وإن الذي سيحكم قبضته على كابل هو الذي سيتحكم في مستقبل
أفغانستان السياسي.
الحلقة الرابعة
الفصل الثاني
أوضاع نظام كابل
1- الأوضاع
السياسية والعسكرية
الأوضاع
السياسية:
لم يكن إتمام
السوفييت لخروجهم من أفغانستان في منتصف فبراير 1989م إلا نقطة تحول في انهيار
سريع للأوضاع السياسية لنظام كابل، وقد عبر أحد الدبلوماسيين الغربيين وقتها عن
الصورة التي يعيشها النظام تعبيرًا دقيقًا حينما قال: «إن الأوضاع السياسية في
كابل تشهد انهيارًا هو الأسوأ من نوعه منذ دخول السوفييت إلى أفغانستان» وعلى هذا
فإننا نستطيع أن نرصد مظاهر هذا الانهيار السياسي الذي تعيشه كابل الآن في عدة صور
منها:
1-
قطع العلاقات الدبلوماسية:
فمعظم الدول
الغربية إن لم يكن كلها قد قطعت علاقاتها الدبلوماسية مع نظام كابل، وقد سبقتها
معظم الدول الإسلامية في هذا الجانب أيضًا وبعض الدول الأخرى ورغم إعلان كل من
فرنسا وإيطاليا وألمانيا الغربية في أوائل يناير 1990 عن اعتزامهم إعادة فتح
سفاراتهم في كابل، إلا أن أوضاع النظام ربما لا تساعدهم على تحقيق هذه الخطوة، كما
أن تهديد المجاهدين لهم ربما يكون له دافع أيضًا في عدم إقدامهم على هذه المغامرة.
2-
تخفيض أعداد الدبلوماسيين:
على الرغم من احتفاظ الاتحاد السوفييتي والدول
الاشتراكية وبعض الدول الأخرى الحليفة لنظام كابل بعلاقات دبلوماسية مع هذا النظام
إلا أن كل هذه الدول قد قامت بتخفيض تمثيلها الدبلوماسي إلى أقل عدد ممكن خوفًا من
حدوث أية تغيرات أو تطورات مفاجئة يتعرض لها النظام.
3-
فرار الدبلوماسيين والمسؤولين:
فمنذ خروج
السوفييت من أفغانستان في فبراير 1989 وحتى الآن شهدت حكومة كابل فرار كثير من
المسؤولين والدبلوماسيين العاملين فيها سواء لباكستان أو الدول الغربية، ومما ساعد
على بروز صورة الانهيار الدبلوماسي والرسمي للنظام هو هروب بعض هؤلاء المسؤولين
أثناء قيامهم بأداء بعض مهامهم الوظيفية، وقرارهم أثناء ابتعاثهم في مهام محددة،
ففي أوائل نوفمبر الماضي 1989 أعلن نائب وزير التعليم العالي في نظام كابل عن طلبه
لحق اللجوء السياسي إلى فرنسا التي كان في مهمة رسمية لها، وفي ديسمبر 1989 لجأ
أكثر من مسؤول دبلوماسي من العاملين لدى قنصلية نظام كابل في «إسلام آباد»
للمجاهدين وكان من بينهم «أمين الله» الذي كان قبل ذلك أحد المسؤولين في جهاز
المخابرات الأفغاني «خاد» وفي 19 ديسمبر 1989 أعلن باتشاكل وفدار وزير الطيران
المدني السابق في نظام كابل في مؤتمر صحفي عقده في بيشاور أنه قد انضم للمجاهدين
كما شهدت هذه الفترة انضمام عديد من المسؤولين الآخرين للمجاهدين مثل عبد الحميد
مبارز وكيل وزارة التربية والتعليم، والبروفيسور جمدر رئيس الدراسات العليا في
وزارة التعليم العالي. وفي الثاني من يناير 1990 أعلن البروفيسور عزيز الله سادات
وكيل وزارة التعليم العالي في نظام كابل عن انضمامه أيضًا للمجاهدين، وذلك علاوة
على العشرات من صغار المسؤولين أو كبارهم الذين يفرون كل يوم إلى الغرب أو يهاجرون
إلى بيشاور، ولعل هذا يعطي صورة لما يعانيه النظام، خاصة وأن كل واحد من هؤلاء قد
أعلن أنه هرب بحيلة حتى يسمح له بالخروج، كما تحدث كل منهم عن الأوضاع في كابل
ومعاناة الناس هناك وكيف أن نسبة عالية من المسؤولين خاصة من غير الشيوعيين تريد
انتهاز أي فرصة من الفرص تيسر لها مهمة الهروب من كابل.
4-
تأثير التغيرات في أوروبا الشرقية:
كان للتغيرات
السياسية التي عاشتها وتعيشها أوروبا الشرقية في هذه الأيام لها تأثيرها المباشر-
ولا شك- على نظام كابل، فقد ذكرت وكالة أنباء البنيان في تقرير لها نشرته في
الرابع من يناير 1990 نقلًا عن الواشنطن بوست أن نجيب قد جمع اللجنة المركزية
للحزب الشيوعي مع أركان نظامه وخاطبهم قائلًا: «إن العالم قد بدأ في نبذ الشيوعية،
حتى أن رفاقنا في موسكو وأوروبا الشرقية قد وصلوا إلى قناعة بأنه لا جدوى من وراء
التمسك بالشيوعية بعد أن فشلت في إسعاد الشعوب التي كانت تحكمها، فيجب علينا أن
نتدارك الوقت قبل فوات الأوان وإلا فمصيرنا لن يكون أفضل من مصير شاوشيسكو» وطالب
نجيب بضرورة تغيير اسم الحزب إلى اسم يكون مقبولًا لدى الجماهير ولدى الدول
الديمقراطية، وأن تشكل لجنة لإعادة صياغة النظام الداخلي للحزب مع مراجعة مفاهيمه
ولوائحه، وقد ذكرت «الواشنطن بوست» بأن هذا الاجتماع قد عقد في مخبأ تحت الأرض في
مقر وزارة الدفاع في كابل، وبحماية كبيرة من قوات كابل وذلك في الوقت الذي كانت
فيه صواريخ المجاهدين تسقط بكثافة على المطار وعلى المنشآت العسكرية داخل كابل وقد
سقط أحد هذه الصواريخ على مسافة أمتار قليلة من مقر وزارة الدفاع أثناء انعقاد الاجتماع.
وزيادة في إظهار
التأزم السياسي الذي يعيشه نظام كابل فقد أعلن أحد الدبلوماسيين البارزين في
السفارة السوفييتية في إسلام آباد في مؤتمر صحفي عقده في الحادي والعشرين من يناير
1990 «بأن نجيب على استعداد للتخلي عن السلطة لصالح حكومة تكون برئاسة ملك
أفغانستان السابق ظاهر شاه وذلك سعيًا لمحاولة القيام بعملية إنقاذ سياسي للنظام
العميل في كابل، ورغم أن هذه الفكرة لم تطرح لأول مرة إلا أن طرحها من قبل مسؤول
سوفييتي يؤكد على اليد الطولى التي ما زالت موجودة للسوفييت في أفغانستان، حتى
فيما يتعلق بإقالة الرئيس أو إبقائه في السلطة.
هذه الصور
المختلفة للمعاناة السياسية والتمزق الداخلي والخارجي الذي يعيشه نظام كابل ربما
تدفعنا إلى طرح سؤالنا الهام وهو المتعلق بالأوضاع العسكرية لهذا النظام والتي
ربما لها الدور الأكبر في بقاء النظام قائمًا في كابل حتى الآن.
الأوضاع
العسكرية لنظام كابل
كنت أرقب كابل
عند الغروب من إحدى التلال التي تشرف عليها بينما كانت إحدى طائرات النقل العسكرية
الضخمة من طراز اليوشن 76 السوفييتية، تلقي خلفها بعض القنابل الحرارية خوفًا من
صواريخ المجاهدين وهي تطير على ارتفاع منخفض في طريقها للهبوط في مطار كابل، وقبل
أن أقوم من مجلسي خرجت من «دار الأمان» ثلاث كتل ضوئية ضخمة أضاءت سماء كابل وما
حولها، ففزعت منها وقمت لأبحث عن ملجأ، إلا أن أحد المجاهدين هدأ من روعي وقال لي:
لا تخف إنها صواريخ «سكود» وهي متجهة إلى أماكن بعيدة.
كانت هذه صورة
من الصور التي رأيتها والتي ربما تتكرر في اليوم الواحد عشرات المرات لمن يرقب
أوضاع كابل من مواقع المجاهدين التي تطل عليها، دفاع مستميت بكل أنواع الأسلحة
سواء المحرمة أو غير المحرمة، وإمداد مستمر من الاتحاد السوفييتي إلى نظام كابل
بواسطة طائرات النقل العملاقة التي يهبط كل يوم منها في مطار كابل ما لا يقل عن
أربعين طائرة.
وحتى تكون صورة
الأوضاع العسكرية لنظام كابل واضحة أمامنا فإننا نسعى إلى استعراضها في نقاط من
خلال واقع هذا النظام:
1-
انهيار جيش نظام كابل:
يقول الرائد
موسى خان الناطق العسكري الرسمي في اتحاد إسلامي أفغانستان وأحد خبراء المجاهدين
العسكريين في تصريح خاص أثناء لقائي به مؤخرًا «لقد كان عدد جيش كابل قبل التدخل
السوفييتي في أفغانستان حوالي 90,000 جندي وقد تمكن المجاهدون خلال فترة جهادهم من
إبادة مثل هذا الجيش عدة مرات، فالإحصائيات التي لدينا تفيد بأن عدد القتلى من جيش
كابل خلال هذه السنوات قد بلغ 80,000 قتيل علاوة على 100,000 جريح ومعوق، كما
استسلم للمجاهدين ما يقرب من 60,000 جندي، ومعنى هذا أن عدد المجندين خلال السنوات
الاثنتي عشرة الماضية قد فاق العدد الإجمالي للجيش عدة مرات ونستطيع أن نقول بإن
المجاهدين قد دمروا أكثر من جيش من الجيوش التي شكلها نظام كابل بمساعدة
السوفييت».
أما الأوضاع
الحالية للجيش الذي يقوم بالدفاع عن العاصمة كابل فقد تفاوتت التقديرات بالنسبة
له، خاصة وأن المسميات العسكرية التي يطلقها النظام على قواته لا تتناسب من حيث
الأعداد والتجهيزات مع الواقع الفعلي للنظام، فحينما يطلق النظام لقب «فرقة» على
أحد تجمعاته العسكرية فهذا لا يعني أنها فرقة متكاملة بألويتها ومعداتها وهكذا إلى
آخر المسميات العسكرية.
وقد أخذنا
كثيرًا من المعلومات من القادة الميدانيين العسكريين المتواجدين حول كابل مثل
القائد عبد الحق والعقيد محمد نعيم وغيرهم، وذلك علاوة على التقارير العسكرية
المختلفة التي تصدر من هنا وهناك علاوة على بعض القادة العسكريين البارزين الذين
استسلموا مؤخرًا للمجاهدين وأبرزهم الجنرال محمد ظريف مسؤول أمن القصر الجمهوري
السابق في كابل والذي انضم للمجاهدين في شهر أغسطس 1989، وحتى يكون تقييمًا دقيقًا
فإننا نحاول أولًا أن نحدد المناطق التي تتواجد فيها قوات نظام كابل ثم نسعى
لمعرفة تقسيمات هذه القوات:
أ-
المناطق التي تتواجد فيها قوات النظام:
يستطيع
المجاهدون الآن بسهولة تحديد مواقع التجمعات العسكرية لنظام كابل داخل العاصمة بل
أن أحد قادة المجاهدين صعد بي إلى إحدى التلال التي تشرف على العاصمة كابل وأخذ
يشير لي على تجمع القوات وأماكن تواجدها، وقد كان هذا واضحًا في دقة المجاهدين
وقدرتهم على إصابة أهدافهم العسكرية ضد تجمع هذه القوات.
ونستطيع أن نجمل
أماكن تجمع هذه القوات في المناطق التالية: «مطار كابل» و«دار الأمان» و«وزير
ستان»، وذلك علاوة على منطقة السفارات والقصر الجمهوري ووزارة الدفاع وفندق
«الإنتركونتيننتال» أي باختصار مدينة كابل عبارة عن ثكنة عسكرية.
ب-
القوات التي تدافع عن كابل:
تنقسم القوات
التي تدافع عن كابل إلى:
1- قوات
الجيش: وتضم القوات الجوية والمدرعات والمشاة والدفاع الجوي، والقوات الخاصة
ويقدر تعداد الجيش النظامي الذي يقوم بالدفاع عن العاصمة بين 30 و50 ألف جندي
وضابط.
2-
الحرس الجمهوري: وهؤلاء مكلفون
بالدرجة الأولى بالحفاظ على حياة نجيب ضد أية محاولة انقلابية من الجيش أو أي طرف
آخر، وقد أشارت بعض التقارير إلى أن نجيب قد تدخل بنفسه في اختيار كثير من قيادات
هذا الحرس وأشارت تقارير أخرى إلى أن عدد هؤلاء يزيد على عشرين ألفًا، وقد ذكر
الجنرال محمد ظريف مسؤول الأمن السابق في القصر الجمهوري في كابل والذي انضم
للمجاهدين في أغسطس 1989 بأن عدد رجال أمن القصر الذين كانوا يعملون تحت قيادته
كان عددهم ثلاثة آلاف رجل.
3-
المليشيات الحزبية والمحلية:
ولا يوجد حصر
دقيق لهم داخل العاصمة إلا أن بعض التقارير قد أشارت إلى أنهم حوالي 50 ألفًا من
الرجال والنساء ويشتملون على قوات «حرس الثورة» و«المحاربون الأوائل» و«شباب خلق»
و«حرس الحزب الشيوعي الأفغاني» و«جبهة أرض الأجداد» و«مليشيات رشيد دوستم» إلى غير
ذلك من المسميات الأخرى وهؤلاء يتبعون قياداتهم الحزبية تقريبًا مع وجود قيادات
عسكرية للنظام تنسق بينهم.
4-
المليشيات العسكرية:
وهؤلاء تتكون
منهم الأحزمة الأمنية المحيطة بالعاصمة كابل وعادة ما يتم اختيارهم من البدو أو
القبائل ذات العروق القوية مثل الجوزجانيين الذين يشكلون الأحزمة الأمنية الرئيسية
للعاصمة كابل الآن، وهؤلاء كما ذكر ثلاثة منهم وقعوا في أيدي المجاهدين كأسرى
حينما استولى المجاهدون على نقطة «بجك» المكلفة بحماية كابل من طرف بغمان في أواخر
نوفمبر 1989م، ذكروا بأنهم مكلفون بإحراق وتدمير الأخضر واليابس وأن يظلوا يقاتلون
حتى الموت، ويقول «نور الدين» أحد القادة الميدانيين حول كابل والذي صحبته في
رحلتي إلى هناك، إن هؤلاء من عرق غريب تبدو الفظاظة والبلادة والقسوة على وجوههم
كما أنهم دربوا تدريبًا خاصًا على أيدي خبراء عسكريين سوفييت، ويقدر عدد هؤلاء
بحوالي خمسين ألفًا.
5-
قوات الخاد:
أي جهاز
المخابرات الأفغاني ويقدر عددهم بحوالي مائة ألف وهم يتبعون وزارة أمن الدولة،
ولهم بعض الوحدات المقاتلة إلا أن معظمهم مسلحون بأسلحة خفيفة، وتمزقهم الصراعات
الحزبية وتعود ضخامة عدد العاملين في «الخاد» إلى سعي النظام لتجنيد واحد على
الأقل من كل بيت ليكون رقيبًا على أبيه وإخوته وتصرفاتهم بل ربما يكون الولد على
أبيه والوالد على ابنه.
6-
قوات الشرطة:
وهم يتبعون
وزارة الداخلية ويقدر عددهم بحوالي 30 ألف جندي ورغم أن هذه القوات تشكل قوة ظاهرة
من حيث أعدادها وتقسيماتها إلى أن واقعها يعكس صورة أخرى تتمثل في الصراع الدموي
بين هذه القوات وذلك من قبل ضباط الحزب الشيوعي بشقيه «خلق» و«برشم» حيث يسعى كل
طرف منهما إلى فرض سيطرته على الأجهزة العسكرية في الدولة ولعل وضعهم هذا يتمثل في
قوله تعالى ﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّىٰ﴾ (سورة الحشر:14)